Saturday 16th of November 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    04-Nov-2019

الإرث الحقيقي لأبو بكر البغدادي

 الغد-سكوت ستيوارت* – (مركز التوقعات الاستراتيجية “ستراتفور”) 29/10/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
فقدت المنظمة المعروفة الآن باسم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) زعيمها الثالث؛ أبو بكر البغدادي، في عملية عسكرية أميركية. وفي حين أن تصفية القادة الجهاديين تساعد المعركة ضد هذا التطرف، فإن إرث قطب حركة “داعش” الراحل سوف يظل يشكل تهديداً خطيراً.
إضاءات
• الإرث الذي خلفه زعيم “داعش” المتوفى، أبو بكر البغدادي، يختلف بشكل كبير عن الإرث الذي كان يطمح إلى تركه.
• أشرف البغدادي على اتساع الشقاق في الحركة الجهادية، والذي يؤدي الآن في كثير من الأحيان إلى نشوب قتال مفتوح بين تنظيمي القاعدة و”داعش”.
• قام الزعيم المتشدد أيضاً بإضفاء الطابع المؤسسي على الهجمات الطائفية، وإعلان العديد من المسلمين كمرتدين، واستخدام العنف الشديد، وإدخال النزعات الجنسية المفرطة على النشاط الجهادي.
 
* *
عندما سار الرجل في الملابس السوداء إلى المنبر في مسجد النوري الكبير في الموصل في 29 حزيران (يونيو) 2014، ربما توقع القليلون فقط أن يسمعوا منه مثل ذلك الإعلان بالغ الخطورة، حتى لو أنه انطوى على الكثير من الغطرسة -بالتحديد، إعلانه أنه يعيد تأسيس الخلافة الإسلامية، وأن مسلمي العالم يدينون له بالولاء باعتباره “الخليفة إبراهيم”. وشكل بيان الزعيم المعين ذاتياً -المعروف باسم أبو بكر البغدادي- أول محاولة جادة لإعادة بناء الخلافة الإسلامية منذ العام 1924، عندما ألغت الجمهورية التركية العلمانية تلك المؤسسة بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية.
عندما رقّى البغدادي نفسه إلى هذا المنصب الرفيع في أعقاب النجاحات المذهلة التي حققتها مجموعة “داعش” في ميدان المعركة في سورية والعراق، فإنه كان يتخيل إرثاً يكون فيه جميع المسلمين قد اندغموا في صف واحد وساعدوه على تحقيق السيادة على كل الأرض. ورأى البغدادي نفسه أنه الشخص الذي “سيجعل الإسلام عظيماً مرة أخرى” (باستعارة العبارة)، وتوقع أن يحقق نفس النجاح الذي حققه أتباع النبي محمد عندما وسعوا مناطق الخلافة الأصلية في أواخر القرن السابع الميلادي. لكننا نرى الآن، بينما نتأمل حياة -وموت- البغدادي، أنه فشل بوضوح. ولم يقتصر الأمر على فشله في توحيد جميع المسلمين وقيادتهم في حملة غزو عالمية، وإنما قد يكون إرثه الوحيد الدائم أيضاً هو الانقسام العميق بين مجموعته والآخرين في الحركة الجهادية، والعنف المنحرف (ضد المؤمن وغير المؤمن على حد سواء)، وممارسة الاغتصاب الجماعي على نطاق ملحمي.
نهج “اطلب تنَل”
خرج “داعش” من رحم تنظيم القاعدة، لكن التنظيمين أصبحا في النهاية عدوين لدودين. في الألفية الجديدة، أدت الاختلافات في الاستراتيجية والعقيدة في البداية إلى إحجام زعيم القاعدة السابق، أسامة بن لادن، عن احتضان ودعم أبو مصعب الزرقاوي؛ أحد أسلاف البغدادي في التنظيم الذي أصبح فيما بعد “الدولة الإسلامية”. وفي ذلك الوقت، انتقد تنظيم “القاعدة” نهج الزرقاوي ووبخه. وبعد ما يقرب من عقد من الزمان، سوف يقطع البغدادي شوطاً أبعد من سلفه ليصنع في نهاية المطاف صدعاً داخل الحركة الجهادية، والذي أصبح في نهاية المطاف هوة عميقة عريضة لا يمكن جسرُها.
كان أحد الاختلافات الاستراتيجية الرئيسية بين “داعش” البغدادي و”القاعدة” هو أن بن لادن طالب بانتهاج مقاربة أكثر تدريجية لإقامة نظام حكم إسلامي. وجادل زعيم تنظيم القاعدة بأنه سيكون من المستحيل على الجهاديين الإطاحة بحكومات الشرق الأوسط وإنشاء خلافة طالما ظل “العدو البعيد” (الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون) ناشطاً في المنطقة. وفي نظر أيمن الظواهري وقادة القاعدة الآخرين، ثبتت صحة استراتيجية بن لادن في العام 2006، عندما فشل تنظيم القاعدة في العراق في محاولته إعلان دولة إسلامية؛ وفي العامين 2011 و2015، عندما تعرض تنظيم “القاعدة في شبه الجزيرة العربية” لنكسات كبيرة بعد الاستيلاء على أجزاء كبيرة من اليمن؛ وفي العام 2012، عندما تكبد تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” خسائر كبيرة بعد إعلانه عن إقامة نظام حكم جهادي في شمال مالي.
غير أن البغدادي وأنصاره رفضوا هذا المنطق، واتبعوا منهجاً أكثر تهوراً -“اطلُب تنَل”، إذا صح التعبير. وجادلوا بأن وقت الاستيلاء على الأرض والاحتفاظ بها وحكمها قد حان الآن، وأن بإمكانهم استخدام الموارد والأشخاص الموجودين في الأراضي التي فتحوها للمساعدة على تغذية جهودهم للتوسع. وكانت هذه هي الفلسفة التي دفعت البغدادي إلى إعادة تأسيس الخلافة بسرعة كبيرة بعد الاستيلاء على أجزاء كبيرة من العراق وسورية. وجادل تنظيم “داعش” بأن الخلافة أصبحت حقيقة تاريخية، وأنه لا يمكن لأحد أن يوقف انتشارها وتوسعها، وأنه يجب على جميع المسلمين أن ينضموا إلى هذا الجهد أو أنهم يخاطرون بأن يتم إعلانهم كمرتدّين. وسعى البغدادي وأنصاره كذلك إلى استخدام إعلان الخلافة لتعزيز الزخم والاندفاع بقوة إلى الأمام والمساعدة على تعظيم جهودهم للتوسع العالمي.
وكما هو واضح، استجاب عشرات الآلاف من المسلمين لدعوتهم -سوى أن هذا العدد لم يكن ببساطة كبيراً بما يكفي للاحتفاظ بالخلافة، ناهيك عن توسيعها. وبمجرد أن بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها في التحالف عملياتهم لاستهداف “داعش” في أيلول (سبتمبر) 2014، دخلت الحركة في دوامة هبوطية ثابتة.
الصورة الدائمة
كان الزرقاوي هو الذي أسس السياسات العدوانية للمجموعة، والتي كان من بينها الإعلان على نطاق واسع بأن كل المسلمين الذين يعارضون حركته مرتدون (في عقيدة دينية تُعرف باسم “التكفير”)، لكن البغدادي وسّع نطاق هذه الممارسة وأضفى عليها طابعاً مؤسسياً. وقامت المجموعة في عهده بإعدام عشرات الآلاف من المرتدين المزعومين الذين كانت جريمتهم الرئيسية هي العمل مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، أو النظام السوري أو الحكومة العراقية. وحرّضت مجموعته على شن الهجمات ضد المساجد والمدارس والمواكب الدينية للمسلمين غير المتطرفين. وكان من غير المفاجئ -بطبيعة الحال- أن تكون المجموعة قد وجهت بنادقها أيضاً إلى غير المسلمين، خاصةً المجتمع اليزيدي في شمال العراق. وعلاوة على ذلك، قامت بتدمير المواقع الدينية اليزيدية والمسيحية واليهودية والأثرية القديمة في العراق وسورية، وشجعت المجموعات التي تبعتها وتبنت شعارها والمؤيدين من قواعدها الشعبية على أن يحذوا حذوها. وقد تناقض هذا السلوك الصفيق مع المبادئ التوجيهية التي صدرت في العام 2013 عن خليفة بن لادن في زعامة تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، الذي نهى عن قتل مسلمين آخرين إلا في حالة الدفاع عن النفس، وحظر الهجمات ضد دور العبادة لأي دين.
كان الزرقاوي قد استخدم في السابق عنفاً يتجاوز كل عنف -في ممارسة أكسبته لقب “أمير الجزارين”. غير أن البغدادي تفوق على سلفه؛ حيث أخذ أتباعه العنف الشديد ضد الآخرين إلى مستوى جديد بالغ البشاعة. فقد صنعت المجموعة مقاطع فيديو متقنة قام فيها مقاتلو “داعش” بقطع رؤوس الناس، وإطلاق النار على العشرات من السجناء ودفعهم إلى نهر دجلة، وألقوا بمثليي الجنس المزعومين من أسطح المباني الشاهقة، وأغرقوا جواسيساً مزعومين في حوض سباحة، وأحرقوا طياراً أسيراً حياً في قفص. وبفضل عملية إعلامية غير مسبوقة، قاموا ببث وحشيتهم في جميع أنحاء العالم.
ثمة جانب آخر من إرث البغدادي، هو إضفاء الطابع الجنسي المفرط على التطرف الإسلامي. ولا تفهموني خطأ -كان الاغتصاب دائماً سلاحاً للحرب، لكن “داعش” البغدادي أخذ هذه الممارسة إلى أعماق جديدة من الانحراف. أولاً، شجعت المجموعة الآلاف من النساء والفتيات المسلمات على الهجرة إلى “الخلافة” لكي يصبحن عرائس حرب وينجبن الأطفال لأزواجهن المجاهدين. ثانياً، أضفى البغدادي الشرعية على استرقاق النساء غير المسلمات، حيث أسر مقاتلوه الآلاف من النساء والفتيات اليزيديات والمسيحيات. وباعت “الدولة الإسلامية” -أو وهبت- عبدات الجنس لمقاتليها وسمحت ببيعهن بين المقاتلين، مما أدى إلى عملية اغتصاب جماعية شملت كامل المناطق التي سيطر عليها “داعش”. بل إن البغدادي نفسه اتخذ عاملة إغاثة أميركية مخطوفة عبدة جنس لنفسه. وقد قُتلت بطريق الخطأ في غارة جوية أميركية على مخبأ البغدادي في شباط (فبراير) 2015؛ وفي لفتة جديرة بالثناء، أطلق الجيش الأميركي اسمها على عملية قتل البغدادي تكريماً لها.
ناقشت مجالس الرسائل الجهادية قضايا مثل العمر الذي يجب أن تبلغه الفتاة المسترقّة قبل أن يتمكن سيدها من اغتصابها، وقدمت المشورة للعرائس الجهاديات حول كيفية التعامل مع عبدات الجنس لدى أزواجهن. ويبدو أن هذا الهجوم الجنسي واسع النطاق قد اجتذب عدداً كبيراً من المقاتلين الأجانب، الذين تم إغراؤهم بوعد العرائس المسلمات المتوفرات بسهولة مسبقاً وبعبدات الجنس من غير المسلمات أيضاً. وعندما اقتلع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مقاتلي “داعش” من الأراضي التي احتلوها، وجدوا كميات كبيرة من حبوب “الفياجرا”. وعلى النقيض من ذلك، ربما كان أسامة بن لادن قد امتلك مجموعة من المواد الإباحية، لكنه لم يُقرّ أبداً نوع الحرب الجنسية المؤسسية واسعة النطاق التي شنها “داعش” في العراق وسورية.
بعد خمس سنوات من قيام التحالف الدولي بإجباره على العيش في حالة الفرار الدائم -بطريقة حدّت كثيراً من قدرته على إدارة العمليات العسكرية لـ”داعش- مات البغدادي الآن. وقد فشل الخليفة المعلن ذاتياً في توريث نظام سياسي يوحد مسلمي العالم ويستعيد أمجاد الماضي، تاركاً وراءه بدلاً من ذلك إرثاً وضيعاً جديراً بالإهمال: حركةً جهادية منقسمة ومتحاربة، وإعلانَ أعداد هائلة من المسلمين كمرتدين، وسفك دماء طائفياً، وعنفاً بربرياً غير مسبوق، وإضفاء طابع الجنسوية المفرطة على الفتوحات.
*نائب الرئيس للتحليل التكتيكي في مركز التوقعات الاستراتيجية “ستراتفور”.
*نشر هذا التحليل تحت عنوان:
Abu Bakr al-Baghdadi’s True Legacy
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات