Monday 18th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    24-Nov-2020

«قطار الليل إلى لشبونة» لباسكال مرسييه: رؤية الذات من خلال الآخر

 القدس العربي-بهاء إيعالي

لا يختلف اثنان على قيمة المثل العربي القديم «ربّ صدفةٍ خير من ألف ميعاد» ومدلولاته الرمزية، فلطالما كانت المصادفات التي لا تحصى سبباً في تغيّر وجوه هذا العالم الكثيرة، فجميعنا يعرف قصة تفاحة نيوتن، التي سقطت على رأسه ومن خلالها اندفع نحو اكتشاف قانون الجاذبية، أو حتى رقائق الذرة «Corn Flakes» التي جاءت مع الأخوين كيلوغ، عقب طبخة قمحٍ فاشلة، أو رحلة كريستوف كولومبوس التي كانت متجهة إلى جزر الهند، ورست بالخطأ في عالم جديد، الذي اعتبر أول اكتشافٍ لقارة أمريكا، وأيضاً حجر رشيد الذي عثر عليه ضابط فرنسي، وفك شامبوليون رموزه ليكتشف الأبجدية الهيروغليفية، وغيرها الكثير من المصادفات، خلاصتها أنّها هي المادة الخام لذلك الفضول الذي يدفع الإنسان لاكتشاف ما هو مجهول عنه.
في روايته الثالثة «قطار الليل إلى لشبونة» التي نقلتها إلى العربية سحر ستالة (مسكيلياني 2019)، يقدّم الكاتب والفيلسوف السويسري باسكال مرسييه (يشار إلى أنّ هذا الاسم هو الاسم الأدبي لبيتر بييري) حبكةً روائيّة بنت نفسها على المصادفة، بطلها هو رايموند غريغوريوس (موندوس) مدرس اللغات الكلاسيكيّة في معهدٍ في برن، وهو الذي يعيش حياةً روتينيّة بعد أن انتهى زواجه قبل سنوات، ويكنّ له الطلاب والأساتذة في المعهد على حدّ سواء احتراماً كبيراً، تبدأ حياته بالتغيّر عقب إنقاذه لفتاةٍ برتغاليّة كانت تحاول الانتحار من على جسر كرشلفند، وكانت كلمة «برتغالية» (أي اللغة الأم للفتاة) هي كلّ ما تمكن من معرفته عنها، قبل مغادرتها، ما يدفعه للذهاب صوب مكتبةٍ اسبانيةٍ التقط فيها كتاب «صائغ الكلمات» للطبيب والكاتب البرتغالي أماديو دي برادو، ومع عدم معرفته باللغة يضطر لترجمة المكتوب بداية مع بائع الكتب، ومن بعدها مستعيناً بالقاموس، ليكتشف أنّ ما كتبه ذلك الكاتب المجهول كأنه كتبه لشخصه، أي موندوس.
هنا يقرّر مغادرة المعهد والتوجه صوب لشبونة، متعقباً لآثار دي برادو، الذي كان طبيباً وكاتباً برتغالياً من أسرة مرموقة (كان والده قاضياً صارماً) عايش حقبة ديكتاتورية أنطونيو سالازار، وانضمّ سراً إلى المقاومة كتكفيرٍ له عن خطئه بإنقاذ حياة «جزار لشبونة» روي لويس مينديز، وتوفّي بفعل تمدّد الأوعية الدمويّة، تاركاً خلفه مجموعة مقالات حول الهوية والدين واللغة والأخلاق زمن الديكتاتورية، قامت شقيقته ومؤتمنة سره أدريانا بطباعتها ضمن كتاب «صائغ الكلمات».
فيما نلحظ أنّ مراقبة غريغوريوس لحياة برادو، وتتبعه لها قادته بصورةٍ لا إراديّة للاطلاع على التاريخ السرّي للمقاومة البرتغالية ضد «استادو نوفو»، أو الدولة الجديدة كما سماها سالازار، التي توّجت بعدها بثورة القرنفل عام 1975، أي بعد وفاة برادو بعامٍ واحد، بل إنّ المقرّبين من الأخير (شقيقته أدريانا، صديقه أيام المعهد جورج، ورفيق المقاومة جواو، وأيضاً استفانيا عشيقته، التي باتت مدرسة للتاريخ في جامعة سالامنكا) كانوا يظهرون بشكلٍ متتابع وكأنهم أتوا خصيصاً لإشباع رغبة غريغوريوس بالمعرفة عنه، التي كانت تعرفاً لغريغوريوس على نفسه بشكلٍ أو بآخر، بحيث أنه ومع عودته لبرن وجد نفسه شخصاً آخر وتغيّرت حياته عن السابق كثيراً.
ما تثيره «قطار الليل إلى لشبونة» هو رؤية الذات من خلال رؤية الآخر ومعرفته، فغريغوريوس عالم اللغات الميّتة، ينتبه إلى أن برادو كأنّه كتب هذه المقالات ووجهها له، تماماً لما قال في أحد مقالاته: «الجسد أقلّ فساداً من الفكر، الفكر هو مسرح من الأوهام خلّاب ننشئه حسب رغبتنا، فهو منسوجٌ من كلماتٍ جميلةٍ ومطمئنةٍ توهمنا بعلاقةٍ حميمةٍ مع ذواتنا، بمعرفةٍ قريبةٍ وحميمةٍ تمنعنا من أن نتفاجأ بأنفسنا. ثمّ كم سيكون مملاً، رغم ذلك، أن نحيا في يقينٍ ذاتي ممكنٍ إلى هذا الحد».
فكان له أن أراد ملاحظة نفسه من خلال التعرف على حياة برادو ومآثره وذكرياته، وهنا شبّهت الناقدة ليسل شيللينغر في مقالها عن الرواية في صحيفة «نيويورك تايمز» رحلة موندوس إلى البرتغال برحلة أوديسيوس نحو معرفة الذات، من خلال الألم، التي استمرت 20 سنة، غير أنّ رحلة موندوس تجاوزت الزمان والمكان واستحضرت شخصياتها المختلفة، التي رأى من خلال أعينها بطله الغامض، الذي قادته مصادفة جسر كرشلفند للتعرف عليه، ولو أنّ الصياغة جاءت مرهقة بفعل كثافتها الشديدة وتداخل الأحداث والتفاصيل من خلالها، وجنوح النص صوب الغموض والتعقيد والفلسفة، غير أنّ الإثارة حاضرة بفعل الحبكة، التي بناها صاحب «ليا» واشتغالها الكبير على اللغة، وقدرتها على صياغة تجارب الفرد ورغباته ومكنوناته وهويّته.
ومع استمرار هذا التساؤل الطويل حول الأنا، نجد تلقائياً أن صياغة مرسييه لشخصية موندوس المتسائلة، ما هي إلا ظلّ أو صورة مختزلة لعدة تجارب، نجد بها هذا الشغف الذي يدفعها للتعرف على ما تجهله، فلا توجد معرفة ثابتة في هذا العالم، وما التحوّل الذي طرأ على موندوس في النهاية، إلا ذلك الإدراك منه بالسعي الدائم وراء المعرفة التي تبدأ من الذات، الذات التي يمكن رؤيتها عبر رؤية الآخر.