Thursday 22nd of April 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    06-Mar-2021

التأريخ الواعي في رواية «كلام على مصطبة ميت»

 الدستور-سمير أحمد الشريف

أنْ تقرأ نصا سرديا، يعني أن تُبحر في عوالم نفسية تاريخية، التصقت آثارها بشغاف القلب، ويطير بك جناح الفن عبر سماوات التخييل بكل ما فيها من أمل وألم وقسوة، وتعيش متعة السرد الذي أتقن كاتبه لمّ شمل الموضوعيّ بالذاتي والتجريب برغبة التجاوز للمتداول وتجميع المتناقضات التي حملتها شخوص «كلام على مصطبة ميت» محبوكة بكفاية فكرية فنية طموحة، تحترم المتلقي وتُشركه في وضع تصور للنص وشخوصه الذين لكل منهم حكايته وجرحه، رابطا العلائق فيما بينهم، عارضا ومحاكما نتائج قضية ما زالت آثارها تطال الجميع.
«كلام على مصطبة ميت «نص سردي يغرف من التاريخ المعاصر، والذاكرة والتجربة الذاتية، ويعد توثيقا مشوقا يمزج بين الحقيقة والوهم، والخيال والواقع، يلضم الكاتب فيه أحداثا وشخصيات يشكّل «محمد»-الذاهب للموت والعائد من النزوح محمّلا بجرثومة السرطان بعد هذا التطواف ليدفن في تراب الوطن، لكأن المرض عقاب البعد والابتعاد-، الوتد والمحور الذي ينّشدّ له ويتعالق معه الجميع، ذلك المسكون بالقضية والمخيم والنزوح، والذي شكّل المكان في وعيه نقطة ارتكاز لم تمحها الأيام ولم تنل منها المصائب والمصاعب، وظل حلم العودة في وعيه متجذرا حتى اللحظة الأخيرة من عمره، يؤكد ذلك أن اللغة المحكية والمثل الشعبي، ظلا علامة فارقة وقاسما مشتركا بين شخصيات النص جميعا.
وظّف الكاتب طريقة التدوير في نصه مبتدئا من نهاية الحكاية ثم العودة للخلف بتقنيتي الاسترجاع والاستباق، متقنا رسم الشخصية من الخارج واستخدم تقنية التقطيع ومزج اللقطات ولقطة الكاميرا المحمولة، ووظف تقنية الحلم والتقطيع السينمائي، حاملا التفاصيل على ضمير الغائب والسارد الخارجيّ كلي المعرفة، وتقنية الانزياح.
أجاد النص التوثيق لحالة الانتقال من الخيمة لبيت الطين ص 185، وكيف جعل الناس من بيوتهم حدائق بزراعة دوالي العنب وأنواع الورود، تعويضا وأملا في غد قريب يعودون فيه لظلال بساتينهم.
يسجل للعمل انتصاره للمرأة وتعرية حالات اضطهادها والنيل من كرامتها والتضييق عليها، سواء بالممارسات الخاطئة أو بالعادات والتقاليد البالية كغسل العار ظلما وجهلا «..كيف سيرد أهلها العار الذي لحق بهم ؟هي التي تزوجت داود لتفادي أي عار قد يلحق بأهلها لو رفضت الزواج وأصرت أن تتزوج سميح.يا لهذه الكلمة،التي تطل برأسها من كل جانب (العار) إن أحبت سميح هذا عار، إن سترت عجز زوجها الطاووس هذا عار،إن فضحت عجزه هذا عار، كل هذا العار تعلّق بتلك الراية؟لم تكن تعلم يوما أن هذا هو (بيت العار) ولم تدرك بعد أن الشرف كان أن تلتزم بالحب، والعار أن تتنازل عنه» ص 283.
شخصيات النص نامية مكتملة النضج فنيا، ومما يُشار له في هذا السياق علاقة محمد بميسون التي لم تعش حياتها كفتاة، بل أصبحت ولدا من أولاد المخيم، ذات الشخصية الجدلية التي ماتت بطريقة درامية على يد أحدهم وهي ابنة رجل ظل يحمل السلاح ويوصله للمقاومة،وهي التي لاقت تقديرا واهتماما من محمد، عكس أفراد المجتمع جميعا، فظلت تحمل له الجميل حتى آخر لحظة في حياته،وبعد وفاته تغيرت،فلم تغب لحظة عن المنزل، وبكته بحرقة، ووقفت لاستقبال المعزّين مع أهله، وتجيب عندما تسألها النسوة عن صلة القرابة به تجيب: عمي محمد» ص.66
من الشخصيات المرسومة بإتقان أيضا: قائد المقاطعة (بسام بك)، رمز النظام العربي الذي يقف ضد كل محاولة للتمرد على الواقع وتغييره، بل ومطاردة الرجال الذين يحاولون زراعة بذور الوعي ضد المستعمر والمحتل، والترويج لكل المؤامرات المشبوهة ضد الأمة، والعمل على قمع أي عمل وطنيّ واعتقال رموزه، يقابل ذلك إيجابيا شخصية كل من: (صبحي الناشف) الذي عمل بجد على توعية الناس وتوزيع المناشير التي تفضح المتآمرين على الأمة في صفقة الحلف المشبوه آنذاك/ حلف بغداد/ و(محمد عبد الفتاح)الذي حمل السلاح وفجّر القطار الذي ينقل الأعداء.
يحضرُ هنا حجم العمل الأدبي الذي يواجه الكثير من المغريات من قبل المنابر الإلكترونية الأخرى التي تجاهد لكسب المتابعين على حساب الكتاب الورقي، فنرى ضرورة التكثيف في العمل الأدبي والبعد به عما لا يشدّ المتلقي ويسبب له الملل، بالوصول للهدف بأقصر الطرق الفنية واللغة المحبوكة، البعيدة عن الترهل والمباشرة وتدخل السارد، ولعل مثالنا في ذلك أستاذنا المرحوم غسان كنفاني في روايته العظيمة «ر جال في الشمس» التي طرح فيها قضية وطنية عميقة في 96 صفحة من الحجم الوسط وكذلك رواية العنكبوت للدكتور مصطفى محمود.