Friday 27th of May 2022 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    23-Jan-2022

سيناريو “يوم القيامة” الحقيقي: كيف انتزع هشام أبو هواش التنازل الإسرائيلي؟

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة

 
رمزي بارود – (كاونتربنش) 14/1/2022
تظل وثيقة الأسرى الصادرة في العام 2006، التي أعدها ووقعها قادة وأعضاء بارزون من جميع الأحزاب السياسية الفلسطينية في السجن، أقوى الدعوات وأكثرها صدقا على الإطلاق إلى الوحدة الوطنية. وتشكل روح الوحدة المنبعثة من داخل السجون الإسرائيلية بالتحديد سبب استمرار الشعب الفلسطيني في اعتناق هذا التصور الجماعي بأن الأسرى هم القادة الحقيقيون للمجتمع الفلسطيني.
* * *
فور ورود التقارير الإعلامية عن إبرام صفقة بين الأسير الفلسطيني هشام أبو هواش وسلطات السجون الإسرائيلية، داهم متطرفون إسرائيليون بقيادة عضو الكنيست، إيتامار بن غفير، بغضب مستشفى “أساف هاروفيه” الذي كان أبو هواش محتجزا فيه.
أبو هواش، الناشط السياسي الفلسطيني، في الحادية والأربعين من عمره، وأب لخمسة أطفال. وقد اعتقله الجيش الإسرائيلي الإسرائيلي من منزله في بلدة دورا بالقرب من الخليل في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2020. وعلى مدى 141 يوما على التوالي، قبل الاتفاق، بدأ أبو هواش إضرابا عن الطعام سيسجل في تاريخ المقاومة الفلسطينية كواحد من الإضرابات الأطول أمداً والأكثر أهمية.
غضب بن غفير وغيره من اليمين الإسرائيلي من قرار الحكومة بالإفراج عن أبو هواش في 26 شباط (فبراير)، في الوقت الذي يكافح فيه ائتلاف نفتالي بينيت لإظهار أوراق اعتماده المؤيدة للمستوطنين اليهود وكل السياسات المتشددة الشاملة ضد أي شكل من أشكال المقاومة الفلسطينية. وفي الحقيقة، بالنسبة للعديد من الإسرائيليين، تعتبر أي تسوية من هذا القبيل هزيمة صريحة لإسرائيل ونصرا لا ريب فيه للفلسطينيين.
كان صمود أبو هواش، الذي دخل في غيبوبة قبل أيام من إبرام الاتفاق، حيث ترنح جسده الهزيل المعذب تحت وطأة الألم الهائل الذي سببه إضرابه الذي لا يلين عن الطعام، علامة مميزة لنوع المقاومة التي أظهرها آلاف الأسرى الفلسطينيين في الماضي.
في الوقت الحالي، هناك نحو 4.600 أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، معظمهم مسجونون في أعقاب محاكمات أمام محاكم عسكرية إسرائيلية. ولا ترقى هذه المحاكمات إلى الحد الأدنى من متطلبات الإنصاف على النحو المحدد في القانون الدولي أو القواعد القانونية المعمول بها، حتى في البلدان الديمقراطية اسميا.
وبالإضافة إلى ذلك، وفقا لمجموعة “الضمير” لدعم الأسرى، هناك 500 فلسطيني محتجزون من دون محاكمة أو من دون مراعاة الإجراءات الواجبة، في نظام شديد القسوة يُعرف في إسرائيل باسم “الاعتقال الإداري”.
وكان أبو هواش قد اعتقل أيضا وفقا لنفس النظام سيئ السمعة، الذي وصفته مجموعة حقوق الإنسان الإسرائيلية “بتسيلم” بأنه “احتجاز للحرية من دون محاكمة أو تهمة”، مبني على ادعاء غير مدعوم “بأن شخصا يخطط لارتكاب جريمة في المستقبل”.
وقد تم تجديد اعتقال أبو هواش بشكل متكرر، كما هو الحال في كثير من الأحيان عندما يتم القبض على الأسرى الفلسطينيين لمجرد معاقبتهم على أنشطتهم السياسية أو خطابهم المناهض للاحتلال. وفي مثل هذه الحالات، يتم إبقاؤهم في عزلة تامة. وهم يتعرضون جميعا للتعذيب النفسي، وفي كثير من الحالات، التعذيب الجسدي أيضا، حيث يعمل المحققون الإسرائيليون على انتزاع اعترافات يمكن استخدامها ضدهم في المحاكم العسكرية.
وتقدم محاكمات محمد الحلبي مثالا على ذلك. وربما تكون حالته أبشع عرض للنظام المروع لما يسمى بالاعتقال الإداري. ما يزال مدير العمليات في منظمة “الرؤية العالمية” في غزة محتجزاً في الحبس الانفرادي منذ أكثر من خمس سنوات. ومنذ ذلك الحين، تم عرضه أكثر من 150 مرة أمام محكمة عسكرية إسرائيلية. ويعيش أحد أبرز العاملين في المجال الإنساني في فلسطين الآن كابوسا لا نهاية له، يتمثل في كونه ليس حرا ولا متهما.
في حالة أبو هواش، لم يكن قرار الإضراب عن الطعام عشوائيا. على العكس من ذلك، كان قرارا استراتيجيا مستوحى من المقاومة الشعبية التي شهدتها فلسطين في أيار (مايو) الماضي والشعور المتجدد بالحيوية والوحدة بين الفلسطينيين.
يعتبر نضال المعتقلين السياسيين الفلسطينيين من أجل الحرية أحد الركائز الأكثر توحيدًا للقضية الفلسطينية. وعلى الرغم من أن معظم السجناء، مثل معظم الفلسطينيين، ينتمون بشكل مباشر أو فضفاض إلى أحزاب سياسية معينة، إلا أن هذه الانتماءات سرعان ما تتبدد بمجرد دخولهم -مقيدين بالأغلال- إلى زنزاناتهم الخاصة في السجون الإسرائيلية.
وسواء أكان من مناصري فتح، أو حماس، أو جماعة اشتراكية أو أي حركة أخرى، فإن الفلسطيني لا يعود بعد سجنه عضوًا في فصيل بحد ذاته، وإنما يكون فلسطينيا أولا وقبل كل شيء. وتمكن قراءة هذا الواقع بسهولة من نوع الأدب الذي يتم تهريبه في كثير من الأحيان من السجون الإسرائيلية.
على سبيل المثال، تظل وثيقة الأسرى الصادرة في العام 2006، التي أعدها ووقعها قادة وأعضاء بارزون من جميع الأحزاب السياسية الفلسطينية في السجن، أقوى الدعوات وأكثرها صدقا على الإطلاق إلى الوحدة الوطنية. وتشكل روح الوحدة المنبعثة من داخل السجون الإسرائيلية بالتحديد سبب استمرار الشعب الفلسطيني في اعتناق هذا التصور الجماعي بأن الأسرى هم القادة الحقيقيون للمجتمع الفلسطيني. ولا بد أن أبو هواش، مثل العديد من السجناء الآخرين الذين مروا بتجربة الإضراب عن الطعام المرهقة، كان يعرف ذلك جيدًا. لا بد أنه قدّر تمامًا حقيقة أن ملايين الفلسطينيين في جميع أنحاء فلسطين المحتلة والعالم، كانوا يشاهدون بقلق ويعملون مسبقاً بطرق مختلفة لإظهار تضامنهم مع أبو هواش وعائلته.
قبل يوم واحد من الالتزام الإسرائيلي بالإفراج عن أبو هواش، تجمع حشد كبير في غزة، ضم قادة من المجتمع ومتحدثين باسم جميع فصائل المقاومة. وتعهدت إحدى الشخصيات البارزة بأنه سيتم اعتبار وفاة أبو هواش –إن حدثت- عملاً من أعمال “الاغتيال”، واعدا بأن ثورة جديدة سوف تبدأ قريبا للانتقام لمقتله. وبعد ساعات وافقت الحكومة الإسرائيلية على الشروط كما حددتها عائلة أبو هواش.
كان المتطرف بن غفير على حق فعليا. في الواقع، منحت الحكومة الإسرائيلية النصر للفلسطينيين. ولكن لماذا تتنازل إسرائيل في الوقت الذي ترفض فيه تقديم تنازل واحد عندما يتعلق الأمر ببناء المستوطنات غير القانونية، أو الفصل العنصري المتزايد، أو الاحتلال العسكري، أو وضع القدس؟ السبب لا يتعلق بالسجين نفسه، وإنما يتعلق بمركزيته في الوعي الجمعي للفلسطينيين. لو توفي أبو هواش، لكانت فلسطين كلها قد انخرطت في ثورة جديدة، وإذا حكمنا من خلال أحداث أيار (مايو)، فإن كل أنواع المقاومة كانت ستظهر، وهي أزمة لا يستطيع تحالف بينيت المهتز تحملها.
إنها لصورة قوية للغاية أن نعتقد أن رجلاً يُحتضر، مقيدًا على سرير مستشفى، سيجبر إسرائيل على التنازل في قضية حاسمة مثل قضية حرية الفلسطينيين. تخيلوا فقط ماذا يمكن أن يحدث لو تضاعفت طاقة أبو هواش القوية هذه بآلاف مثله، وتمت إدامتها من خلال مقاومة ملايين الفلسطينيين في جميع أنحاء فلسطين المحتلة. هذا هو سيناريو “يوم القيامة” الحقيقي الذي تخافه إسرائيل أكثر ما يكون.
*صحفي ومحرر “ذا بالستاين كرونيكل”. وهو مؤلف لخمسة كتب. آخر كتاب له هو “هذي السلاسل سوف تُكسر: قصص فلسطينية عن النضال والتحدي في السجون الإسرائيلية” (كلاريتي برس، أتلانتا). وهو زميل باحث أول غير مقيم في مركز الإسلام والشؤون العالمية في جامعة الزعيم في اسطنبول.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Real ‘Doomsday Scenario’: How Palestinian Hunger Striker, Abu Hawash Forced Israeli Concession