العالم ليس ضدنا.. بل ضد الاحتلال
الغد
هآرتس
ميراف أرلوزوروف
تجد أوساط اليسار صعوبة في معرفة سبب غضب الكثيرين في الرأي العام الإسرائيلي إزاء اقتراح التوصل إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين. لقد أخافت مذبحة 7 أكتوبر الرأي العام في إسرائيل. بعد ذلك، فتحت عيونهم ليدركوا أننا لسنا فقط محاطين بأعداء يعملون على القضاء علينا، بل بأعداء في غاية القسوة. وللأسف، هم أيضا أكثر دهاء مما كنا نتخيل، وتبين أن لديهم القدرة على تحقيق طموحاتهم الشيطانية.
بدرجة كبيرة، كانت مذبحة 7 أكتوبر بمثابة الشرارة التي قضت على كل المخاوف البدائية التي استحضرتها دروس الكارثة: "هذا لن يتكرر أبدا" و"متسادا لن تسقط مرة أخرى". والآن أصبح من الواضح أن متسادا قد تسقط في أي لحظة.
لقد حذر عاموس عوز بالفعل من الاستخفاف بمخاوف الناس، وهذا بالتحديد ما يفعله اليسار: الاستخفاف بالخوف من خلال اقتراحات طوباوية لتسوية سياسية. في أفضل الحالات، ينظر الرأي العام في إسرائيل إلى اليساريين على أنهم دعاة حماية البيئة الساذجون. وفي أسوأ الحالات، ينظر إليهم على أنهم خونة؛ هؤلاء الذين انضموا إلى العالم في لوم إسرائيل على الوضع الراهن، وبالتالي إنكار حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
لذلك، ربما حان الوقت لليسار، بدلا من الحديث عن السلام، للتحدث عن الخوف. صحيح أنه يوجد لإسرائيل حق طبيعي في الدفاع عن النفس، لكن هناك طرقا أخرى للدفاع عن أنفسنا عدا احتلال كل جيراننا. هذه هي الرسالة التي يحاول العالم أن يوصلها لنا، والتي يعجز الرأي العام في إسرائيل، بدافع الخوف الشديد، عن استيعابها: الدفاع عن النفس، ولكن...
سيكشف تحليل متنور أن الاحتلال وتوسعه منذ 7 أكتوبر ليشمل غزة ولبنان وسورية يشكلان خطرا وجوديا استراتيجيا على دولة إسرائيل. الاحتلال يدمر أهم مقومات إسرائيل: التماسك الداخلي والديمقراطية، والمكانة الدولية، والاقتصاد القائم على التصدير، والذي يعتمد بالتالي على رغبة العالم في الاتجار معها، بل وحتى الاعتراف بوجود الدولة نفسها.
إن شعار "من النهر إلى البحر" ممكن، لأن إسرائيل لا تملك حدودا شرقية معترفا بها. لقد تركت إسرائيل مسألة الحدود الشرقية مفتوحة، بالطبع، بدافع رغبة خفية في التوسع شرقا وضم الأراضي. ولكن هذا الأمر ارتد عليها سلبا، مع دعوات عالمية لتقليص دولة إسرائيل غربا. لو كانت لنا حدود معترف بها، لما كانت هذه الدعوات ممكنة.
صحيح أن هناك ميزة للسيطرة العسكرية على الأرض. فعندما يسيطر الجيش الإسرائيلي، يصعب بناء جيش من الإرهابيين ينفذ هجوما على شاكلة هجوم 7 أكتوبر. ولكن هذه فقط ميزة تكتيكية، وهي أقل أهمية من الخطر الاستراتيجي الذي يتمثل في أن يدير العالم ظهره لإسرائيل، الأمر الذي سيؤدي إلى انهيارها عسكريا واقتصاديا. وبغض النظر عن إمكانية الدفاع بنجاح من الحدود، فقد فعلنا ذلك حتى العام 1967، ونحن نفعله الآن ضد قادة حماس في غزة، ومع وجود 27 كتيبة تنتشر على طول الجدار الفاصل بدلا من داخل الأراضي المحتلة، يمكن القول إن هذا يحقق أمنا أكثر.
في ظل الوضع الراهن، حيث تفقد إسرائيل بسرعة دعم العالم، وتفحص الإدارة الأميركية فرض عقوبات على قادة في الجيش الإسرائيلي، يجب توعية الرأي العام بأن الاحتلال لا يعزز أمن إسرائيل، بل يضر به. العالم ليس ضدنا، بل هو ضد الاحتلال فقط. لذلك، فإن من مصلحة إسرائيل العليا التوقف عن الدفاع عن نفسها من خلال الاحتلال. الدولة الديمقراطية تدافع عن نفسها من حدودها. هذه هي الرسالة الواضحة التي يجب الالتزام بها، صحيحة، سواء ساد السلام أم لا.