Wednesday 4th of November 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    04-Nov-2026

معرض «ويمضي» لريما ملحم.. حين يمنح اللونُ للعابرِ فرصةً للبقاء
الدستور – نضال برقان
 
ثمّة أشياء لا نستطيع الاحتفاظ بها مهما حاولنا؛ الأيام تمضي، واللحظات تتوارى، والذاكرة تنتقي ما تشاء من تفاصيل العمر. لكن الفن يمتلك حيلة أخرى في مواجهة الزمن؛ إذ يمنح العابر فرصة للبقاء، ويحوّل ما يتبدد في داخلنا إلى أثر يمكن رؤيته واستعادته. من هذه المسافة بين الرحيل والبقاء، تختار الفنانة التشكيلية والأديبة ريما ملحم أن تبوح بالألوان، في معرضها «ويمضي»، حيث لا تبدو اللوحة مجرد مساحة للتشكيل، بل محاولة لالتقاط شيء من الحياة قبل أن يفلت، وترجمة لما تضيق به الكلمات وتتسع له الروح.
 
فالعنوان، بما يحمله من دلالة زمنية وإنسانية، يفتح سؤالًا عن معنى البقاء وما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه من أثر. ولعل هذا ما يجعل تجربة ملحم أقرب إلى استعادة لحظات متفرقة من الذاكرة، وإعادة تشكيلها بلغة اللون، في أعمال تتجاور فيها الشخوص والإيحاءات الإنسانية مع المساحات اللونية الحرة.
 
المعرض، الذي افتتح في غاليري إطلالة اللويبدة، بحضور رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عمر الرزاز، وكوكبة من الفنانين والمثقفين، يقدم مجموعة من الأعمال التي تعكس تجربتها في الفن الفطري، وتكشف عن عالم بصري يقوم على التلقائية والتجريب. وقد اتخذ حفل الافتتاح بعدًا وطنيًا وإنسانيًا، إذ أنشد الحضور النشيد «موطني»، كما أضيئت الشموع تخليدًا للشهداء الذين قضوا جراء العملية الإرهابية التي وقعت مؤخرًا في قرية حمود بمحافظة الكرك، في لحظة استحضرت معنى التضامن والوفاء.
 
وعند تأمل الأعمال، يبرز التنوع في المعالجة التشكيلية؛ فثمة لوحات تستند إلى حضور الإنسان، وأخرى تميل إلى التجريد وبناء الفضاءات اللونية، فيما تتخذ أعمال موقعًا بين الاثنين، حيث تتداخل الملامح البشرية مع الأشكال والإيحاءات المكانية. وهذا التعدد يكشف عن حرية في التعامل مع الموضوع والشكل، وعن رغبة في اختبار إمكانات اللون بعيدًا عن الالتزام بصيغة تشكيلية واحدة.
 
في عدد من اللوحات، تتجمع الشخوص في تكوينات متجاورة، وتظهر الأجساد في امتدادات رأسية تختزل ملامحها، وتتداخل حدودها مع الخلفية. وتتوالى الألوان الحمراء والوردية والمرجانية والبرتقالية، متخللة بمساحات من الأزرق والأخضر والأصفر، لتمنح المشاهد إحساسًا بالحركة والتعدد، وكأن اللوحة تحتضن حكايات إنسانية متجاورة.
 
وفي أعمال أخرى، تبدو الشخوص أكثر تباعدًا وشفافية، وكأنها تطل من خلف طبقات اللون أو تذوب في الفضاء المحيط بها. وتبرز درجات الأزرق والبنفسجي والليلكي والوردي، مع مساحات بيضاء وفاتحة تمنح التكوين قدرًا من الهدوء والغموض. هنا يصبح الإنسان أقرب إلى أثر عابر منه إلى شخصية محددة، ويغدو حضوره مرتبطًا بعلاقته بالمكان واللون.
 
ولا يقتصر العالم البصري على الشخوص؛ إذ تكشف بعض الأعمال عن نزعة تجريدية واضحة، تقوم على توزيع الكتل والمساحات والخطوط الرأسية والأفقية. ففي أحدها تتوسط التكوين كتلة زرقاء داكنة تحيط بها مساحات صفراء ووردية وأرجوانية، فيما يبدو البناء اللوني كأنه يفتح احتمالات مكانية متعددة. وفي عمل آخر تتداخل درجات الفيروزي والأزرق والبنفسجي والوردي ضمن مساحة مركزية تحيط بها خطوط بارزة ومتعرجة، بما يمنح سطح اللوحة ملمسًا محسوسًا، ويكشف عن اهتمام بتجريب الخامة وطبقات الطلاء.
 
أما اللون، فيمثل أحد أبرز عناصر الحضور في المعرض، من خلال التفاعل بين الدرجات الدافئة والباردة؛ فالوردي والأحمر والبرتقالي والأصفر تتجاور مع الأزرق والفيروزي والبنفسجي والأخضر، في علاقات تتراوح بين الانسجام والتضاد. كما تبرز الضربات اللونية الحرة وآثار الفرشاة الظاهرة، بما يجعل اللون عنصرًا بنائيًا وتعبيريًا في آن، لا مجرد وسيلة لتلوين الأشكال.
 
وتكتسب تجربة ريما ملحم خصوصيتها من تقاطع خلفيتها الأدبية والثقافية مع شغفها بالفن التشكيلي؛ فهي أديبة وجدت في اللون مساحة أخرى للتعبير، تتيح للمتلقي التأويل واستعادة ما تثيره اللوحة من صور وذكريات وانفعالات. والمعرض، الذي يمثل تجربتها الثانية في هذا المجال، يكشف عن علاقة تتجاوز حدود التجربة العابرة، لتصبح حاجة متجددة إلى البوح واكتشاف الذات.
 
ولا تعني العفوية التي تسم أعمالها غياب الرؤية أو افتقار اللوحة إلى بنائها البصري؛ إذ تكشف المجموعة عن خيط يجمعها، يتمثل في البحث عن العلاقة بين اللون والفضاء، والحضور الإنساني المباشر أو الموارب، والميل إلى التعبير الوجداني. وتبدو تجربة الفن الفطري هنا مجالًا للاكتشاف والتجريب، بعيدًا عن القوالب الجاهزة، مع ما يتيحه استمرار الممارسة من إمكانات لتطوير المفردات البصرية وتوسيع آفاقها.
 
ولا تنفصل هذه التجربة عن المسار الإنساني والثقافي لملحم، التي امتد اهتمامها إلى ميادين العمل الإنساني والتفاعلي، وتعزيز القدرات والمهارات، والارتقاء بالذائقة ومواجهة الأمية بمختلف أشكالها؛ إذ ترى في المعرفة مسؤولية، وفي تمكين الآخرين امتدادًا لقيمة الإبداع والعطاء.
 
في «ويمضي»، لا تقدم ريما ملحم إجابة نهائية عن الزمن والذاكرة، بل تترك للون أن يقول ما لا تستطيع الكلمات قوله دائمًا. وبين الشخوص التي تتداخل ملامحها، والفضاءات التي تتشكل من الكتل والخطوط، والألوان التي تتجاور وتتعارض ثم تتصالح، تتشكل حكاية مفتوحة عن الإنسان والمكان وما يتركانه من أثر.
 
فكل شيء يمضي، نعم، لكن بعض ما نتركه لا يمضي؛ يبقى في لوحة تستعيد إحساسًا، أو كلمة توقظ ذاكرة، أو أثر يواصل حضوره بعد غياب صاحبه. وربما كانت هذه واحدة من أجمل وظائف الفن: أن يمنح اللحظة العابرة فرصة للبقاء.