Thursday 9th of July 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    22-Jun-2020

العنصرية بين الإبداع السينمائي وتعرية الواقع في فيلم «get out»

 القدس العربي-غزلان عتقاوي

تظل العنصرية مفهوما ملتبس المعنى في انغماسه بباقي الجوانب الاقتصادية والسياسية والدينية… لكن يبقى هذا المفهوم في شموليته مرتبطا بالقيم الإنسانية، وعلى غرار ما هو معهود، فالعنصرية تمييز إما بسبب لون الإنسان أو دينه أو طبقته الاجتماعية. وهذا التمييز يعطي أحقية لطائفة على حساب أخرى، ويجعلها مميزة في نظر نفسها والمجتمع، لكن السؤال الذي بقي معلقا: من أين تأخذ هذه الطوائف العنصرية هذه الأحقية وهذا التميز؟ أو بتعبير آخر مَن يعطيها المشروعية لممارسة العنصرية في المجتمع؟
للإجابة عن هذا السؤال يحاول فيلم get out  إبداع صورة سينمائية مرعبة، في تناوله موضوع العنصرية، وتعمقه في حيثيات وأبعاد هذا التميز العنصري البشع. صنف فيلم get out الأمريكي من أفلام الرعب، لمخرجه غوردان بيل، وتم إصداره في أمريكا سنة 2017. وتدور أحداث هذا الفيلم حول شاب افريقي أمريكي أسمر البشرة، يعمل مصورا فوتوغرافيا، يدعى «كريس». تطلب منه صديقته البيضاء «روز»، أن يذهبا في عطلة لزيارة والديها، ويتعرف عليهما، لكن» كريس» تخوف من هذه الزيارة خشية رفض والديها عندما يعرفان أنه من أصل افريقي، إلا أن «روز» ستؤكد له أن والديها منفتحين ومتحررين وسيسعدان بوجوده في حياة ابنتهم، لذلك سيسافران إلى المناطق الريفية، حيث تعيش أسرتها ليلتقي بهم. سيرحب والداها بـ»كريس» ويقنعانه بأنهما لا يكرهان أصحاب البشرة السمراء، بل يحترمانهم، وهذا ما جعلهم ينتخبون الرئيس «أوباما» مرتين وهم على استعداد لانتخابه للمرة الثالثة. لكن «كريس» لاحظ أمورا عديدة أثارت مخاوفه، شعر بالغرابة، خاصة عندما قابل الخادمين عند عائلة «روز» اللذين كانا من ذوي البشرة السمراء من خلال أسلوبهم المصطنع في الرقي بشكل مبالغ فيه، كأنما هنالك أزرار تتحكم في طبيعتهما ليتصرفا بهذا الشكل، ما دعاه إلى الشك والقلق. فلجأ كريس إلى صديق له يحقق في الموضوع، ليخبره عن اختفاء مجموعة من الأشخاص ذوي البشرة السمراء في ظروف غامضة حول هذه المنطقة فتتعقد الأمور أكثر.
 
 
وفي أحد الأيام نظمت عائلة «روز» احتفالا، فتفاجأ «كريس» بالاهتمام المبالغ الذي حظي به من طرف الحضور، ذوي البشرة البيضاء، كأنهم وجدوا فريسة، وقتها شعر «كريس» بالهلع، وفي لحظة تصويره أحد الضيوف أسمر البشرة التقى ضوء الفلاش مع نظره، فبدأ يصرخ ويطارد كريس، أسرع والد «روز» للاعتذار وتهدئة الوضع. سيكتشف بعدها «كريس» أمورا لم يستطع تصديقها، عندما أرسل صورة الضيف لصديقه، الذي أخبره بأن هذا هو الشخص الذي اختفى قرابة الشهر، وعلم بأنه سقط ضحية هذه العائلة البيضاء التي تستعمل ابنتهم «روز « كطعم لاصطياد ضحايا من البشرة السمراء، ونزع أدمغتهم وزرع أخرى لأقربائهم، كانوا على وشك الموت ليتحكم في هؤلاء الضحايا واستغلالهم وجعلهم خدما لهم.
مرت هذه الأحداث في جو مرعب ومقلق بالنسبة «لكريس» الذي حاول جاهدا الهرب من هذه الأسرة الخطيرة. فمن خلال هذه المشاهد صور مخرج الفيلم جانبا من الواقع الأمريكي، وقام بتعريته وكشف خبايا أمريكا التي تدعي معاداة العنصرية في شعارتها، لكن حقيقة الأمر أن الممارسات العنصرية متجذرة في اللاوعي الجمعي للمجتمع الأمريكي. فأصحاب البشرة السمراء كانوا وما زالوا عرضة للتمييز بسبب لونهم، وهذا الفيلم أبرز واقع العنصرية بطابع إبداعي، ينتمي للرعب في استناده إلى الفكر التخيلي، ورسمه مشاهد تعبر عن واقع مأساوي يعيشه ذوو البشرة السمراء، إثر تعرضهم للتمييز العنصري المتجسد في تشجيع الاستغلال البشري. الذي تم تكريسه إعلاميا بترويج صورة نمطية وسلبية تعتبر ذوي البشرة السمراء خطرا لتبرير تمييزهم.
وما دامت أمريكا “دولة لقيطة” كما يدعوها البعض، إثر تشكلها على أنقاض الحركات الإمبريالية، كانت العنصرية في خضمها تتفرع إلى عدة علل وأسباب، وأهمها ما له طابع اقتصادي، فمن يحركون الاقتصاد العالمي من ذوي البشرة البيضاء، وتتحدد أصولهم في أغلب الأحيان أوروبا روسيا آسيا.. أما ذوو البشرة السمراء فهم الطبقة المسحوقة ماديا والمنبوذة اجتماعيا، وأصولهم من افريقيا أو القارة السمراء. هذه العلاقة الطبقية ليست وليدة لحظة معينة وإنما نتيجة تراكمات أيديولوجية وصيرورة تاريخية، خلفت وراءها العديد من الممارسات العنصرية في التعامل مع ذوي البشرة السمراء، جعلت العنصريين يأخذون مشروعية فعلهم، من تحكمهم في كل المؤشرات الاقتصادية، ومن يحرك الاقتصاد سيحرك السياسة والسلوك والمجتمع والعالم بأسره. إذن «كريس» لم يخشَ رفض أسرة حبيبته عبثا، فهو على دراية بالصورة النمطية المكرسة في المجتمع الأمريكي، التي تقوم على نبذ من يشبهونه في اللون، وما اكتشفه في الأخير هو تلك الحقيقة الخفية أمام من يدعون نصرة أصحاب البشرة السمراء، لكن نيتهم لا تتعدى اعتبارهم ملاذا للاستغلال والتمييز.
إن كل ما صوره هذا الفيلم يحاكي الواقع والمعاناة التي يعيشها ذوو البشرة السمراء، تجسدت في الرفض والقهر والإقصاء من طرف المجتمع الأمريكي، لتؤجج هذه الآفة الإنسانية مشاعر الغضب لدى هذه الفئة، ودفعها للاحتجاج في الآونة الأخيرة على الأوضاع التمييزية التي تعيشها.
 
٭ كاتبة مغربية
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات