Saturday 19th of September 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    03-Sep-2020

«صاحب المقام»… التهمة المُعلقة في رقبة الكاتب إبراهيم عيسى

 القدس العربي-كمال القاضي

لا أدري إذا كان من حُسن الحظ أو سوئه أن تُثار كل هذه الضجة حول فيلم «صاحب المقام» للكاتب إبراهيم عيسى والمخرج محمد العدل، فما أشيع في بداية الأمر عن اقتباس القصة من الفيلم الإسرائيلي «مكتوب» فور عرضه على إحدى المنصات الإلكترونية. وضع الفيلم المصري في بؤرة اهتمام الجمهور وبالقطع أدى إلى زيادة نسبة المشاهدة بشكل لافت، جعل الظنون تتجه إلى اعتبار حدوتة الاقتباس نوعا من الدعاية غير المباشرة التي طاشت سهامها، فأوقعت الفيلم وكاتبه في شرك الدعاية المضادة، حيث حاول البعض تثبيت التهمة على المتهم لتوريطه، في ما هو شائن ومعيب لتنسحب منه الثقة ويفقد بريق الكاتب المتميز.
ولم تكن هذه هي الضربة الوحيدة التي استهدفت الفيلم وكاتبه، بل ظهر الكاتب الشاب يسري أبو القاسم، صاحب رواية «مولانا الشيخ جواب» الصادرة قبل عامين ليُعلن عن وجود تشابه في كثير من أحداث الفيلم المذكور وشخصياته، وقد ورد ذلك في تقرير أذاعته قناة bbc اللندنية الناطقة باللغة العربية، ليصبح الاتهام بالاقتباس مزدوجاً أمام إبراهيم عيسى، الذي آثر الصمت، مُتجاهلاً الموضوع برمته حتى لا يُفسح المجال لمزيد من القيل والقال، وتتسع دائرة الشك واللغط، ويتحول الفيلم من عمل مُبهر إلى سُبة في حال ثبوت تهمة النقل أو الاقتباس، ورغم صمت الكاتب وتجاهله، لا تزال أصداء الحديث عن أوجه التشابه بين فيلم «صاحب المقام» والفيلم الإسرائيلي «مكتوب» باقية، وبالتبعية كان لمسألة النقل عن رواية «مولانا الشيخ جواب» وفق كلام المؤلف صدى آخر ضعيف لم يأبه الكثيرون به، ربما لأن الكاتب شاب، أو لأن الرواية لم تأخذ حظها الوفير من الشهرة.
ونأتي لموضوع الفيلم وما حمله من ملامح الرواية، بحسب المتشابهات الواردة بالفعل في العملين الإبداعيين المهمين داخل سياقات أساسية في البناء السينمائي والروائي، على حد سواء، وأولها الحالة الصوفية العامة التي تُغلف الأحداث، وتحدد مسار الشخصيات الرئيسية، وتدفع بالظن إلى عدم استبعاد الربط بين الرواية والفيلم، يضاف إليها وجود المقام الوهمي للولي المزعوم محل الخلاف، ومحرك الصراع بين الرافضين لفكرة تأثير المقامات وأصحابها على البشر، والمؤيدين لها بإيمان يصل إلى درجة اليقين، وهما اتجاهان تمثلا في شخصيتي حكيم وحليم التوأمين اللذين يجسد دورهما بيومي فؤاد، وهما فاعلان في الحدث الروائي كفاعليتهما في الحدث الدرامي السينمائي، وكذلك شخصية روح التي تظهر وتختفي كنذير بالعقاب، وبشير بالثواب لرجل الأعمال يحيى، الذي طالما سخر من فكرة الكرامات والمقامات، إلى أن حاقت به الكوارث، ودخلت زوجته في غيبوبة طويلة، بعد قيامه بهدم مقام الولي، فبات مروعاً ونحا نحو التأثر بما يتردد عن المعتقدات الشعبية لكرامات الأولياء والصالحين، وهو تحول مفاجئ ألمح إليه الكاتب يسري أبو القاسم في روايته «مولانا الشيخ جواب» وجاء واضحاً كل الوضوح في فيلم «صاحب المقام» ناهيك من التشابه الأكثر قوة في استخدام الرسائل التي يبعث بها المريدون للعاملين في مسجد الإمام الشافعي، ليضعوها في مقام الإمام الجليل، توسلاً منهم ليكون وسيطاً لهم عند الله عز وجل لقضاء حوائجهم وزوال همهم وغمهم، وهو البعد الحاضر بقوة في الفيلم كخط رئيسي للأحداث، والمكتوب أيضاً في النص الروائي والمأخوذ عنه العنوان «مولانا الشيخ جواب».
 
يؤكد الفيلم في حيثياته على العلاقة الجدلية بين الجهل وتجلياته الخرافية من ناحية، والصوفية وتجلياتها الإيمانية والإنسانية من ناحية أخرى، ويشير الكاتب إلى الظروف القهرية التي تواجه البسطاء من عامة الناس فتؤدي بهم إلى الخلط بين الصوفية والشعوذة والاعتقاد.
 
هذا أهم ما ورد تقريباً في المتشابهات ما بين الرواية والفيلم، ودفع بالكاتب الروائي إلى الحديث عن ثمة نقل لبعض أحداث روايته، وتوظيفها داخل مضمون الفيلم، وهو بالتأكيد أمر آخر يختلف عن حكاية فيلم «المكتوب» الإسرائيلي التي لا تزال اتهاماً مُعلقاً في رقبة الكاتب إبراهيم عيسى حتى إشعار آخر.
الفيلم يؤكد في حيثياته على العلاقة الجدلية بين الجهل وتجلياته الخرافية من ناحية، والصوفية وتجلياتها الإيمانية والإنسانية من ناحية أخرى، ويشير الكاتب إلى الظروف القهرية التي تواجه البسطاء من عامة الناس فتؤدي بهم إلى الخلط بين الصوفية والشعوذة والاعتقاد، في غمرة الأزمات التي تستبد بهم بأنهم في حاجة إلى وسطاء ليبلغوا غاياتهم من الله، فيلجأون إلى أولياء الله متباركين بهم، ومُقرين بنقائهم، وقربهم من الذي بيده الأمر كله عز وجل، وهي إشكالية ستظل قائمة مادام هناك فقر وظلم وجهل.. تلك مُعطيات التكوين التي بُنيت عليها أحداث الفيلم كله، مع وضع الاعتبار الكامل لمفهوم الصوفية الصحيح القائم على فكرة التسليم بأمر الله، والإيمان المطلق بقضائه وقدره، وصفاء النفس، ونقاء العلاقة بين العبد وربه، وهو ما خلُصت إليه النهاية المفتوحة، بإقرار البطل آسر ياسين واعترافه بالصلة الروحانية بين العارفين بالله من أهل الحظوة الربانية والبسطاء الطيبين، باعتبار ذلك سراً ليس بمقدور الجميع الاطلاع عليه.
التجربة في عمومها فيها ما يميزها من نواح كثيرة، أولها أنها مختلفة في المعالجة، فهي لم تقطع بجهالة المريدين ولم تنف صلتهم الروحانية بآل البيت، وفي الوقت نفسه لم تكرس للخرافة، غير أن المخرج محمد العدل نجح في توظيف الأبطال الرئيسيين، يسرا وآسر وأمينة خليل، ليكونوا وسطاء مُقنعين لتوصيل المضمون بأبسط أشكال الأداء، وأوجز الإشارات وأكثرها بلاغة، كذلك جاءت الأدوار الثانوية لمحمود عبد المغني، ومحسن محيي الدين، وإبراهيم نصر، وفريدة سيف النصر، وهالة فاخر، وريهام عبد الغفور، وسلوى محمد علي، وسلوى عثمان، ومحمد لطفي ومحمود مسعود وأنجي المقدم، موحية بالمعاني المطلوبة وغنية في ذاتها عن الرطانة والثرثرة والمُبالغة، لاسيما أن الأدوات المؤثرة كالموسيقى والإضاءة والديكور، ساعدت كثيراً في إضافة ما يُغني وما يثري وما يُعطي للصورة الدرامية دلالتها وأبعادها، في ظل مهارة المصور وعبقرية الصورة.
 
٭ كاتب مصري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات