Wednesday 18th of October 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    02-Oct-2017

مدارس بلا رسوب - د. ذوقان عبيدات

 

 
(1) مشكلة الرسوب
الغد- لم يتعرض موضوع تربوي إلى جدل قاس كموضوع الرسوب والترفيع الآلي. فهناك انقسام بين الجمهور قد يعكس انقساماً بين المربين والباحثين، الأمر الذي ما زال يثير جدلاً في ظل غياب دراسات طويلة تتابع أحوال الراسبين.
فالمعلمون يعتقدون أن "لكل امرئ ما سعى"، وأن الطلبة يجب ان يخضعوا لامتحانات لقياس تحصيلهم، وفي الامتحان -على حسب وجهة نظرهم - يكرم المرء أو يهان.
وقسم من النخبة التربوية، ترى أن الطلاب في الصف يجب أن يكونوا متجانسين ومتقاربين في المستوى، حتى يتمكن المعلمون من تقديم عمل للجميع، دون اضطرارهم للسير بسرعة أضعف الطلاب.
والمجتمع يرى أن الله خلق الناس متفاوتين في قدراتهم ومن الطبيعي ان يتباينوا في سرعاتهم ومدى استيعابهم. إذن في الرسوب عدالة وفي الرسوب نفع ومصلحة عامة. فهو الحل الأمثل لمشكلة المستوى، وإن إعادة الطالب لصفه سوف تحسن من أدائه، وتحل مشكلاته!! وهذه هي النظرة التقليدية للأمور التربوية.
(2) للرسوب وجوه عديدة
تثير قضية رسوب الطلاب الضعاف، أو في الحقيقة ترسيبهم، فالرسوب فعل تقوم به المدرسة لا الطالب، تثير أسئلة عديدة حول: - عوامل الرسوب وأسبابه. - آثار الرسوب على الطالب والمدرسة والأهل والمجتمع والعدالة. - آثار الرسوب على الكلفة المالية للطالب وعلى كفاءة النظام التعليمي. - إمكان تجنب الرسوب أو الترسيب. - مدى إفادة الطالب من الترسيب. - مدى إفادة المدرسة والمجتمع من الترسيب.
فللحكم لصالح الترسيب أو ضد الترسيب جوانب عديدة يجب توضيحها، لنترك الحكم لكل مهتم كي يحدد موقفه سلباً  أو  ايجاباً.
فإذا كان أنصار الترسيب يتحدثون عن العدالة والنظام والصالح العام، فإن توضيح الجوانب أو الوجوه الأخرى للترسيب ربما يسهم في تعديل الصورة وتغيير أحكام عامة يطلقها كثيرون على الطالب الراسب، علماً بأن الطلبة الراسبين فئات عديدة، ما بين ضعيف يواجه صعوبات، وبين مهمل كثير الغياب وبين من لم يناسبه معلم أو مدرسة أو حتى النظام التعليمي بأكمله. وعلى العموم سنبدأ بدراسة جميع هذه الجوانب.
(3 ) الطالب الراسب: من هو؟ وما هو؟
الطالب الراسب هو شخص لم يستفد من المدرسة، أو من معليمها أو من بعض معلميها، وقد تكون عدم الفائدة أو قلتها ناتجة عن عوامل عديدة متشابكة: - يواجه ظروفاً صحية سيئة. - يأتي من أسرة فقيرة او كثيرة المشاكل. - يأتي من بيئة ثقافية لا تشجع التعلم. - يصاحب بعض رفاق السوء. - يواجه ظروفاً عقلية معيقة. - يهتم بالعمل لا بالدراسة.
فالراسب أو المرسَّب هو واحد من هؤلاء أو بعض من هؤلاء، فأي الظروف يتحمل مسؤوليتها الطالب؟ وإذا افترضنا أن جميع طلاب المدرسة أطفال بحكم القانون، فأي مسؤولية يجب أن يتحملها هؤلاء؟ وبعيداً عن القانون ما مسؤولية الطلاب عن عوامل مدرسية، أو اقتصادية أو عقلية أو حتى إهمال؟
فالطالب المرسب وليس الراسب هو طالب لم يتكيف مع الحياة المدرسية لأي سبب كان. وربما لم يتلق الرعاية اللازمة لتكيفه!
(4) الرسوب: مسلّمات أساسية
يمكن وضع المسلّمات الآتية:
- من حق الطالب أن يعيش في بيئة نظيفة وأن يتلقى الرعاية الصحية والاجتماعية الملائمة، وهذه من حقوق الانسان.
- اذا تلقى الطالب تعليماً جيداً في بيئة جيدة، فإنه لن يواجه صعوبات دراسية، إلا إذا كان لديه مشكلات عقلية.
- بالإمكان تعليم جميع الطلاب وفق قدراتهم العقلية. بل يمكن رفع مستوى ذكاءات الطالب إذا تلقى التعليم الجيد.
- هناك خلل كبير في النظام التعليمي: من حيث نوع المناهج ومستواها وتأهيل المعلم وخبراته، ونوع التدريس وطرائقه، وعملية التقويم واجراءاتها.
- إذا رفعنا جميع عوامل الرسوب، فلا شك بأن الطالب سينجح. وعوامل الرسوب هي اقتصادية ومدرسية واجتماعية وعقلية وغيرها.
- اذا رسبّنا الطالب دون معالجة أسباب الرسوب: الاقتصادية والمدرسية وغيرها، فإن الطالب سيكرر الرسوب مرات عديدة.
- إذا رسبّنا الطالب ضعيف القدرات، فإن قدراته لن تتحسن!!
 في ظل هذه المسلمات يبدو أن ترسيب الطالب يعني: تحميله مسؤوليات فشل النظام المدرسي والاقتصادي والاجتماعي.
وبالتأكيد، إذا أعاد الطالب صفه، وفي نفس مدرسته وعند نفس المعلمين، وفي ظل جميع الظروف التي أدت إلى رسوبه فإن شيئاً ما لن يتغير في مستواه، وربما إذا حدث تغير فإنه سيكون للأسوأ، وهناك دراسات أردنية تشير:
- إن ظروف الطلاب الراسبين الاقتصادية والاجتماعية تختلف نوعاً ودرجة عن ظروف الناجحين، فالناجحون أفضل، ويتمتعون بمساحات أكثر اتساعاً في المنزل وبمصروف يومي أعلى من زملائهم الراسبين.
- إن ترسيب الطلاب لم يؤد إلى تحسن آدائهم أو تحسن إنجازهم، فالراسبون الذين تمت متابعتهم على مدى ثلاثة أعوام بعد رسوبهم، لم يتحسن معظمهم وتسرب بعضهم، وأعاد الرسوب بعض منهم، واحتفظ بمستواه عدد منهم، ولم تتجاوز نسبة من تحسنوا 10 ٪ وكان تحسنهم ناتجاً عن تغير في ظروف المدرسة أو معلميها أو ظروف واهتمام الأسرة لا عن الرسوب وحده.
(5) الرسوب: انحراف تربوي وأخلاقي
يتبدى الانحراف التربوي والأخلاقي في الترسيب بما يأتي: يأتي الطلبة في بداية العام، ومن الملاحظات الأولى يكتشف المعلمون مستوياتهم، ويعرفون جيداً أفضل الطلبة- الشاطرين، وأسوأ الطلبة - المشاغبين، وأضعف الطلبة - غير المتكيّفين. نعم! يعرفونهم جيداً، وينتظرون آخر العام ليقولوا لهم: أنتم راسبون. دون أن يفعلوا لهم شيئاً طوال العام، أو قد يكتفون بإبلاغ الأهل، لعل معجزة أسرية تنقذهم!!
والمشكلة الأخلاقية الثانية، أن الطالب ليس ملكاً للمدرسة فالأهل هم "المالكون" وأن أي قرار مصيري يتعلق بالطالب يجب أن تتخذه الأسرة لا المدرسة، وليس سراً أن أنظمة عالمية راقية لا تقبل الرسوب، وأن المدارس الفرنسية مثلاً لا تملك حق ترسيب الطالب إلا إذا وافق الأهل على ذلك. فانفراد المدرسة بقرار مصيري لطالب ليس عملاً اخلاقياً. والمشكلة الأخلاقية الثالثة هي في تحميل الطالب مسؤوليات لا علاقة له فيها مثل:
ضعف المعلم، صعوبة المنهج، عدم ملاءمة طرق التدريس، غياب برامج علاجية... الخ، فأي أخلاق هذه التي تحمل طالباً بريئاً مسؤوليات فشل مدرسته ومعلميه؟!
والمشكلة الأخلاقية الرابعة هي أننا لا نقدم للطالب تعليماً حسب ذكاءاته، فالطالب الذكي حركياً وبصرياً واجتماعياً وتأملياً وبيئياً وايقاعياً لا يتلقى الحدود الدنيا من حاجاته فكيف نحمله فشلنا في تقديم تعليم يناسبه؟
إذن، إذا كان الرسوب عملاً أخلاقياً منحرفا فهل الحل في الترفيع التلقائي؟
(6) الترسيب أم الترفيع التلقائي 
لعل المشكلات الأخلاقية السابقة تلقى ضوءاً على حلول مقترحة، فالمشكلات الأخلاقية في الترسيب عديدة جداً، ولا تقتصر على ما سبق فقط، بل تتعدى ذلك إلى أن المدرسة تتخذ قراراً تعرف مسبقاً أنه لن يؤدي إلى التحسن المطلوب، فقرار الترسيب يريح المعلمين فقط بغض النظر عن نتائجه الكارثية على الطالب وأسرته، كما أن آلية الترسيب الذي يتم نتيجة امتحانات غير عادلة وغير معقولة، ولا علاقة لها إطلاقاً باهداف التعليم المختلفة، مثل النمو  الشخصي والاجتماعي والعقلي والعاطفي، حيث تقتصر الإمتحانات على قياس النحو المعرفي فقط، هذه الآلية لا عدالة فيها اطلاقاً!! فما الحل؟ هل هو في الترفيع التلقائي؟
ان الاجابة على هذا السؤال تتطلب ذكر المقدمات الآتية:
1- ان للرسوب آثاراً مدمرة على كلفة التعليم وشخصية الطالب الراسب وعلى أسرته وعلى الاخلاق التربوية. فإذا كانت كلفة الطالب أو متوسط كلفة الطالب 1000 دولار سنوياً فإن رسوب ألف طالب يعني إهدار مليون دولار، كان يمكن توظيفها في تدريب المعلمين أو وضع برامج خاصة لدعم الطالب المهدد بالترسيب، فكيف إذا رسب عشرون الفاً؟
والرسوب طريق للتسرب، وكلفة المتسرب المهدورة من الصف الخامس مثلاِِ خمسة آلاف دولار، فماذا نفعل؟
2- وللرسوب آثار سيكولوجية واجتماعية اكثر فداحة، ولا داعي للحديث عنها، فالكل يدرك ما معنى أن يضطر طالب راسب للعيش مع أطفال يصغرونه طوال حياته الدراسية! فأي نمو هذا؟ واي توازن نفسي وعاطفي وعقلي واجتماعي؟
إذن ماذا نفعل؟ هل نرفع الراسبين آلياً؟
بالتأكيد الترفيع الآلي ليس حلاً، ولكنه أفضل بكثير من الترسيب والترفيع الآلي يستند الى مسلّمات واضحة وهي:
- تتحدد حياة الطالب والشخصية بعمره لا بمعلوماته فقط. فالصف المناسب للطالب هو متوسط العمر القريب او  المطابق لعمر الطالب.
- إن حياة الطالب الشخصية أكثر اهمية من حياته المعرفية. فقد يكون الطالب فناناً أو رياضياً أو شاعراً أو حتى حلاقاً ماهراً أو سائقاً دقيقاً، وليس بالضرورة أن يكون سقراطاً أو أفلاطوناً.
- إن تخرج الطالب المرفع تلقائياً قد يفقده بعض المعلومات التي حصل عليها زملاؤه الناجحون، ولكن بعد فترة قصيرة من انتهاء الحياة المدرسية يتعادل الجميع في معلوماتهم المدرسية التي تلقوها في المدرسة.
3- اذن، لو كان الحل ترفيعاً تلقائياً فهو أفضل كثيراً من الرسوب. لكن يمكن مرافقة الترفيع التلقائي ببرامج تربوية مهارية تساعد الطالب على مستقبل حياته. وليس سراً القول بأن التدخلات اللازمة لمساعدة الطالب على النحو المهاري والمعرفي - ليست موجودة في مدارسنا!! وأن كثيراً من الأنظمة تتبع نظام: - مدارس بلا رسوب. - لا نترك طفلاً خلفنا No child left behind ، بمعنى أننا نعنى بجميع الاطفال ونحميهم من الرسوب. - أنظمة تعليمية عديدة ترفض فكرة الرسوب.
ومرة اخرى، لا يجوز ترسيب طالب، مهما كان السبب. وهناك فرص عديدة لمساعدته.
ولو اشتكى طالب راسب في مدارسنا بتهمة أنه: - لم يتلق التعليم الجيد والدعم الجيد. - لم يمتحن في اهداف التعلم. لكسب القضية وأدان أنصار الرسوب!!
 
* رئيس وحدة البحث في مجتمع النهضة التربوية.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات