Wednesday 18th of May 2022 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    22-Apr-2022

ملامح الخطاب الشعري في ديوان «عشتار وجراح الأندلس» لمحمد نصيف

 الدستور-نضال القاسم

عن دار البيروني للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية عمّان، صدر للشاعر والإعلامي العراقي الأستاذ محمد نصيف، ديوان شعر جديد بعنوان «عشتار وجراح الأندلس»، ويقع الديوان في (151) صفحة من الحجم المتوسط، وجديرٌ بالذكر أن هذا الديوان قد حصل في عام 2019م على جائزة سعيد فيّاض للإبداع الشعري.
ولا نبالغ إذا قلنا إن الشاعر محمد نصيف يعتبر من الأصوات البارزة في المشهد الشعري العربي المعاصر، فهو إعلامي متميز صاحب رسالة جهيرة عركته الأيام بسرعة، وشاعر حقيقي موهوب ومتجدد، له حضوره على الساحة الأدبية، وتعتبر تجربته الشعرية من أبرز التجارب اللافتة للنظر خلال السنوات الماضية، وتشعرك مجموعته الشعرية الأولى «الأزهار تموت في آذار، 2007» أنك أمام عالم محمد نصيف الشعري، بكل ما فيه من دهشة وبساطة وألق وموسيقى وفن تصويري وتشكيلي، حيث استطاع الشاعر أن يجد أسلوبه الخاص وشخصيته الشعرية من خلال نقل تجربته الذاتية وتأملاته الفلسفية إلى كتابة القصيدة.
وتتسم تجربة الشاعر محمد نصيف بالبساطة والعمق، سعياً لنسج علاقات جمالية لرؤى الذات داخل العالم والطبيعة، حيث التواصل الروحي والجسدي المتأني والمتأمل مع الطبيعة ومفردات الحياة الحاضرة والغائبة.
ولعل المقارنة بين ديوانه الأول «الأزهار تموت في آذار، 2007» ودواوينه الأخرى التي ظهرت عقب ذلك، وهي «على أجنحة الجراح، 2012» و«عشتار وجراح الأندلس، 2019»، تكشف عن مدى الجهد الشعري الخلاّق المتطور في تجربته وبناء شخصيته الشعرية المستقلة إلى أبعد حد يقدر عليه, في سياق التجربة الشعرية العربية المعاصرة.
وتتميز قصائد ديوان «عشتار وجراح الأندلس» بالرصانة اللغوية والعمق الشديد، الذي يفتقد إليه الكثير من شعر بعض شعراء ما بعد الحداثة، وكذلك الذين ينتهجون نهج القصيدة الكلاسيكية، كما تتميز هذه القصائد بالصدق المتمثل في انطلاق معظم القصائد من مرجعية فلسفية خاصة تعكس وجهة نظر الشاعر.
ويتطرق الشاعر في ديوانه إلى العديد من المسائل الوجودية والروحية التي تؤرق كل شاعر ومفكر يرغب في معرفة ماهية الحياة، ومن الأمثلة على ذلك قصيدة «عشتار» التي حمل الديوان اسمها، والتي اقترن حضورها بالحبِّ والجمالِ والخصب، فهي المرأةُ والحبيبةُ والأمُّ والوطن، والتي كتب لها الشاعر في هذا الديوان أعذبَ الأوزانِ وأحلى القوافي وأرقَّ الكلمات وأعمق المعاني، وإذا كانت عشتار البابلية قد رَمزَتْ إلى إعادة الحياة للأرض بعد جدبِها، فإن «عشتار» الشاعر قد أومأت إلى إعادة الحبِّ لهذه الأرض.
وهذا الديوان يبدو في مجمله ديواناً كلاسيكياً، وبخاصة فيما يتعلق بالبناء العام للقصيدة فيه حيث يقوم هذا البناء غالباً على الوسائل الموروثة لبناء القصيدة العربية سواء في اللغة، أو في بناء الصورة، أو في الموسيقى، وإذا تتبعنا قصائد الديوان أدركنا نوعية العلاقة التي تربط الشاعر محمد نصيف بالتراث العربي خاصة والإنساني عامة، وسوف يتضح لنا من خلال النماذج التي سنسوقها ـ كشواهد على صحة ما ذكرنا ـ أن علاقة الشاعر بهذا التراث هي علاقة استيعاب وتفهم وإدراك واع للمعنى الإنساني والتاريخي للتراث، وليس بحال من الأحوال علاقة تأثر صرف واحتذاء وتقليد.
أما فيما يتعلق بالبناء الفنّي للقصيدة، فقد استخدم الشاعر البحور الخليلية دون أي تنويع في الوزن، كما التزم وحدة القافية، وقد شاعت في الديوان مجموعة من البحور شيوعاً يلفت النظر، ويعد البسيط أكثر الأوزان شيوعاً في الديوان حيث كُتبت به ثمانية قصائد، ويلي البسيط بحر الكامل في عدد القصائد حيث كُتبت به خمس قصائد، أما بحر الوافر التام والمجزوء فقد كُتبت عليه أربعة قصائد، كما كُتبت على بحر الخفيف قصيدة واحدة مجموع أبياتها سبعة عشر بيتاً، كما كتُبت أيضاً قصيدة واحدة على بحر الرجز بلغ عدد أبياتها عشرون بيتاً، وقد جاءت قصائد الديوان على النحو الاتي:- (أجيبيني/ بحر الوافر)، (عشق في النوروز/ بحر البسيط)، (ما لي بحبك شافع/ بحر الطويل)، (عامٌ جديد/ بحر البسيط)، (ليلة الميلاد/ بحر الكامل)، (بريدٌ من لارا/ مجزوء الوافر)، (عشتار وجراح الأندلس/ بحر البسيط)، (معلمتي/ بحر الوافر)، (العيد والحب/ بحر الوافر)،(بنتُ النصارى/ بحر البسيط)، (متى يزهرُ الوعد/ بحر الكامل)، (ورود المنال/ بحر الخفيف)، (رفيقة القمر/ بحر البسيط)، (رقصةٌ وذكريات/ بحر الكامل)، (العراق وحبيبتي/ بحر الكامل)، (شرقية/ بحر البسيط)، (وصال/ بحر الكامل)، (الهوى وحلم النساء/ بحر البسيط)، (رثاء حلم/ بحر الرمل)، (ناهدة/ بحر الرجز)،(جنى الشَّوك/ بحر البسيط).
هذا الملمح العام الذي يغلف البصمة الشعرية لمحمد نصيف، تتبعه عناصر متعددة تسيطر على مجمل هذه الشعرية، وخصوصية هذه العناصر في انتمائها لذاتية هذا الشاعر متعدد الروافد والدوائر.
أما فيما يتصل بطبيعة الرؤية الشعرية، ومكوناتها في ديوان « عشتار وجراح الأندلس» فإن هناك مجموعة من الظواهر التي تسترعي اهتمام القارئ، وتعطي للديوان قيمة، وأول ما يلحظه القارئ من هذه الظواهر أن الديوان يخلو من شعر المناسبات، أما الظاهرة الثانية التي تستوقف قارئ الديوان فهي غلبة النظرة التأملية التي لا تقف عند ظاهر الموضوعات التي يتناولها الشاعر وإنما تحاول أن تنفذ إلى صميمها بعد أن تحولها إلى موضوع للتأمل، وهذه النزعة التأملية تمثل البعد الأساسي من أبعاد رؤية الشاعر في هذا الديوان، فهي بالإضافة إلى استئثارها بعدد كبير من قصائد الديوان التي لا يشاركها فيها أي بُعد آخر تضفي بعض ملامحها على الأبعاد الأخرى للرؤية الشعرية، كالبعد العاطفي، والبعد الإنساني، والبعد الاجتماعي، والبعد الوطني والبعد التاريخي، ففي القصائد التي تعبرُّ عن كل بعد من هذه الأبعاد لا نعدم أن نرى آثاراً لهذه النزعة التأملية تمتزج بالأبعاد الأخرى لرؤية الشاعر بصورة يمكننا معها اعتبار هذه النزعة منهجاً في التناول الشعري أكثر منها بُعداً من أبعاد الرؤية الشعرية ومكوناً من مكوناتها.
أما الظاهرة الثالثة المتصلة بطبيعة الرؤية الشعرية في الديوان فهي ارتباط البعد الوطني في هذه الرؤية بالبعد التاريخي، فالقصائد التي تتخذ من الحس الوطني موضوعاً لها ترتبط فيها الوطنية بالتاريخ، وهي قصائد قليلة على كل حال لا يتجاوز عددها قصيدتين. منها قصيدة على بحر البسيط بعنوان «عشتار وجراح الأندلس»، أما القصيدة الثانية والتي جاءت على بحر الكامل فهي بعنوان «العراقُ وحبيبتي»، حيث يختم الشاعر القصيدة بوعد صارم بأن يمضي لغايته في العمل على نهضة العراق وبعث مجدها حيث يقول:
عاندتُ في حُبِّ العراق مصائبي
جَلداً ولم تُلن الجراحُ عنادي
وعروبتي ظلّت تعزُّ بضادها
وحفظتُ في لغو الأعاجم ضادي
وإذا رأى الناسُ السُكُوتَ سلامةً
سأظلُّ في صدر الجُمُوعِ الحادي
وأظلُّ أبذُرُ في العراقِ مطامحي
حتى يُتوّجَ بالفَخَارِ حَصَادِي
أما البعد العاطفي من أبعاد الرؤية الشعرية في ديوان محمد نصيف، فإن معظم القصائد تعبرُّ عن تجارب حب محبطة، ومن ثم فإن البعد العاطفي في هذه القصائد يمتزج بنبرة الأسى الشفيف، وتتحول القصائد إلى لون من أغنيات الحنين والشكوى، ولا نكادُ نعثرُ في الديوان على قصيدة واحدة تُعبرُّ عن تجربة حب حية، وإنما هو البكاء على الحب الغارب، أو الشكوى من الحبيب الهاجر. ومن الأمثلة على ذلك قوله في قصيدة «ما لي بحبِّكَ شافِعُ»:-
يُؤمّلُني حُلمي بأنك راجعُ
وأعلمُ أنّ الحُلم مثلُكَ خادعُ
فلا البُعدُ عن أوهام حُبِّك واقعٌ
ولا القُربُ من فوضى غرامك نافعُ
أئنُّ وللأوجاع في الروح موطنٌ
وكم أنت في نكأ المواجعِ بارعُ
وأسألُ قلبي كيف يُغويك جاحدٌ
وأنت لهُ رَغمَ التَّعَسُّفِ طائِعُ
ومن الناحية الفنية، هناك نضج بنائي في قصائد الشاعر محمد نصيف، فهي تعتمد على بنية التشكيل اللوني، وتشكيل الصور وعلاقاتها المتساندة فيما بينها، ويتميز شعره بصورة شعرية واضحة تنبض بالحياة التي تجعل حروف القصيدة تلامس جذور الواقع .. وتصير أكثر وهجا ً وعمقا ً وخصوبة، وأجدني وأنا استعيد قصيدة (أجيبيني) مدفوعاً إلى الإصغاء إلى أصوات كثيرة، لا تقع ضمن قصائد الشاعر، بل تتجاوزها إلى نصوص خارجية مختلفة: دينية، وأسطورية، وشعرية، ولا غرابة في ذلك ونحن أمام شاعر مزود بثقافة فذة، ووعي عالٍ بالتراث، كما أن لغته تتميز غالباً بمتانة وإحكام مشوبين بغرابة صادمة. يقول الشاعر:
أجيبيني فقد صُلبَ السؤالُ
على شفتيَّ مُذ نضبَ المقالُ
أجيبي أطفئي فيَّ احتراقي
أحقٌ عشقُ عينيكِ المُحالُ
دعيني منهما ألقى دلالاً
ففي عينيك يغريني الدّلالُ
دعيني مبحراً بهما دُهوراً
إلى حيثُ الأماني والمنالُ
ويمكن القول إن مشاعر محمد نصيف موزّعة، تارةً هنا وتارة هناك، حيث لا وقت سوى للحلم والوهم والرؤيا، وحيث البعيد والقريب بمتناول الشعر، شعر البوح والشكوى في محمول القصيدة الذاتية واليومية، التي تتشابك مع الواقع وتفكك صلادته وتجعله يسيل ويجري، ويتدافع ويتدافق في اللغة بعيدًا عن الأسلبة وجفائها أو تعقيدها، حيث يصنع الشاعر هنا قصيدته من بعض كلمات شفافة هي عدّته الكافية للوصول إلى مراده لبلوغ ذروة تعبيره الداخلي،الصادق والحميم. كقوله:-
دعيني أرسمُ الشعر ابتهالاً
فكُلُّ قصيدةٍ فيكِ ابتهالُ
أنا منذ البداية لم يضرني
من الواشين قولٌ قد يقالُ
زرعتُ لك القصائد وهي كثرٌ
حقولاً تنتشي فيها الظلالُ
وصُغت لك النجوم سوار حبٍّ
لأطياف السَّنا فيه انثيالُ
هذه مقاربة موجزة، حاولت أن تحاور نصوص الديوان، وتتبيّن بعضاً من رؤاه وجمالياته معنى ومبنى، إيقاعاً وصوراً، إدهاشاً واستثارةً وإمتاعاً.
وقد تبيّن لنا من خلال الخصائص التي أبرزناها في الفقرات السابقة أن قصائد هذا الديوان متميزة في رؤياها ومعمارها الفنّي، وفي طريقة تشكيلها للغة والمكان والزمان، وهي قصائد مفتوحة على دلالات إنسانية ووجودية قابلة لقراءات وتأويلات واحتمالات عديدة، مرتبطة بمواقف وحالات وتحولات الإنسان، في سيرورته الحياتية وكينونته الوجودية، وفق بنية دلالية تقوم على الصراع بين عدة ثنائيات.