Wednesday 21st of April 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    26-Mar-2021

بنت البلد

 الدستور-ليلى جاسر سلامة

 
اشتغلت الآنسة بديعة طيلة ثلاثة أيام وهي تحضر لدرس الأنماط الهندسية بالتعاون مع أمهات الطالبات. حثّت طالباتها في الصف الثالث الابتدائي والأمهات المحترمات على ضرورة حفظ أدوارهن أثناء عرض الحصة أمام ممثلين من وزارة التربية والتعليم. >>الأمر ليس مزحة، لا أريد أخطاء<<، هكذا قالت حينما زمّت شفتيها وصكّت على أسنانها.
 
إممممم..المعلمّةُ بديعة تبدو امرأة تعيسة تنصبُ المجرورَ وترفعُ المنصوبَ. تسألني ابنتي مندهشة: هل ارتكابُ أخطاءٍ أثناء الدرسِ مشكلةٌ كبيرةٌ؟! أتمتم كلامًا في الهواء: إذا ماتت اللغةُ سنعيشُ على الفتاتِ...، ونحن أصلًا كما عوّضت ألمانيا سنعوض نحن أيضًا بقرارٍ مجحفٍ دولي عمّا قريب. أقهقهُ كالمعتوهةِ بينما تتناثرُ لقيماتُ اللغةِ من فمي: «أجمل الأيام هي تلك التي لم نعشْها بعد.» ...أقول لناظم حكمت: تعْ....سترى بأمِّ عينك! إننا بأيدينا نفتحُ قبورًا إجبارية!
 
بركتُ أمام برنامج (التيمز) مع ابنتي أثناء حصّة الرياضيات وصرت أتنطط من نمط إلى آخر حتّى بلغت ذروتي في توسعة النمط. تتسم ابنتي بذكاء يشبه ذكائي ما يشعرني بالقلق الشديد.. والقلق آفة التركيز، فمنذ صغري يشتت ذهني عصفور يغرّد على شباك صفي في مدرسة وكالة الغوث. شخّصت نفسي بعد تأنٍّ أنا مصابة بالتشتت الذهني رغم قدرتي العجائبية على إنجاز عدة مهام في الوقت نفسه.؛الأكل يحترق..الغسّالة تدور وتصفّر...ظفري يحكُّ ركبتي...أجيب على أسئلة طفليّ ...أردُّ على اتصال زوجي وفي الآن نفسه أتابع رسائل الواتساب ثم أفتح الباب لعامل توصيل البقالة..وأقولُ له سأدفعُ لك لاحقًا، فيسألني زوجي: ماذا قلتِ؟ فأردُّ عليهِ: أحدثُّ عامل التوصيل، ثمّ أضيف تناول غداءك، وعقّم حذاءك! ..أفعلُ كل تلك الأشياء دون أن أستوعب أنني خارقة جدًا.
 
تسأل المعلمة بديعة: من توسّع لي النمط؟!
 
أقول في عقلي: سنهلك من توسعة الأنماط. أغيثوني كما تدعي وكالة الغوث أنها تغيثُ شعبي شعب الخيام والتي تعطنا خيرُ مثال على توسعة النمط: علبة سردين ثم علبة حليب، فعلبة سردين....سيتسع النمط ليشمل القطر الدائري بأكمله.
 
طيب ...طيب يعني حسنًا ..حسنا،
 
الأطفال أبرياء مطيعون لا يفرقون بين مفردات اللغة...هل الخوف مثل الاحترام أم قرينه؟! عبثًا أحاول حث طفلتي على انتزاع حقها...أن تقول مثلًا لمعلمتها أثناء الحصة: أنا هنا... أنا كائن حي موجود! ولكن أوصالها ترتعش في ريعان الصحراء ورملها الذي يعصف بليمونتي، ثمّ تنكزتي بدموعها التي لا أفهمها.
 
ولطالما أنبه طفليّ اللذان يقلبان المنزل رأسًا على عقب ثم يرتبانه كما تفعل خادمة لئيمة في بيت سيدها الشرطي المهذّب: السؤال حقك والمعلم تحت طائلة المسؤولية. ارفعي اصبعك دون خوف! فقالت لي ببراءة مثيرة للجدل والقلق: رفعت كل أصابعي ولم ترني!
 
كنت في تلك اللحظة على وشك أن أقول لها: ظلمني ابن محترم .. وقال أني رفعت اصبعي! قلت للشرطية آنذاك: والله... تلك أصابع الست زينب بنت البلد. ضحكتْ وانتهى الموضوع على أنه سوء تفاهم.
 
طفلاي يتأففان بأثر رجعي. كيف ذلك ..لا أفهم، ولكن أفهمُ أنّ الحق لا يسقط بالتقادم بحسب القانون، والقانون لا يطبّق بأثر رجعي. لو كان بيدي لرفعت شكوى أمام القضاء ضد برنامج (التيمز) اللعين ابن اللعين! بتهمة الشروع في القتل والتواطئ على مسيرة التعليم وحق الطفل بالنمو طبيعيًا واكتساب المعرفة بشكل صحي. في الواقع أظنُّ أنّ هنالك تهم أخرى مثل تعدّيه على مساحة الحرية التي كنت أمتلكها؛ فرك قدماي بالملحِ والحجر، كنس فناء الدار، ري مزروعاتي العطشى على الدوام، أو حتى الاستماع للراديو ....أو الاتصال بجارتي زهيرة لاحتساء القهوة ...ولكن ما فعلته فقط هو أنني ضربته بالحذاء فانكسرت شاشة الحاسوب المحمول..ثمّ بكيت قهرًا على ثمنه. حريتي راحت وراح معها الحاسوب بلا رجعة!
 
كان ابن اللذين يضحك عليّ وأمّا طفلاي فتسمرا وفتحتا أعينهما تحت التخدير.
 
شكرًا جزيلًا على ثنائي القطب، فقط في الأمس اتخذت الآنسة بديعة قرارًا صارمًا بقبول تقرير طبي يثبت أنها متآمرة على المزاج العام. ولأنني بنت البلد نصبت نفسي مراقبًا سريًّا لمراقبة الأرانب التي تقفز في رأسي وأنا أحدّق ببرنامج التيمز المخلوع بإذن الواحد الأحد.
 
صلواتي تشبه صلاة الأطفال؛ حركات بسيطة وطلبات بسيطة، ولكن من منّا يفهم التركيبة الكيميائية للصلاة؟! وأيّن الشاهد؟ هذا سؤال التحدي ...أنا بنت البلد أمشي على الصراط المستقيم وأغرّد بشكل عشوائي آخذة الحذر والحيطة وضبط النفس لئلّا أرفع إصبعي خشية أن يقتلع.