Monday 26th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    13-Oct-2020

«رحلة الجذور» لأنور الخطيب.. رحلة الذاكرة

 الدستور-أحمد الكواملة

في روايته الأخيرة «رحلة الجذور» يعمق القاص والروائي الفلسطيني «أنور الخطيب»، أسلوبه الروائي المتكئ على تقنية السرد، دون انتفاء لجوئه في بعض الأحيان إلى «الديالوج» كما في فصل «موقف» ومثلما باحت قصته «ألأرواح تسكن المدينة» بـهم إنساني يبرز الإحساس بمرارة الظرف السياسي والاجتماعي الذي نعيش نلمس بوضوح ميله في روايته هذه إلى تعميق الشعور بمأساة استلاب الوطن فلسطين والهجرة في منا في الأرض، وهو يتابع مثلما فعل في «الأرواح تسكن المدينة» سرد أحداثه بلغة تقوم على التصوير الغرائبي المدهش الكاريكاتيري السافر الباعث على التأمل، في إطار ما يمكن تسميته «جمالية القبح» غير أنه مدعو عدم الإغراق في الوصف الذي يفقد مبرراته الفنية بعض المواقف.
إن لغة الروائي «أنور الخطيب « كثيرا ما تبوح بروح الشعر وتشير إلى تشربه لجماليات الكتاب المقدس «العهد القديم «. كما نلاحظ في غير مكان مثل المقاطع الأخيرة من فصل «أفضل السماء تمطر صيفا « وتتكشف لغته أيضا عن قدر من التجلي الصوفي كما في فصل « مولاي « وعن هندسة بنائية تقوم في كثير من الأحيان على تداخل الأزمنة والأمكنة في حركة تناوبية تثري العمل وتعمّق دلالاته في سياق يزاوج بين القصة القصيرة والنصّ الروائي وهي ميزة تحسب لصالح التجربة، إذ يقود تأمل الرواية إلى إدراك سمات القصة القصيرة لكل فصل من فصولها، حيث يمكن الاكتفاء به مع ارتباطه وسائر فصول الرواية بعلائقية عضوية لا تنفصم وهذه خصيصة تمنح القارئ فرصة طيبة للتعامل المفتوح مع فصول النص الرواية «القصة» والتي تعتبر نمطا من السيرة الذاتية، لا تقوم على سرد تفاصيل تتعلق بحياة الراوي بقدر ما تؤرخ لرحلة شعب من حياة القرية الوادعة , الى حياة المنافي، مرورا بمأساة الاقتلاع وصولا إلى زمن التمزق فلسطينيا وعربيا، وهي تمثّل من جهة أخرى تسجيلا للذاكرة الرعوية وللقصص الشعبي الحميم، تؤكد أن البسطاء هم عشاق الأرض وأول المقتلعين منها، وهم ضحايا الحروب، رجال الثورة وأول المكتوين بنارها، هم الشهداء المتهمون بصدق انتمائهم في آن معا، أمّا القادة الزعماء فهم ذاتهم عربيا وفلسطينيا، ذات السمات ونفس الروح الوضيعة المتظاهرة بالنبل، الجبانة مدعية الشجاعة، الخائنة المتباهية بالالتزام والإخلاص، البشعة الأنانية المجرمة، اللابسة لبوس الجمال والإيثار والوداعة، والضحية هو دائما ذلك القروي البسيط الني لا يتغير...
«... فلم استيقظ إلا وأنا أمامه، فعادت عشرون سنة مضت، وصدمت مخيلتي خطبة لرجل ناعم الصوت والحس، كبير الكرش صغير الرأس واسع العينين، كبير الشفتين،لم تكن له رقبة بدا رأسه وكأنه ركب تركيبا وضغط على كومة لحم أسطوانية الشكل، قال لي بصوت يشبه تنفس الجسد من الأسفل.. لماذا تأخرت...؟».
وتدور العجلة، ولا تكفي بيانات الجسد المغروزة في لحم ذلك القروي لنفي
تهم الخيانة التي أمر القائد على إلصاقها به... قال:
«... المفروض انك واحد منّا... عند تلك اللحظة أمر بإدخالي إلى الغرفة الأخرى... هنالك طردت كل الشوائب التي تعلقت بنفسي، لقد كاد أن يشكّكني بذا كرتي، قابلت في تلك الحجرة معظم كبار المخيم لم ينج احد من الضرب والركل والبصاق...»
وتستمر الرواية، تعرّى ذواتنا وذوات الآخرين، نحن غرقنا في غفلتنا فلم نلتفت لتحذيرات زرقاء اليمامة، ذلك المتماهي في صوفيته وكشفه «العم عبد الرزاق» وكأنه نداء الأرض...
«...إنهم قادمون... إنهم قادمون من الغرب، انتبهوا أيها النائمون على صدري، استيقظوا واعدوا لهم، انهضوا، أنكم تخنقوني...».
اغتلنا صوته، وحين استيقظ نفر منا على هدير الخطر، لم نكن نملك إلا القليل نذود به، وتكتمل الدائرة، حيث لا هم لبعض الكيانات العربية التي يمثلها، القائد ذو الكرش غير دفع قوى المقاومة إلى التراجع، وتجريدها بعد ذلك من أدنى مقومات القوة، وإغداق الوعود، التي نكتشف أنها مجرد وعود لا أكثر...
يقول القائد الكبير ذو الكرش :
«... لن أطيل عليكم أيها المنقذون في الأرض، وسبب إنقاذكم يعود إلى هذا الكرش الذي منع جنودي من التقدم والحركة وشكّل سدا يحمينا من المصائب، فقرّرنا انتظاركم في ذلك المكان حتى لا يسيل الدم أكثر وننسحب استعدادا للزحف الأكبـر... ننصح بالهدوء وإعادة تنظيم الأمور، وهذا يتطلب تسليم أسلحتكم وكأنها أسلحتنا، سندللها ونلفّها بالقطن والقماش... ومن يدريكم ربما نعطيكم أقوى منها، فنحن لا نريد لكم التعب ولا الصوم في رجب، نحن نريدكم أن تقضوا على عدوكم في أسرع وقت وبأقل خسائر...!!».
إن الرواية وهي تبرز امتهان الشعب الفلسطيني رسميا، تبرز من ناحية أخرى
تلك النظرة المتعالية المتوجسة القاتمة السائدة على المستوى الشعبي في البلدان
المضيفة، والتي تفضحها ألسنة الناس في الشوارع والمجالس...
«... إن لهم ذيولا قصيرة يخفونها في سراويلهم الواسعة، يأكلون الحشيش، واللحم وكل شيء، أسنانهم حادة كالأسود وعيونهم حمراء، وبشرتهم سمراء، وأياديهم طويلة وأقدمهم هائلة...».
مما دفع أبو العارف أن يخلع سرواله لينفي هذه الإشاعة...
«... فصرخ المتحدث، وطلب مني أن استر نفسي، فقلت له، لن أفعل إلا حين تتأكدون بأنفسكم إن كان لي ذنب أم لا... «.
ورغم سوداوية الواقع، تصر «رحلة الجذور « بصياغة رمزية دالة، على تجدد الأمل، فها هو عارف يمضي مع الشهداء شارة بذل ومقاومة، وها هي أم عارف تصر على إنجاب عارف جديد، تلده على حدود الموت «المقبرة « لتهبه الحياة نجما آخر في سجل الخالدين، وها هي أم عارف «الأرض» رغم المجازر والرحيل المتجدد، تتمخض إرادة الحياة والمقاومة من جديد، في هيئة مسيح آخر، فتبعث الأرض ملحمة الانتفاضة، صوتا عاليا يعلن أننا لا نموت وان الفجر قادم...
((... يقول الراوي إن أم عارف تمددت بـعيدا عن النار وجسدها ينز عرقا ودما، وبطنها يتحرك بصورة عجيبة... وفجأة أطل رأس طفل من بين ساقيها، مد يديه امسك بركبتي أمه، ثم شدّ نفسه وخرج... بينما هو كذلك اشتم
رائحة مخلوق يحمل الخطر في وجهه، جذبـته رائحة الدم واللحم الطري، وعندما أدركه الطفل ببصره أمسك بالحجر وقذفه به فأصابه في رأسه، وبـدأ الطفل... !!».
إن ما يميز هذه الرواية، قدرتها على تمثل مأساة النكبة وجلجلة المنافي وعذاب الاحتلال بلغة سهلة وتقنية أليفة، دون أن تفقد وهج الإثارة والتأمل،مع ثقتي بأنه كان يمكن للروائي أن يعمق مجرى الرواية بتنمية شخوص روايته، كأن يبرز على سبيل المثال وبصورة أجلى، شخصية أبا سعفان، التي يمكن بسياقها الحالي أن تحذف من النص الروائي، دون تأثير يذكر.
* أنور الخطيب، قاص وروائي فلسطيني، يعمل محررا في ملحق جريدة الاتحاد الظبيانية الثقافي، وقد أصدر عددا من المجموعات القصصية.