Sunday 19th of January 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    12-Jan-2020

صورة جنرال: برقيات تجسس إيرانية سرية تظهر كيف مارس قاسم سليماني نفوذه الهائل في العراق

 الغد-مرتضى حسين* – (ذا إنترسيبت) 6/1/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
في العقود الأربعة التي أعقبت قيام الثورة الإيرانية في العام 1979، حقق عدد قليل من القادة الإيرانيين الصورة العالمية التي حققها اللواء قاسم سليماني؛ القائد العسكري الذي قتل في غارة جوية أميركية يوم الجمعة قبل الماضي. فبعد غزو قوات التحالف للعراق بقيادة أميركية في العام 2003، ظهر سليماني كألد خصوم الولايات المتحدة وأكثرهم قدرة في ذلك البلد. وقد وصف نظيره الأميركي في مرحلة رئيسية مهمة خلال الاحتلال، الجنرال ديفيد بترايوس، سليماني بأنه “شخصية شريرة حقًا” في رسالة إلى روبرت غيتس، وزير الدفاع الأميركي في ذلك الحين. وعلى مر السنين، اكتسب سليماني سمعة كقائد عسكري مخيف سيطر على شبكة من الميليشيات المدفوعة أيديولوجيا في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
تظهر صورة أكثر دقة لسليماني من أرشيف مسرّب لبرقيات تجسس إيرانية سرية حصلت عليها مجلة “ذا إنترسيبت” The Intercept. وكان قد أنشاً هذه الوثائق ضباط من وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، المتمركزين في العراق بين العامين 2013 و2015، عندما كانت الحرب الإيرانية ضد “داعش” في أوجها، وكان سليماني يدير العرض.
تكشف هذه التقارير كيف كان ينُظر إلى سليماني في بعض أركان مؤسسة الاستخبارات الإيرانية، ولا تتماشى الصورة التي تظهر هناك دائماً مع الصورة العامة التي صُنِعت بعناية للجنرال كخبير استراتيجي لا يقهر. وبينما كانت الحرب التي تقودها إيران ضد “داعش” محتدمة، أعرب الجواسيس الإيرانيون سراً عن قلقهم من أن التكتيكات الوحشية التي كان يفضلها سليماني ووكلاؤه العراقيون تضع الأساس لرد فعل كبير ضد الوجود الإيراني في العراق. وانتقد الضباط سليماني أيضاً بسبب ما زعموا أنه طريقته في عرض نفسه وسط القتال. وقد ساعدت صور القائد الإيراني أثناء تواجده في ساحات القتال في جميع أنحاء العراق على بناء صورته كقائد عسكري أيقوني. لكن تلك الصورة المضخمة كانت تحوله أيضاً إلى شخصية مرعبة بالنسبة للعديد من العراقيين العاديين.
بعض البرقيات تؤرخ لظهور سليماني في ساحة المعركة واجتماعاته مع كبار المسؤولين العراقيين، بينما يصف بعضها الآخر أنشطة المليشيات التابعة له في العراق. وكقائد لفيلق قوات النخبة، “قوة القدس”، ذراع العمليات الخارجية لفيلق الحرس الثوري الإسلامي، كان سليماني ينتمي إلى منافس مؤسسي أكثر قوة لوزارة الأمن والاستخبارات الإيرانية. وفي بعض الوثائق، ينتقد ضباط المخابرات سليماني على إقصاء وتنفير المجتمعات العربية السنية، ومساعدته على خلق الظروف التي تبرر تجدد الوجود العسكري الأميركي في العراق.
أعربت وثيقة لوزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية من العام 2014 عن الأسف من أن السنة العراقيين -جزئياً لأن سليماني روّج دوره باعتباره القائد للعديد من الميليشيات الشيعية العراقية التي تقاتل “داعش”- ألقوا باللوم على الحكومة الإيرانية في الاضطهاد الذي عانى منه الكثيرون منهم على أيدي هذه القوات نفسها. وناقشت الوثيقة الهجوم الأخير الذي شنته القوات المدعومة من إيران ضد مقاتلي “داعش” في المجتمع الزراعي السني في جرف الصخر. وشارك في ذلك الهجوم عدد من جماعات الميليشيات الشيعية، بما فيها مجموعة سيئة السمعة تعرف باسم “عصائب أهل الحق”. وقد نجحت الميليشيات في هزيمة “داعش”، لكن انتصارها سرعان ما أخلى مكانه لمذبحة عامة ضد السكان المحليين، مما حول حلاوة انتصار إيران إلى “مرارة”، على حد تعبير ضابط حالة من رجال الاستخبارات الإيرانية في العراق.
ويواصل تقرير وزارة الأمن والاستخبارات الإيرانية: “من الحتمي والضروري وضع بعض القيود والحدود على العنف الذي يتعرض له السنة الأبرياء في العراق والأشياء التي يفعلها السيد سليماني. وبخلاف ذلك، سوف يستمر العنف بين الشيعة والسنة. في الوقت الحالي، يُنظر إلى كل ما يحدث للسنة، بشكل مباشر أو غير مباشر، على أنه من عمل إيران -حتى عندما لا تكون لإيران أي علاقة به”.
تكهنت تلك الوثيقة نفسها بأن ترويج سليماني العلني لدوره في الحرب كان موجهاً نحو بناء رأسمال سياسي في إيران، ربما من أجل محاولة رئاسية مستقبلية. لكنها احتوت أيضاً على رؤى أكثر دقة في شخصية قائد قوة القدس وكيف رأى نفسه. وأشارت الوثيقة إلى عاطفة سليماني تجاه رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو، الذي كان حليفاً مقرباً للرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ولفترة من الزمن، كان داود أوغلو يعتبر القوة الفكرية وراء سياسة تركيا الخارجية.
وقال التقرير السري: “للسيد سليماني علاقة قديمة مع أحمد داود أوغلو، وهو يقارن دائماً دوره في السياسة الخارجية الإيرانية بدور شخص مثل داود أوغلو في السياسة التركية”. ومع ذلك، فإن تصور سليماني الذاتي تطور مع مرور الوقت، وفقًا للتقرير. وبحلول العام 2014، بينما كانت الحرب الإيرانية بالوكالة ضد “داعش” تجري على قدم وساق، كان قد شرع في النظر إلى نفسه على أنه ليس مجرد أيديولوجي سياسي، وأصبح يرى نفسه أكثر كقائد عسكري ومخابراتي تمكن مقارنته بهاكان فيدان، رئيس جهاز الاستخبارات التركي القوي النافذ.
لا يحتوي تقرير وزارة الاستخبارات على مزيد من التفاصيل حول علاقات سليمان مع كبار المسؤولين الأتراك. لكن التحول الواضح في تصوره الذاتي كان يواكب التطورات في المنطقة. فمثلما ساعد فيدان في إدارة حرب حرب تركية بالوكالة في سورية، كانت إيران تكثف من جهودها المماثلة في العراق.
 
 
مقاتل في ميليشيا شيعية عراقية أثناء اشتباك مع “داعش”، في جرف الصخر جنوب بغداد، 2014 – (المصدر)
 
في أواخر العام 2014، وفقا للوثائق المسربة، كان هناك مسبقاً برنامج موسع لإرسال مقاتلي الميليشيات الشيعية العراقية إلى إيران للتدريب والتجهيز والإعداد العقائدي. وكان ذلك برنامجاً لعب فيه الحرس الثوري الإيراني دوراً حاسماً. وقد استمر مقاتلو الميليشيات الشيعية في قتال “داعش”، لكنهم اتُّهموا في بعض الأحيان بشن حرب طائفية عشوائية بلا تمييز داخل العراق وبتقويض الحكومة المنتخبة في البلاد.
تحتوي وثائق المخابرات الإيرانية السرية على رؤى عميقة حول كيفية تنظيم هذه الحملة التدريبية، مع إلقاء الضوء أيضاً على الأسباب الفقهية العقائدية التي جعلت بعض العراقيين يسعون إلى الحصول على دعم سليماني والحرس الثوري.
في اجتماع عقد في أيلول (سبتمبر) 2014 في القنصلية الإيرانية في البصرة، أخبر قائد ميليشيا عراقية جاسوسا إيرانيا بأنه يريد أن يعمل مقاتلوه تحت السيطرة الإيرانية، بدلاً من أن يوجههم الجيش العراقي أو وحدات الحشد الشعبي التي تم تشكيلها لمحاربة “داعش”. وبدت مكامن قلقه أيديولوجية بالدرجة الأولى. فقد أخبر القائد محاوره الإيراني بأن لديه بالفعل 600 مقاتل مدربين تدريباً جيداً وأنه يعتزم تنمية ميليشياته في المستقبل القريب. لكنه كان قلقا، مع ذلك، من أن قواته قد تفقد انضباطها العقائدي من دون توجيه إيراني.
وقال القائد إن العديد من المتطوعين في وحدات الحشد الشعبي “حتى لا يُصَلّون”، ويقال أن “بعض القادة، وحتى الجنود” في قوات الأمن العراقية يشربون الخمر. وطلب القائد من الجاسوس الإيراني أن “ينسق من أجل أن يخضع هؤلاء الجنود لقيادة إيران”، خوفًا من أن تتضرر معنويات مقاتليه وانضباطهم بخلاف ذلك. ووفقاً للتقرير، تمت تلبية طلبه بحماس.
ولكن، يبدو أن بعض العراقيين قاموا بإضفاء طابع رومانسي على الحرس الثوري، لكن بعض مقاتلي الميليشيات الذين تم إرسالهم إلى إيران للتدريب وجدوا أن التجربة لم تلبِّ توقعاتهم السامية. “لسوء الحظ، أولئك الذين نرسلهم إلى إيران لتلقي التدريب ليسوا راضين عن الوضع الثقافي في إيران”، كما قال قائد ميليشيا عراقي آخر خضعت قواته للتدريب مسبقاً في إيران لأحد جواسيس وزارة الاستخبارات الإيرانية، وفقًا لتقرير مختلف من نفس الشهر. واشتكى هذا القائد من أن “الإخوة في (الحرس الثوري) يؤدون الصلوات المعتادة خمس مرات في اليوم فقط”، وأن المقاتلين الإيرانيين لم يكونوا متحمسين في ممارساتهم الدينية كما توقع المتدربون العراقيون.
انتهى الأمر بهذه الميليشيات العراقية وهي تلعب دوراً مهماً، وإن كان مثيراً للجدل، في الحرب ضد “داعش”. وبعد وفاة سليماني، تجد بعضها الآن نفسها في مصلب عدسة تصويب الجيش الأميركي. ففي غضون 24 ساعة من الضربة التي قتلت قائد قوة القدس، وقعت غارة أخرى شمال بغداد، والتي أسفرت عن مقتل وجرح العديد من أعضاء ميليشيا تدعمها إيران. وهناك مؤشرات قوية على أن هذه الحملة بدأت للتو. وفي وقت متأخر من يوم الجمعة قبل الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنها تصنف ميليشيا “عصائب أهل الحق”، التي شاركت في مذبحة 2014 في جرف الصخر، منظمة إرهابية أجنبية وفرضت الحظر والعقوبات على العديد من قادتها.
على المدى القصير، من شبه المؤكد أن العنف سوف يتصاعد في الشرق الأوسط. ففي وقت متأخر من يوم السبت الذي تلا اغتيال سليماني، وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداً استفزازياً بقصف 52 هدفًا تم اختيارها داخل إيران إذا قامت طهران بالرد على مقتل سليماني، بما في ذلك مواقع ثقافية إيرانية. لكن إيران قد لا تحتاج حتى إلى الرد بالعنف لفرض ثمن مقابل مصرع قائد قوة القدس. ورداً على الغضب واسع النطاق من الضربة التي أودت بحياة سليماني، تعهد رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، الذي وصفته في وثائق وزارة الأمن والاستخبارات الإيرانية بأن “له علاقة خاصة” مع إيران -والذي تمتع بدعم سليماني الشخصي عندما طالبت الاحتجاجات بإسقاطه في هذا الخريف الأخير- تعهد يوم الجمعة بدعوة البرلمان لمراجعة وضع القوات الأميركية في العراق. وبحلول يوم الأحد، كان البرلمان قد صوت على طرد الجيش الأميركي من البلاد.
إذا تمكنت الحكومة العراقية حقاً من جعل القوات الأميركية تغادر البلد رداً على مقتل سليماني، فسيكون هذا فصلاً آخر من قصة أصبحت الآن مألوفة: مثل الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، قد يكون هذا العمل العدواني بمثابة نجاح تكتيكي للولايات المتحدة، وإنما الذي ينتهي بتسليم نصر استراتيجي لإيران.
 
*صحفي يركز عمله على الأمن القومي والسياسة الخارجية وحقوق الإنسان. ظهرت مقالاته سابقاً في صحيفتي “نيويورك تايمز” و”الغارديان” و”الجزيرة الإنجليزية”.
 
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: PORTRAIT OF A GENERAL: Secret Iranian Spy Cables Show How Qassim Suleimani Wielded His Enormous Power in Iraq
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات