Friday 27th of May 2022 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    13-May-2022

تركيبة الصورة ومنهج التشكيل في ديوان «أرملة أمير» لنجاة الفارس

 الدستور-نضال القاسم

 
تطالعنا الشاعرة نجاة الفارس في ديوانها «أرملة أمير»، بتجربة شعرية ثرَّة، تعتمد على تداخل سياقات البنية الشعرية، وتصاعد وجهتها الدلالية وتفاعلها في بنية غنائية وصفيَّة تشفَّ عن رؤية حداثية متميَّزة، ثم إنها تعرض رؤيتها بلغة شعرية خاطفة مترعة بالنضارة والحيوية،ولعل موضوعة الوصال، أو الاكتمال بالآخر أن تكون أبرز موضوعة بين جميع الموضوعات التي يحتويها شعرها كله.
 
ويجدر بالذكر أن الفارس شاعرة فلسطينية من مواليد قرية طلوزة/ مدينة نابلس بفلسطين، وهي حاصلة على درجة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من جامعة القدس المفتوحة عام 2002، وهي مقيمة حالياً في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتعمل منذ عام 2010 محررة صحفية في جريدة الخليج في أبوظبي منذ عام 2010، وهي عضو في نادي دبي للصحافة، وعضو في جمعية الصحفيين الفلسطينيين وفي اتحاد كتاب وأدباء فلسطين وعضو جمعية البيارة الثقافية ولها العديد من المشاركات في الأنشطة الثقافية والأدبية والأمسيات الشعرية التي أقيمت في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث وفي معرض أبوظبي الدولي للكتاب وفي اتحاد كتاب وأدباء الإمارات وفي مؤسسة التنمية الأسرية وفي الاتحاد النسائي العام وفي جامعة الحصن ومنارة السعديات، في أبوظبي، وفي جامعة القدس المفتوحة وجامعة النجاح الوطنية في نابلس، وفي جمعية بلاد الشام/ رام الله وفي المركز الثقافي الروسي في بيت لحم، وقد صدرت مجموعتها الشعرية الأولى عام 2003م عن دار الكندي للطباعة والنشر بعنوان «هل يرحل القمر؟»، أما مجموعتها الشعرية الثانية«بين الجمر وبين الشعر»فقد صدرت في عام 2008م عن دار أزمنة في العاصمة الأردنية عمّان، وقد صدرت مجموعتها الثالثة «أرملة أمير» عن دار نبطي للنشر والتوزيع، وقد جاء الديوان في 96 صفحة من الحجم الوسط واشتمل على 35 قصيدة، كتبتها الشاعرة على مدى عشر سنوات وأهدتها إلى زوجها ورفيق دربها الراحل المهندس علي فهمي الفارس، وقد جاء إهداء الديوان مسكوناً بالدفء، على النحو التالي: إلى روحك الطاهرة/ تضيء دروب غربتي/ نم قرير العين حبيبي/ ستبقى أنفاسك الطيبة/ عطر أيامي.
 
وعلى أية حال فإن الشاعرة نجاة الفارس تملك تجربة أدبية تستحق الاهتمام، وذلك لعمقها وحرارتها وقدرتها على الاجتذاب، إلا أن هنالك نغمة حزن شفاف في بعض قصائدها، ولكنه حزن هادئ وناضج في كثير من الأحيان، ويختلط بشيء من الحنان ليس باليسير، وبسبب هذه السمات الكبرى أقدمت على دراسة مجموعتها الشعرية «أرملة أمير»، مع قناعتي بأن شعرها كله يستحق الدراسة والقراءة معاً.
 
أود أن أشير في البداية إلى أن النصوص الشعرية في الديوان متفاوتة المستويات، متنوعة الأشكال ومتعددة الرؤى، بحسب أبعادها الدلالية وطبيعتها الفنية، وهي في المجمل نصوص تعبر عن موضوعات محددة، اجتماعية، سياسية، أو ذاتية فردية، أو عن قضايا إنسانية عامة... ذات رمزية شفافة أو غموض فنّي محدود، ويمكن أن يتواصل معها القارئ بسهولة، وفي أغلب نصوص الديوان تعبر الشاعرة عن مشاعر الإحساس بالحزن والسأم والفقد والأسى والتي هيمنت على نصوصها، وفي بعض القصائد تنتقل الشاعرة من حالة المرأة الحزينة المقهورة المستلبة المنعزلة التي تشعر بالفراغ والبرودة والخواء إلى امرأة تنفتح على الآخر وعلى النور والسماء والأمل واللون وتنشد الوصال والتفاعل وتؤكد على علاقة التلازم التلاحم بين الرجل والمرأة.وتفتتح الفارس الديوان بمقدمة شعرية مؤثثة بالعواطف الشجية تقول فيها:
 
عدت/ ومعي ملائكتي/ وشياطين أشعاري/ عدت/ بشقاوتي واتزاني/ لا تهدروا دم قصيدتي وأقرؤني/ مجنونة أنا فاعذروني..(الديوان، ص4).
 
 
 
إن الحلم والرغبة والحرف والقرب والبعد في هذه النصوص علامات مفتوحة على آفاق إنسانية رحبة وواسعة، بفضل مظاهر التشكل والتباين الحركيَّة والديناميَّة التي أوجدتها الشاعرة في تكوين نسيج تجربتها، لتمنحها هويَّتها الشعريَّة والأسلوبيَّة الحديثة، والحب الذي تتحدث عنه الشاعرة في هذا الديوان ليس حبُّاً عادياً أو حبُّاً جسدياً ضيّقاً عابراً وإنما هو حب إنساني واسع وبلا حدود ويتصف بالتحوّل والتعدد وبالخصوبة والعطاء الذي تتصف به الحياة، وعلى الرغم من أن أسلوب الكتابة في الديوان لا يخضع لنموذج أو شكل ثابت، إلا أنه يمكننا القول بأن نجاة الفارس شاعرة مسكونة بالدفء، متقدة المشاعر، وهذا ما تبدَّى لنا في قولها من قصيدة «أعاصير شهرزاد»:
 
(لو كنت ُشهرزاد/ لنسجت/مليون حكاية/ في حبُّك/ لو أسعفتني/ حروفي مرةً/ لنقشت بدمي/ إلياذة عشقك،/ لوفاض نهرُ دموعي ألماً/ وغرقت سفينة ُ روحي/ ما تخلّيتُ/ عن ظلك..(الديوان، ص36).
 
هي تجربة جديدة تعتني بإطلاق جمل شعرية في سياقات بسيطة السبك، بل لعلّها تذهب إلى تكوينها النهائي بأدوات متقشفة، بالمعنى الإيجابي، الذي يسمح للجملة الشعرية أن ترسم اللوحة التي تريد بيسر أكبر ولياقة فنّية،ويوحي نص «انتظرني» بدلالات الألم والسأم من حركة الخطو والسير في طريق الحياة الشاق والطويل حيث يُصابُ الإنسانُ بالجراح والآلام ويواجه الصدمات والأشواك، خاصةً إذا كان يسيرُ مُكرهاً في اتجاه معاكس لرغبته، ما يؤدي به إلى العبث والمجهول والفراغ، وقد صيغ هذا النص على شكل حوار خفي مع رجل أو إنسان مفترض، فيه تعبيرٌ عن الولع بالمغامرة واكتشاف المجهول والقصّي. تقول الشاعرة في قصيدة «انتظرني»:-
 
(انتظرني عند منتصف الجرح/ أرتب حقائب ألمي/ وأتبعك/ ما عاد في القلب متسعٌ/ لسواك/ ما عاد بالنفس عشق/ غير هواك/ وحدك تعزف سمفونية حبي/ وحدك تغزو شرايين قلبي/كن صديقي/ ولا تنظر للماضي/ كن صديقي/ واصفح الصفح الجميل..(الديوان، ص 54).
 
إن شعر نجاة الفارس يتميز بالأناقة واختيار جميل لكل مفردات النصوص، الذي من خلاله يتوضح البناء المعماري المتميز لهذه النصوص، بالإضافة إلى ما تحمله هذه النصوص من بوح وأنت تلاحظ سيل الكلمات وانسيابيتها كالموجة الواحدة التي لا يتحقق وجودها إلا بموجات أخرى متتالية، وعلى الرغم من شعورها بالقلق، فقد حرصت على أن تعبر عن إحساسها الفنّي باستعمالها بساطة المعنى واقتناص فنّي للصورة وللمشهد الشعري المُراد التعبير عنه، فهي من خلال تعبيرها عن حزنها الذاتي تتطرق إلى مواضيع تهم هموم الإنسان في الوطن العربي تاركةً العنان لانفعالاتها وأحاسيسها. كقولها في قصيدة «لحظة ميلاد»:-
 
عدت إليك يا قدري/ يا رفيق الطفولة والصبا/ يا وجعي الممتد من الوريد إلى الوريد/ تركت العالم خلفي/ بهمومه الصغيرة/ وغاياته العظيمة/ تركت الماضي والمستقبل/ ولجأت إليك/ حبيبي ضع يدك في يدي/ نقود مظاهرة في سماء الوطن/ نردد لحن الثورة والثوار/ ونسقط شهيدين/ في حضن الشمس..(الديوان، ص49).
 
إن الدلالات التي توحي بها النصوص المكونة لهذه المجموعة الشعرية، ترتبط في أغلب الأحيان بواقع معين أو بأحداث وقضايا اجتماعية وسياسية مباشرة، وإنما هي دلالات مفتوحة على مواقف وتأملات وقيم ومشاعر إنسانية ووجودية لها علاقة غير مباشرة طبعاً بما هو واقعي واجتماعي، ولكنها صيغت بشكل يتجاوز حدود الزمان والمكان ويرتبط بقضايا جوهرية في الحياة الإنسانية من خلال تجارب ذاتية خاصة، نصوص محورها الذات والحياة والوجود والحريَّة والجسد والروح والحب وكينونة الإنسان بين الأنا والآخر.
 
أما قصيدة «أرملة أمير» فيمكن اعتبارها قصيدة مركزية في الديوان، والتركيب الانزياحي الذي يقوم عليه عنوان هذا النص والذي اختارته الشاعرة عنواناً للديوان ككل، يفتح أمام القارئ عدة نوافذ تأويلية، خاصةً وأن المخاطب فيه محدد وهو موجه لطرف معين؟.. ويبدو أن الشاعرة، ومن خلالها المرأة العربية، ملّت السير والترحال في زمن بطيء الحركة والتحوّل، لذلك تطلب نزع الخطى عنها لتقف في زمن الديمومة أو الزمن المحايث، الزمن الداخلي لتأمل الذات أو تأمل رحلة الذات في الحياة. فالآلام والصدمات أتعبتها بسبب خطواتها الجريئة، لذلك تطلب نزع الخطو عنها لترتاح من هذه الآلام ومن شوكة الخطو في طريق فُرضت عليها ولا ترضيها:-
 
(تُرى هل كان حبي لك غير مكتمل؟/ منذ رحيلك وجدتني/ على فوهة بركان/ من الألم يجتاح كياني/ اطمئن حبيبي/ اكتمل حبك في فؤادي/ كبدر التمام..(الديوان، ص84).
 
ومما يضفي النكهة الحيّة على هذا الديوان أنه ينبجس من حساسية مرهفة وأصيلة حقاً، كما أنه ينطوي على حكمة وثيقة الصلة بالتجربة التي تُعاش بالفعل،حيث تعبرُّ الشاعرة في هذا الديوان عن صراع الإنسان الواعي، من أجل رفض الخنوع والتبعية والاستلاب وقمع الجسد والروح، وتصور بحثه عن التعالي والتسامي عن عالم المادة والعلاقات النفعية المزيفة، وقلقه وتوقه إلى عالم الحريَّة والاستقلال وتحقيق الذات، برؤيا شعرية مرهفة وأصيلة تتميز بالمراهنة على ما هو جوهري وعميق في حياة الإنسان والمجتمع، مخترقة حدود الزمان والمكان، ومتطلعةً إلى عالم إنساني بلا حدود ولا جدران ولا فوارق، تنتصر فيه القيم الإنسانية الأصيلة على القيم المادية المزيفة.