Thursday 22nd of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    02-Oct-2020

استراتيجية النص الوجداني بين المبدع والمتلقي في «من فيض الوجدان» لـكفاية عوجان

 الدستور-وداد أبوشنب

من جنس النثر الشعري أو «النثيرة» ومن غرض الوجدان، تُفيض علينا الأديبة كفاية عوجان إصدارها الثاني فمن «حديث الصمت» إلى «فيض الوجدان» ترتقي «كفاية» سلم الوجدانيات لتلامس أجمل المحطات فيه، فتحملنا وتنقلنا نقلا نوعيا عبر أثير حروفها وصدى كلماتها وهمسات معانيها إلى أسمى ما قد تخطّه أنثى تلميحا وتصريحا عما يخالج روحها المرهقة حينا، والحالمة حينا آخر في فِناء لا نهاية له من الذكريات والألم.
كفاية عوجان صاحبة الروح الشفيفة، تذيب ألمها وحلمها في بوتقة من الحرف الذي تنسج منه عبارات تصنعها! بنصوص متسقة اتساقا فرديا وكلِّيا، فتعمل على استدراج القارئ عبر تقنيات السّرد والمعاجم المعتمدة في النصوص، لتجعل المتلقي ينسجم انسجاما انسيابيا فيؤوِّل الأفكار بروحانية ثرية كانت الأديبة قد هيّأته للوصول إليها، وكان ذلك باستخدام العديد من التقنيات، سآتي إلى ذكرها ذكرا مجملا حتى آتي على أغلب جوانب الدراسة.
تعتمد الأديبة عدّة معاجم كما أسلفت ومنها:
معجم الطبيعة في التشبيهات (السحاب، البحر، الظل، الشمس، الليل وعتمته، القمر، النجم، العصافير، النور، الورد، النسر، الصخر، الشتاء، الصيف، الخريف...) هذا المعجم يصادق على انبعاثها من أمِّها الطبيعة، فمنها خلقت وإليها تؤول، كما أن اهتمامها بتيمة الطبيعة يجعلها تتماهى معها لتغزل بنية كبرى من البنيات الصغرى المتمثلة في رموز الطبيعة فتستدل بالقمر على النور والفرج، وبالبحر على الغموض حينا والاسترخاء أحيانا.. والليل يحيل عندها إلى الشوق والحنين والألم، والنسر يمثل النجاة والحرية.. (سأبقى أرقص على حافة الهاوية، كالنسر.. أحلق في الأعالي..) كما تجعل من ملامح الطبيعة أرواحا إنسانية، تتماهى معها، بين بحر وسهل وورد ونسائم ونجوم لتستنطقها وتخضعها لروحانياتها فتضفي تناغما وجدانيا كونيا طبيعيا على حروفها قتنقل المتلقي إلى عالم الحياة المأمولة التي ترنو إليها كل نفس حيّة: عالم المثل الأفلاطونية، تحت بطاقات تصويريّة عنوانها الانفراد من أجل الفضيلة.
كما يطفو معجم الشعور على النصوص، فتفرح وتتألم وتبشِّر بربيع يزهر في خريف العمر فتكون «رعشة القلب» الأولى حاضرة برحيقها العليل فتجعلنا نحلق ونسمو بمفردات روحانية:
معجم الرّوحانيات: (المعبد، الصلاة، التسابيح، ابتهال الغيمة، تراتيل الحبّ، القبة (الأقصى).) دلالة على السكينة والحالات الرّوحانية التي تمثلها رغم الشتات ورغم أعاصير الأحوال التي تدخل فيها وتخرج منها.. ويقترب هذا الحقل الدلالي من تيمة الصوفية المغرِقة في خبايا الرّوح والتّسامي على مادية البشر. تسبح بحروفها المتصاعدة لتؤلف لنا لحنا وجدانيا ينسج وسائدَ ناعمة لانسياب الروح بين بعثرة ولملمة لكلّ معالمها، نضيع هناك بين المعاني التي تتسامى أمام ظلِّ أثيريِّ يطاردها فتخلق لنا من قلقها مسارا إهليلَجيا، ترفعنا بحالها إلى السحاب، وتعود إلى الألم والأنين الرومنسي فتتألم دون شكوى لتُبكي المتلقي وما تلبث أن تجفف دموعه التي أهرقتها بقفلة تفاؤلية أو انكسار ملائكي سِمْتُه التسامي.
معجم الأبدية: (الخلود.. الأبدية.. الموت مات.. أبدية الحياة..) هذه التيمة تدخل فيها روح الأديبة التي تنتفض من أجل حياة أفضل، فتستعيض بالقلق الدنيوي بحلم موعودة به سيتحقق ولو بعد حين، وقاعدتها الدينية تتجلى هنا حيث الإيمان بحياة أخرى حيث:
«نرمي وجهنا الضاحك المستعار
فيجهش الغمام بالبكاء
يُغرق الألمَ.. ويموت الموت.
وتحيا أبدية الحياة».
معجم الأنثى: معجم حاضر بوضوح، من أول كلمة في الكتاب «يا نفس» وهو عنوان النص الأول، فالأنثى كانت حاضرة لدى كفاية عوجان بكل ضمائرها وبكل حالاتها النقية الوجدانية، كحالة ملائكية لا جسد لها باستثناء «فاكهة صيف» أين اعترفت بملائكية الرجل وحنانه وبجحودها!! ولعل هذا الاعتراف هو الذي أخرج النصوص من رتابة مثالية الأنثى في تصورها وجعل القارئ يتقبل أكثر ما يقدم له.
من جهة أخرى، تعتنق الأديبة الأسلوب السردي، فتنسج حكايا أشبه بالسيرة الذاتية الوجدانية لروح إنسانية قد تكون هي، أو أخرى، كما في نص «وجه القمر»، ضمير الغائب «هي» أو «هو» ضمير يحمل الرؤية السردية من الخلف وهي رؤية عامّة شمولية، يحيط السارد فيها علما بكل ما يتعلّق بالشخصية، هكذا كانت «كفاية عوجان» تتحكم بنصوصها من حيث البنية السردية، حتى عندما يكون الضمير بصيغة المتكلم تكون الساردة على علم بكلّ شيء لأنها بصدد سرد ذكريات من الوجدان. كما تبنت أسلوبَيْ السرد: الذاتي والموضوعي، لتشكل تيارا متناوبا تنشل به القارئ من السأم.
الموسيقى: اللافت للنظر وحريّ بنا التطرّق إليه هو البنية الموسيقية للنصوص عامة، فعند القراءة يحفّ بنا إيقاع موسيقي، فنخال أن النص على بحر معين، وعند التقطيع أو عند الدندنة العروضية لا نجد أي بحر.. لكن نغمة الـ فعولن فعولن أو مفاعيلن مفاعيل أو غيرها من البحور الصافية، تحضرنا مع كل نص.. ناهيك عن موسيقى بعض السجع المتواجدة دون أن تعطي تقييدا للنص النثريّ، أضف إلى ذلك الموسيقى الداخلية للنصوص، من اتساق بين الحروف والكلمات تجعل من نصوص «من فيض الوجدان» «مغناة» بلحن عذب.
البنية الزمكانية: تؤطر الأديبة حكاياها بزمن ومكان متخيّلين، فالمكان هو (هنا، هناك، عالم تحقيق الأمنيات، «نتبعثر رمادا في الخيبة» المعابر، المنافي، الغيمات، الكون، البحر..)، والزمن نحو: (الأيام، الأمس، زمن الخيبة، زمن الجهل، جوف الليل..) البنية الزمكانية في هذا المؤلَّف، بنية متخيَّلة لا تحيل إلى واقع ملموس، باستثناء نصي «لحن الحياة»، و»قيثارة السّماء» حيث تحدثت عن حقيقة متمثلة في «رم» و»أعمدة جرش»، جاء المتخيّل هنا ليدعم روحانيات الأديبة في وجدانياتها المطلقة، فلا تكاد أقدامها تلمس أرض الواقع حتى تسافر من جديد.
ومع تباين استخدام الأساليب في نصوصها، هناك عنصر ثابت، هو التسلسل وآلية الانتقال من فكرة إلى أخرى، ففي «أبجديات الحنين»: بدأت بالاشتياق وانتقلت إلى المكان (صفحاتها) تبحث عن المنشود، ثم تنتقل إلى عالم البرزخ حيث لا حياة ولا موت، ثم تلغي الزمن والمكان وتستقر في مرحلة الخلود حيث يموت الموت.
اعتمدت كفاية عوجان، الوتيرة الهادئة التي طغت على صورة النصوص بصفة عامّة رغم استخدام الأفعال المضارعة التي تنبئ بالحركة والحيوية، أتقنت دوزنة الكلمات على إيقاع وجداني بعيد عن الانفعال الصاخب رغم الألم الذي يتسلل من خلال ( يوجع، تؤلمنا..) كأنّما تعمدت التماهي مع ملائكية روحها لتدفع بها إلى السمو. كما شهدت الثنائيات الضدية وجودا ثريا بين دفتي الكتاب (الموت والحياة، الدفء والصقيع، الفناء (الزوال) والخلود، الانكسار والانبعاث، الألفة والوحدة...).
في الإصدار إحالات تناصيّة متنوعة جدا، فتستخدم من النسيج القرآني عبارات: (البصر حديد، ولا عمر يزيد.. سنين عجاف..وكوثر يروينا.. هشيم تذروه الرياح...) فهذه الصور التي تجعلها الأديبة تَظهَر في نصوصها بمثابة ومضات لإرشاد المتلقي بالدلالة عن ماهية المعنى النصي الماثل بين يديه، كأنما تقول له: هأنذاأتواطؤ معك فأهديك مفاتيح نصية تيسر عليك آلية التأويل.
في كل نص حكاية، ونسيج الحكاية يختلف من موضوع إلى آخر، تنتقل الأديبة من نص إلى آخر عبر نهايات مفتوحة، وبدايات عائمة، يصل بينهما عنوان صوفي أو وجداني يتماهى مع قاموسها القبلي، نحو نهاية «طيور الصباح» :
((طيور الصباح
أعيريني منك جناحْ
لأحلِّق وألقاها،
أو خذي منها نسمات حبّ ورضى
واطرحيها في قلبي
ليعم الخير والسلام
وأعانق أيّامي
أرتشف عطرها
في كلّ زهرة
وأقتل العتمة
بشمسها التي لا تغيب.))
نهاية مفتوحة على الأمل والحبّ لحياة أفضل. فتصلها ببداية نص «هناك» المتشائم: ((كل شيء كان
تغيّرت الأيّام،
غابت تلك الأحلام
ضاع حسّ الكلام..
لا أجد وجوها أرسمها..
وانكسرت الأقلام.. /..))
وتنهي النص بتساؤل: ((واليوم أين يكون؟ وأين أنا؟)) فتصله بومضتين مضلَّلَتين: ((*الموت يقربنا من أنفسنا التي ماتت، منذ زمن..
*قصير عمر أزهاري ! تسّاقط من هبّة ريح، بعضها يتشبّث بذلك الغصن، ليكون فاكهة الصيف المنتظر.))
ومضتان تربطان النّص الأوّل بالثاني المعنون بـ: «هي» حيث تقول:
((امرأة تملك الكون
بين كفيه..
لا تبحث إلا عن المحبّة والسلام.))
كأنّما هذه البداية جواب على قفلة النّص الذي سبق ((واليوم أين يكون وأين أنا)). استراتيجية مبهرة تشدّ القارئ بكل انسيابية.
ترسل كفاية عوجان برقيات عشوائية عبر بطاقات مضللة في نهاية أغلب نصوصها النثرية، وفي هذا غرض رد القارئ إلى الكتاب كلما سها، وتحضيره إلى نص جديد. وهي إيهام للقارئ بالحواشي فيخالها تابعا أو تهميشا، لأنها لم تعتمدها كنصوص مستقلة شأنها شأن النصوص الطويلة، فجاز لنا أن ندخلها في إطار «الميتانصية» Metatextualiteوهي النوع الثالث حسب تقسيم جيرار جينيت في عتباته النصيةPalimpsestes.وهذه البطاقات تتمثل في شكل ومضات وجدانية من صفعات الحياة أو مكافآتها:
*ستبقى حروفي ملحا أُجاجا يزيد عطشي، يقطف الخيبات ويؤجج نار الذكريات.
*لم أدقق في ملهاة البقاء، ومأساة الرّحيل.
وفي النهاية، ولا نهاية مع الوجدان، أقول إن المؤلّف، ديوان من روحانيات فاضت وغُزِلَت بإتقان، يستقطب كلَّ المناهج النّقدية لدراسته، من الجمالية إلى الانطباعية إلى البنائية، إلى السيميائية إلى التداولية إلى التأويلية...