Friday 4th of December 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    07-Nov-2020

أحجية «الزمن الجميل» للثقافة الجزائرية

 القدس العربي-سعيد خطيبي

أغنية لا تمل من الدوران، مفادها أن الثقافة الجزائرية عاشت زمناً جميلاً في سبعينيات القرن الماضي. إنها حكاية تعوّد «المخضرمون» على تكرارها، لا يفوتهم أي لقاء في ما بينهم، أو مع جيل تلاهم، بدون الترويج لها، يتحدثون عن تلك العشرية مثل أم تمتدح بكرها، مثل امرأة تحن إلى أرملها، يُجاهرون بأن الجزائر عرفت حينذاك ما يُشبه «ثورة ثقافية» يُعددون أوجهها، بالإشارة إلى أسماء مجلات أو ملاحق أدبية انتشرت وقتذاك، يتداولون قصص سجالات وقعت بينهم، يقولون إن نقاشاتهم كانت تشغل الرأي العام، نقاشات لن نعثر أبداً على أرشيف لها، يكلمون الشباب عن تلك الحقبة، كما لو أن الجزائر كانت توأم «الحي اللاتيني» أو عاصمة أنوار، ولا نزال نُصادف كتباً على شاكلة «الشعر الجزائري في السبعينيات» أو «القصة القصيرة في السبعينيات» ولا نكاد نُصادف واحداً من المثقفين الشباب لم يفتتن بتلك الأساطير والأحاجي، بل من بينهم من تمنى لو وُلد قبلاً وعاصرها، إن الأقاويل التي تملأ الجو عن سبعينيات القرن الماضي في الجزائر، تُشعرنا كما لو أننا ضيعنا الفردوس، أو أننا جيل ملعون لم نحفظ تركة الأولين.
إلى اليوم لا تزال تتردد تلك الأسطوانة، فماذا كان يحدث فعلاً في السبعينيات؟ كيف كانت تلك المرحلة سبباً في الانهيار الذي نعيشه اليوم، عكس ما يروج له «النوستالجيون»؟ واحدة من أهم أحداث السبعينيات التي نسمع عنها، هي مجلة «آمال» التي تخصصت في نشر النصوص الأدبية، من شعر وسرد ومسرح. أطلقتها وزارة الإعلام والاتصال في إبريل/نيسان 1969، باللغتين العربية والفرنسية، لكن الشق الفرنسي من المجلة توقف في شتاء 1974، واستمرت بالعربية فقط إلى غاية 1985، بالتالي فهي المجلة الأدبية الأطول عمراً في الجزائر، بلغ عدد نسخها حدود 25 ألف نسخة، وتواصل صدورها بإيقاع مرة واحدة كل شهرين.
 
نقرأ في أكثر من مكان ونسمع أن تلك المجلة كان لها الفضل في تشكل جيل من المبدعين الجزائريين، في الجمع بين كتاب الطليعة، في خلق دينامية ثقافية في الجزائر الناشئة. كثير من الكتاب يتفاخرون أنهم بدأوا النشر في «آمال» لكن نادراً ما نسمع عن خطها التحريري، «محتوى النص المنشور في المجلة كان أهم من أسلوبه» فالكثير من النصوص التي دأبت على نشرها كانت سيئة، «تفتقد للجرأة» برأي الناقد جان ديجو، كانت تميل لأي كتابة تصب في خدمة الخطاب السياسي السائد، في مديح الاشتراكية والمغالاة في الافتخار بالماضي الثوري، مغفلة مقياس جودة النص، كانت حاضنة للخطاب لا للأدب، بينما يتحدث عنها شارل بون، الذي عاش طويلاً في الجزائر، وأعد رسالته في الدكتوراه عن الأدب الجزائري، بأن أول رئيس تحرير للمجلة مالك حداد أنشأها من منظور أندريه جدانوف، وزير الدعاية السوفييتي السابق، الذي كان يفرض رقابة سياسية على الأدب، فمنصب مالك حداد في تلك المجلة تعارض تماماً مع حقيقته كواحد من المُجددين في الأدب، بل ناقض نفسه، أن قبل تلك المهمة، قد يكون هذا الخيار منطقياً بحكم أنها صدرت عن هيئة رسمية، لكن ما حقيقة أنها كانت تمثل حدثاً ثقافياً؟ وتصنع النقاشات؟ يقول الناقد محمد صالح خرفي، إن كمية معتبرة من المجلة كانت تُوجه إلى الإدارات، وإلى المصالح المرفقة بها، وما تبقى يوزع في المكتبات، بالتالي فإن رقم السحب لا يعني رواجاً لها، كما أن ذلك الرقم لم يتح لها أن تتحول ـ على الأقل ـ إلى مجلة شهرية.
 
إن الأقاويل التي تملأ الجو عن سبعينيات القرن الماضي في الجزائر، تُشعرنا كما لو أننا ضيعنا الفردوس، أو أننا جيل ملعون لم نحفظ تركة الأولين.
 
إلى جانب «آمال» طفت حكايات مُشابهة عن «الشركة الوطنية للنشر والتوزيع» التي التزمت بنشر بواكير أعمال الشعراء والقصاصين والروائيين وقتذاك، تلك الشركة نسمع عنها أكثر مما نجد لها نصوصاً تستحق أن نعود إليها، إلا ما ندر منها، كما أن إصداراتها ظلت أيضاً تدور حول ثيمات مكررة، من توصيف لحرب التحرير، أو القرى أو معاناة الناس، بعيداً عن أي محاولة لتجديد الأدب وقتها، وتغيير نظرته الكلاسيكية والحالمة للحياة، لهذا السبب بقيت مبيعاتها محتشمة، لم تستطع أن تحظى بإجماع من طرف القراء، على الرغم مما كان يُقال عن تلك الشركة، فإنها لم تحقق ما كان مرجواً منها، في المقابل، فإن أنطولوجيا الشعر الجزائري الجديد، التي أصدرها جان سيناك (1926ـ1973) بجهده الخاص، ضمت شعراء شباب حينها، لم يسمح لهم بالظهور مثلاً في مجلة «آمال» نفدت في أيام معدودات، ذلك الحين كانت الجزائر تقرأ شعراً، تغلب جان سيناك وحده على شركة حكومية بأكملها، كان نبياً بفضل حصته الإذاعية «شعر على كل الجبهات» التي منعت من البث عام 1972 لأسباب غير معروفة، حينها وزير الإعلام والثقافة كان اسمه أحمد طالب الإبراهيمي، المعروف عليه ميوله العروبية الإسلامية، الذي اشتكت منه غالبية المثقفين الطلائعيين وقتها، مثلاً الناقد السينمائي أحمد بجاوي يلمح، في شهادة له، إلى أن ذلك الوزير سعى إلى توقيف برنامج تلفزيوني له اشتهر بعرض الأفلام وتحليلها، كما يحكي محمد لخضر حمينة، كيف أن الوزير ذاته كاد أن يعطل تصوير فيلم «وقائع سنين الجمر» (السعفة الذهبية 1975) بل إن الوزارة لم تتحمس لترشيح الفيلم إلى مهرجان (كان) لولا إصرار المخرج نفسه، من جهته فقد عانى منه كاتب ياسين أيضاً ومن تسلطه، لقد كان الإبراهيمي ـ بشهادة الكثيرين ـ عثرة في الثقافة الجزائرية، مع ذلك نسمع من يمتدح حقبته، على أنها أزهى أيام الثقافة الجزائرية! في تلك السنوات مات جان سيناك مقتولاً، وقبلها لم يكن يعيش سوى في قبو عمارة، هل يُعقل أن نمتدح حقبة عاش شاعرها الأهم بين القوارض والفئران، ممنوعاً من وظيفته في الإذاعة ومن نشر أعماله في بلده؟
إلى جانب ما سبق، شاع حديث عما يُطلق عليه «اتحاد الكتاب الجزائريين» في السبعينيات، هذه الهيئة التي تفوح منها الغرابة، لا نعرف ما هو دورها فعلاً، وما هي الحاجة إلى وجودها، هيئة ظلت تغير اسمها باستمرار، مرة تضم إليها مترجمين ومرة صحافيين، ومرة أخرى تتبرأ منهم، ومن خلال تصفح أرشيف جرائد السبعينيات، لم يكن يرد الحديث عن ذلك (الاتحاد) سوى حين يعلن عن مؤتمراته الانتخابية، عدا ذلك، طوال الموسم يكاد يكون غائبا، هل الجزائر في حاجة إلى اتحاد كتاب؟ أين كان هذا الاتحاد يوم اندلع ربيع الأمازيغ عام 1980، عقب إلغاء محاضرة عن الشعر الأمازيغي للكاتب والباحث مولود معمري؟ أين كان حينها كتاب وشعراء مجلة «آمال»؟ أين كانت الشركة الوطنية للنشر والتوزيع؟ أين كان من أطلق عليهم كتاب الطليعة يوم قامت ثورة 5 أكتوبر/تشرين الأول 1988؟ في ذلك الوقت ابتذلت الرقابة، بات الكتاب يبررونها، ويتآلفون معها، كانوا في السبعينيات مشغولين بالكتابة عن أحلامهم وعن أمجاد الماضي، كان الحزب الواحد بوصلتهم، بينما المواطنون البسطاء يتزاحمون كل صباح، في المتاجر، قصد الظفر بوعاء زيت أو كيلو غرام سكر، وهراوات الشرطة تتساقط على رؤوسهم، كانت الحياة تجري نحو انسداد، الجزائر في طريقها إلى انهيارات متتالية، والكتاب يمتدحون زمن السبعينيات الجميل.
 
٭ كاتب جزائري