Wednesday 28th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    28-Sep-2020

القصة الشاعرة بين التشابه والاختلاف ومعايير الظروف البيئية

 القدس العربي-علي لفته سعيد

كثر الحديث عن ولادة جنس أدبي جديد، يجمع بين قصيدة التفعيلة والقصة، أطلق عليه (القصة الشاعرة) وعقدت له مؤتمرات عديدة، خاصة في مصر بلد الولادة لهذا الجنس الأدبي، مثلما أجريت عليه رسائل وأطاريح جامعية.. ويبدو أن هذا الجنس الأدبي يواجه ما واجه ظهور قصيدة التفعيلة ذاتها في العراق في خمسينيات القرن الماضي.
لذا يمكن أن نطرح أسئلةً: هل القصة الشاعرة هي جزء من حاجة الإنسان لتبويب يومياته الثقافية؟ أم أنها تتطلب الهجرة أو النزوح نحو أماكن جديدة لم يطأها أحدٌ من قبل؟ أم أنها مسكونةً لكن لا أحد يدرك الأثر، حتى ينبري البعض ممّن لهم باعٌ طويل؟ أم هي محطّة من محطات الحاجة للمخالفة والإسراع نحو تطوير ما هو نقصانٌ موجودٌ، ملموسٌ أو محسوسٌ في الذات المخيلة والمتخيّلة؟ أو تأتي الحاجة الى تقاطعها كما تؤكد ذلك التونسية نزيهة الخليفي حين قالت: «القصّة الشّاعرة تنبني في جوهرها على سمتين أساسيتين هما، الاختصار أو الإيجاز والتّكثيف» وهو أمر متوافرٌ في النصوص الأخرى، كالقصة القصيرة جدا، أو قصة الومضة.. وهناك أيضا نصوصٌ فيها ما يمكن عدّه إيجازا.. ولكن القصة الشاعرة خرجت لنا بميزة الاشتغال الجديد المكوّن من الفكرة السردية واللغة الشاعرة، رغم إن هذه الخاصية متوافرة أيضا في النصوص الأخرى، بما فيها الشعر الذي يعتمد على السرد، أو السرد الذي يعتمد على اللغة الشعرية التي تحلّق بالمتن السردي إلى مقوّمات شعرية تحمل تأويلاتها المعنوية ودلالاتها المادية وقصدياتها الغائية.
وقد يرى البعض أنها مجرد سحابة صيف سرعان ما ستزول، لكن الواقع يقول، إن الفيسبوك له بنات أفكارٍ سرعان ما تمشي، لكلّ من لا يمتلك القدرة على التدوين، التي ذكرها البعض، فتكون هي الوسيلة لنشريات عديدة.. وقد صنع الفيسبوك أبطالًا من وهم الإبداع، وساهم ذلك في الانتشار، ليس بسبب النقاد، بل تعدد الإعجابات من أناس ينتمون إلى الطبقة ذاتها.
 
خصائص ودوال
 
إن الإجابات ستتعدّد بحسب مشارب من يمتلك الإجابة، كون القصة الشاعرة هي مصدر من مصادر الزمن الجديد، وهي عنوانٌ لبيئةٍ مخترقةٍ من كلّ الجهات، فتبدو كنصّ محاولة للبحث عن الشيء الجديد، الذي يمكن أن يواكب الصعوبات والملمات، وتحشيد الحياة بالكثير من المشاكل التي تتطلب إيجاد متنفّساتٍ عديدةٍ، لها القدرة على امتصاص الفوران قبل انفجاره.. بدون أن ننسى أن أيّ جنسٍ أدبي مهما اصطلحنا عليه، يجب أن يتحدّد بعدد من الخصائص التي تعطي دليلا لمدلولية المعيارية فيها، ويمكن لنا خلط المصطلحات الثابتة لإنتاج مصطلحات تلائم البيئة وتطورّاتها، سواء كان التطوّر سلبيًا أم ايجابيًا، بحسب المجتمع والبيئة. وكذلك فإن التوليفات الولادية الجديدة تعتمد على كون صاحبها له خبرة في قصيدة التفعيلة والقصة بنوعيها القصيرة والقصيرة جدا، بمعنى إنه قادرٌ على كتابة ما كان ليولد من رحم قدرته الإبداعية السابقة ما يكون.
ورغم ان بعض الخصائص تنطلق من أن محمولات القصة الشاعرة هي تواجد الموسيقى والوزن، مثلما يتواجد فيها السرد والمتخيّل التأويلي، وهي وبحسب رأي من يؤيد هذا النوع من النصوص يقول، إن هذه الخصائص فنية لا يمكن أن تخرج من عباءة من لا يمتلك الإبداع، بل إنه أبدع من الاثنين الآخرين السارد والشاعر، لأنه لابد أن يكون شاعرًا وساردًا ومتمكّنًا ايضا، ولكن نظرةً واحدة الى كثرة المتداول من نصوص القصة الشاعرة، نجد أن مطلقيها هم مبدعون، وأن روادها جمعوا الحالتين، لأنهم وجدوا سهولة الحصول على الخصائص العامة،على اعتبار إنه حاجةٌ يمكن تأطير خصائصها، من خلال جمع ما هو متّفقٌ عليه في جنسٍ أدبي مع ما هو متّفقٌ عليه في جنسٍ أدبي آخر، وهنا بالتحديد جنسا القصّة وشعر التفعيلة..لإنتاج نصّ يكون قادرًا على مواكبة المتغيّرات البيئية التي تحتوي كلّ المتغيرات الأخرى، سواء منها السياسية أو الاقتصادية، أو الدينية، أو الاجتماعية، أو حتى العلمية والتربوية، ما دامت الحداثة شيئا متحرّكا منذ أوّل نصّ حتى الآن.
 
إنه نصٌّ لم يصل بعد ليكون قارًا، كما يؤكّد البعض من الباحثين، لأن عمره لم يتجاوز السنوات الست، كما ذكر عن تاريخ الميلاد.
 
نقاط التشابه والاختلاف
 
النص الجديد، ربما كما ذكرنا، يواجه الكثير من التضادات في الآراء التي قد تصل الى حدّ الشراسة، ولكن يجاهد في سبيل التمكّن من الولادة، بعيدًا عن السيامية المعهودة، لأنه بحاجةٍ الى أرضٍ خالصةٍ من الإبداع والمقدرة الفنية. ومن منطلق البحث عن الخصائص التي تتبنّاها القصة الشاعرة، وجدنا أنه، أيّ النص، يحمل الكثير من الأغراض المتناقضة ليس في الجانب غير الإبداعي، بل في الجانب التدويني.. ويمكن حصر الرؤية العامة لهذا النص، سواء أكانت إيجابية أم سلبية في بعض النقاط التي يمكن لها أن تتوسّع أو تختصر بحسب المتلقّي ومنها:
إنه نصٌّ جاء لإثبات أن الواقع اختلف، لذا كان على المدّون إيجاد نصّ جديدٍ قابلٍ لامتصاص ما هو متغيّر، خاصة أن المتغيّرات الجديدة هي متغيّرات في أغلبها سلبية.
إنه نصٌّ جاء لتأكيد المقدرة على أن الأدب ليس في منطقة النخبة أو متعال، أو أنه يعيش التفرّد والوحدة، بل هو أدبٌ مندمجٌ مع الناس، وهو حاجةٌ إنسانية، سواء كان الجديد مقبولًا من الجميع، أم أنه لم يزل يجاهد لإثبات وجوده، كما هي النصوص الأخرى، كقصيدة النثر مثلا، أو السردية التعبيرية التي تعتمد أيضا على النثر الشعري والفكرة القصصية.
إنه نصٌّ بحاجةٍ إلى مبدعٍ قادرٍ على الجمع بين خاصيتي الشعر والسرد، وليس بحاجةٍ إلى كاتب مدوّنات خابية وخواطر ابتدائية، أو حتى ما يصطلح عليه بالمدّونات التقريرية.
إنه نصٌّ يزيح الثوابت لإنتاج ما هو قابل للتحرّك، وفق أجواء أخرى تفرضها الظروف البيئية، التي تضم كلّ الظروف الأخرى من سياسية ودينية واجتماعية واقتصادية وحروب وغيرها.
إنه نصٌّ يقاوم الغربة، في كون منتجها ليس فقط يجمع بين كينونة الشاعر والسارد، بل إنه يمتلك القدرة على التدوين بهاتين الخاصيتين لإنتاج نصّ قابلٍ للفهم والتفكيك والسيمياء والتصالح مع الآخر.
إنه نصٌّ لا يمكنه أن يكون عابرًا لمنطقة الجنس الأدبي إلى جنسٍ أدبي آخر، بدون أن يتمكّن منتجه من معرفة خصائص الأجناس الأخرى، لأنه، أي المتأثر الذي يريد تقليد التدوين الجديد، ربما لم يتمكن من حصر تلك الموتيفات لإنتاج نصّ قابلٍ للتحول إلى قصة شاعرة.
إنه نصٌّ بالإمكان قلب المعادلة أيضا، يمكن أن يكون شعرًا ساردًا، أو الشعر القصصي ما دام الجنسان متداخلين مع بعضهما.
إنه نصٌّ لم يصل بعد ليكون قارًا، كما يؤكّد البعض من الباحثين، لأن عمره لم يتجاوز السنوات الست، كما ذكر عن تاريخ الميلاد.
إنه نصٌّ يثبت أن النصّ لا يمكن أن يكون ثابتًا، وأن المتغيّرات الظرفية قادرةٌ على إنتاج نصوصٍ تواجه عقبات الظروف، أو حسناتها فليس شرطًا أن تكون المعاناة هي المفجرة، فالمجتمعات الغربية ولدت عندها المصطلحات، وهم في حالةٍ من الرفاهية، ولكن مجتمعاتنا العربية لا تنتج إلّا بعد عسر ليكون النصّ الجديد هو اليسر المنتج.
 
 
10ـ إنه نصٌّ بدل أن يذهب لفظّ تشابك الأجناس، ذهب إلى دمجها، ومنها يجد البعض صعوبةً في ملاحقة المنتج الجديد واستهلاكه، ليكون متداولًا على نطاق واسع.
11ـ إنه نصٌّ يمنع الاستسهال في كتابة النصوص ويقوّي مناعة النصّ أمام مغريات الكتابة في مواقع التواصل الاجتماعي.
12ـ إنه نصٌّ يعلن عن إنه واحدٌ من الأجناس المتمرّدة على ما هو موجود من أجناس أخرى، رغم إنه لا يخرج من جبّ التداخل الإجناسي، الذي أتاح التزاوج بين الفنون كلّها وليس بين النصوص الأدبية فقط.
13ـ إنه نصٌّ يبيّن ما طرحناه من مفهومٍ أو مصطلح النصّ الغاضب كونه جاء ردّة فعلٍ على المتغيّرات التي حصلت في المجتمع، ومن ضمنها المتغيّرات الثقافية التي خرجت من أطر الممنوع، إلى مساحات التعبير الحر، لكنها كانت مساحات مختنقة تحيل المنتج الى الغضب فيكون النصّ غاضبًا بدوره.
14ـ إنه نصٌّ ينطلق من محمولات رمزية ويبحث عن الجمالية في التدوين وقادر على منح الغنائية للمتلقّي، كي يتوازن ما بين إيقاع التلقّي وإيقاع التأويل، لإنتاج حالةٍ غير مسترخيةٍ في عملية التلقّي ذاتها.
15ـ إنه نصٌّ مهرّبٌ لضعف التدوين في عملية القصّ مع قوّة التدوين في عملية الشعر، لأن الشعر هنا أقوى في عملية المزج والتزاوج.
ـ إنه نصٌّ أقرب إلى الشعر منه إلى القص وروح الحكاية في السرد لكنه كتدوينٍ قد يكون ممازجًا حتى في عملية التدوين المسرحي.
ـ إنه نصٌّ يحمل التشفير كما يذهب البعض، وهو أمر نجده في النصوص الأخرى المستقلّة بمصطلحاتها.. بمعنى لا يغيب التشفير عن أي نصّ آخر لأنه مرتبط بالتأويل، ما يعني أن غياب التشفير عن أيّ نصّ يفقده خاصيّة الوجود كنصّ أدبي.
ـ إنه نصٌّ يختزل التشفير بطرق حاصل جمع التأويل بمراحل تفكيك الأسطر الشعرية، على اعتبار أن التدوين هنا لم يغادر تدوين قصيدة النثر، أو قصيدة التفعيلة في الاتجاه العمودي، حتى إن كانت عملية التدوين أفقية في بعض من يدوّن القصة الشاعرة، لدى البعض، في عملية المواجهة والممازجة والمزاوجة التدوينية الأقرب للسرد.
ـ إنه نصٌّ لا يمنح المفردة سهولة التدوين، بقدر ما يبحث عن اللغة الشاعرية أو حتى البلاغية، وفي بعض الأحيان يحمل الفكرة الفلسفية للمعاني التي يحصل عليها المتلقّي.
ـ إنه نصٌّ يمتاز بوحدة الجسد النصّي الذي قد يفتقده النصّ الشعري الذي يبث أسطر النص بمجموعة من المحمولات ليكون الدال بين العنوان والنص والخاتمة.
ـ إنه نصٌّ التجريب المتواصل الذي قد ينجح أو يبقى في حالة ترحال نحو التجريب لأنه لا يمتلك المطواعية في الانتشار الذي تحدثه النصوص الأخرى.. بمعنى أنه نص صعب أن يكون سهلا في التدوين في زمن صار المنتج فيه يبحث عن خاصية السرعة والاستسهال.
ـ إنه نصٌّ من جهةٍ أخرى سيكون سهلًا للذين يملكون القدرة على الإنتاج الأدبي، ولهم فهم في إنتاج النصوص الشعرية والسردية لأنه يمنحهم قدرة الاختصار الكلي لفكرةٍ تحتاج إلى مقدرةٍ كبيرة للتحويل إلى نصّ سردي فيكون اللجوء إلى القصة الشاعرة كبديل مناسبٍ لعصرنة النص.
ـ إنه نصٌّ يثبت إن المرجعية عربية، كما هي الشعر أصلا وليس واردًا غربيًا، وهذا النص ولد عربيًا، من خلال الحاجة الإنسانية الكلية للمجتمعات العربية، التي تريد التحليق بالمتخيّل لمواجهة سوداوية البيئة.
ـ إنه نصٌّ من الصعوبة التوافق عليه، لأن هناك من يعده هجينًا بين الشعر العربي والسرد الغربي، وإنه سيكون كمن يقرأ ومضةً ويمضي.
ـ إنه نصٌّ غير موغل في اللغة الشعرية المتعارف عليها وتلبس الجملة فيه المفردة السردية والعكس صحيح.
ـ إنه نصٌّ يغطّي على ضعف المدلول السردي في ربط المتون الخاصة بالقصة، لأن هناك انتباهًا إلى خاصية التدوين الشعري، من خلال البحث عن مفردةٍ قادرةٍ على التحليق الشعري وليس المتن السردي.
ـ إنه نصٌّ يحلّق بالمفردة كي تعطي مدلول التفكير والتأويل، من خلال خاصية الشعر، فلا يرتكن إلى السطر السردي بقدر ما يرتكن إلى السطر الشعري بثوب سردي.
ـ إنه نصٌّ يمنح المتن التدويني موسيقى يحتاجها المتلقي في زمن اضطراب الحواس وفوضاها.
ـ إنه نصٌّ قادر على منح التأويل المقدرة الفلسفية لما يدوّن من فكرةٍ ولغة.
ـ إنه نصٌّ يربك المنطقة القصدية ويجعلها في مدياتٍ أخرى غير تلك المديات التي تريد من القصة أن تمنح المتلقي حكاية في آخر المطاف.
 
٭ كاتب عراقي