Friday 20th of September 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    20-Aug-2019

ويسألونك عن البحث العلمي في بداية عهد الإمارة الأردنية*عادل عواد الزيادات

 الدستور-الدكتور جميل فائق التوتونجي يشاطر المجتمع العلمي الدولي إنجازاته العلمية (2-2)

لم يقتصر عمل الدكتور التوتونجي على الأبحاث العلمية التي قام بنشرها في المجلات المتخصصة المحكّمة، بل ساهم في الرد على الدعاية الصهيونية وطالب بمنع الهجرة الصهيونية إلى فلسطين منعاً باتاً، والإعتراف باستقلال فلسطين وإقامة حكومة وطنية دستورية فيها تضمن حقوق جميع المواطنين.
قام الدكتور التوتونجي كذلك بالرد حول ما نشرته بعض الصحف اليهودية من مغالطات عن الوضع الصحي في شرق الأردن، فقد أصدرت الجمعية الطبية الأردنية التي يرأسها الدكتور التوتونجي تقريراً إلى لجنة التحقيق الإنجليزية - الأمريكية التي شكلت آنذاك وكان التقرير حول ما نشرته بعض الصحف اليهودية عن الوضع الصحي في شرق الأردن، فقد رحب الدكتور التوتونجي بقدوم هذه اللجنة للتحقيق بالوضع السائد والرد على الإدعاءات الصهيونية كالتالي: 
1- إن عدد السكان في شرق الأردن لم يطرأ عليه زيادة منذ 25 عاماً
2- إن عدد الأطباء في شرق الأردن 8 فقط
3- إن شرق الأردن خالي من المستشفيات
4- إن الصحة العامة في شرق الأردن سيئة والأمراض السارية منتشرة في البلاد.
فكان رد الجمعية مدعماً بالإحصاءات الرسمية الصادرة عن دائرة الصحة، فقد ذكر تقرير الجمعية أن الزيادة الطبيعية بين سكان شرق الأردن ( أي الفرق بين المواليد والوفيات)،  هي مائة ألف نسمة منذ عام 1926 وحتى عام 1946 أي الزيادة هي 33% بالنسبة لعدد سكان البلاد المقدر بثلاثمائة ألف عام 1926. وأثبت التقرير كذلك إنخفاض معدل الوفيات العام ووفيات الأطفال وبإزدياد معدل المواليد. 
أما بخصوص عدد الأطباء في شرق الأردن فقد ذكر التقرير بأن عدد المرخص لهم والذين يتعاطون الطبابة في شرق الأردن خمسون طبيباً عربياً، تستخدم الحكومة منهم خمسة عشر طبيباً في عياداتها ومستوصفاتها الطبية، وهناك ثلاثة عشر صيدلانياً يزاولون مهنتهم بكل أمانة وإخلاص في مختلف بلاد الإمارة عدا ما يستخدمه الجيش العربي الأردني وقوة حدود شرق الأردن وشركة بترول العراق من الأطباء والصيادلة المرخصين وأكثرهم من العرب، هذا بالإضافة إلى أن هناك أربعين شاباً من أبناء الأردن يدرسون الطب وطب الأسنان والصيدلة في البلاد العربية والغربية وأن هذا العدد بإزدياد مستمر سنة بعد أخرى.  
أما إدعاء اليهود الثالث حول خلو شرق الأردن من المستشفيات فقد ذكر التقرير أن لدائرة الصحة وحدها بالعاصمة أربعة مستشفيات هي :-
1- مستشفى الأمراض السارية
2- المستشفى الجراحي العمومي
3- المستشفى العيني
4- مستشفى السجن المركزي
  وعلاوة على ما تقدم فإن في عمان مستشفى إيطاليا مجهزاً بأحدث الالات والأدوات والأشعة المجهولة (أشعة إكس) ...الخ، وهذا المستشفى يدار الآن من قبل دائرة الصحة بإشراف حارس أملاك العدو نظراً لظروف الحرب وللطليان مستشفى آخر ولكن أصغر في الكرك حيث يقوم مع مستشفيات الصحة وعياداتها بتأمين حاجات الأهل الصحية في القطاعات الجنوبية من البلاد. هذا بالإضافة إلى مستشفى الإرسالية  الإنجليزية في السلط والمستشفى الإنجليزي في عجلون والمستشفى الوطني للدكتور قاسم ملحس ومستشفى الدكتور بطرس أبو سابا (زيادات 1990- ص150).
أما رد التوتونجي رئيس الجمعية الطبية الأردنية على ما جاء في التقرير عن رداءة الحالة الصحية في شرق الأردن فكان كما يلي:-
«إن نظرة فاحصة إلى الإحصاءات الرسمية والتقارير الأسبوعية والشهرية ومقارنة بسيطة بين درجة إنتشار الأمراض السارية في شرق الأردن وفلسطين تظهر لحضراتكم النعم الصحية التي يتمتع بها الأهالي في شرق الأردن وتمتاز بها عن غيرها من البلاد مع ملاحظة الفرق العظيم بين ميزانيتي الصحة في شرق الأردن وفلسطين «. 
وأضاف التقرير « إن الطاعون مفقود في شرق الأردن .. وإصابات التيفوس والحمى الراجعة والتيفوئيد والملاريا هي قليلة نسبياً، برغم حصول إصابات عديدة بذات الرئة فالوفيات عندنا قليلة جداً في شرق الأردن ، بينما في تل أبيب نفسها وخيمة جداً والوفيات عندهم 90% من الإصابات رغم مهارة اليهود ووسائطهم  الحديثة وآلاتهم العديدة». ولم يقتصر رد الجمعية على الجانب الطبي من الموضوع فحسب، بل طالب بمنع الهجرة الصهيونية إلى فلسطين منعاً باتاً والإعتراف بإستقلال فلسطين وإقامة حكومة وطنية دستورية فيها يضمن دستورها حقوق السكان وحماية الأماكن المقدسة.
لم يكتفي الدكتور التوتونجي بنشر أبحاثة الطبية الأصيلة في أهم مجلة طبية تصدر آنذاك وهي اللانست البريطانية، بل إستمر في عطائه العلمي في تثقيف وتوعية المواطنين من خطورة الأمراض السارية آنذاك على مستوى المنطقة خاصة فلسطين.
فقد قام بنشر مقالات طبية مختلفة تثقيفية وتوعوية حول مختلف الأمراض التي كانت سائدة في شرق الأردن آنذاك، فقد نشر عن «مرض التيفوس» على ثلاث حلقات نشرت تباعاً في جريدة الأردن عام 1946 .
كذلك نشر مقالاً آخر عن ال دي دي تي (D.D.T) في جريدة الأردن على 9 حلقات عامي (1945-1946). جاء فيه إن هذه المادة لها تأثير عجيب فهي سامة للحشرات وهو يجمع بين هذه السمية العامة والسمية الخفيفة ضد الحيوانات ذوات الثدي والإنسان.
كما نشر مقالاً مطولاً في جريدة الجزيرة الأردنية في الأعداد (1060-1067) لعام 1945عن ا»لحرية الخامسة والتحرر من الأمراض» بين فيها من بين أمور أخرى أثر الأشعة فوق البنفسجية في قتل الجراثيم وتعقيم الهواء.
كما نشر مقالاً آخر عن «الطاقة الذرية والمقسوم الطبي» أوضح فيه عن كيفية علاج الإنسان بتكنولوجيا الذرة مثل السرطان.
كذلك قام الدكتور جميل فائق التوتونجي بنشر العديد من الأبحاث التوعوية في المجلة الطبية العربية الفلسطينية الصادرة عن الجمعية الطبية الفلسطينية، فقد بعث بمقالة إلى محرر المجلة المذكورة عن مادة البالودرين ( Paludrine ) وهذه المادة هي دواء إنجليزي حديث ضد مرض الملاريا المنتشر في المنطقة وهو إسم تجاري مسجل لشركة (Imperial Chemical Limited) في بريطانيا ولبلاد عديدة أخرى ورقمه (4888) بين المركبات الكيماوية المختلفة التي جربت في مختبرات الشركة المذكورة بتاريخ 28/2/1946م. 
وجه الدكتور محمود طاهر الدجاني أمين السر العام للجمعية الطبية العربية الفلسطينية، رسالة إلى الدكتور التوتونجي يشكره فيها عما نشره عن البالودرين في المجلة الطبية الفلسطينية في العدد الثالث من أجل النهوض بالمستوى الطبي في المنطقة بتاريخ 12/3/1946م الصادرة من القدس.
وبحث آخر عن «الشرايين والروتين (rutin)» نشر في المجلة الطبية الفلسطينية في 14/6/1947 الصادرة من القدس.
كما بعث كذلك للمجلة الطبية الفلسطينية نفسها مقالاً عن «ضعف الأعصاب الدوراني».
قام الدكتور التوتونجي ببعث رسالة إلى الدكتور محمود الدجاني بتاريخ 25/4/1946، مرفقاً في هذه الرسالة مقالة بعنوان «معالجة إرتفاع الضغط الدموي». حيث يطلب منه في رسالته أن يقوم بنشر هذه المقالة في المجلة الطبية الفلسطينية، والمقالة تعالج موضوع الإرتفاع في الضغط الدموي وتشمل تشخيص الأسباب وتشخيص التبدلات المرضية وتشخيص أضرار وظائف الأعضاء وأنواع المعالجة حيث تشمل المعالجة بالسوليفوسيانات البوتاس والمعالجة الجراحية والمعالجة السامة وتقسيمات إرتفاع الضغط الدموي إلى درجات مختلفة.
كذلك قام الدكتور التوتونجي ببعث مقالة إلى الدكتور الدجاني، يقدم فيها تقريراً باللغة الإنجليزية عن معالجة حاملي جراثيم الخناق بالبنسلين بتاريخ 29/12/1946 من أجل نشره في المجلة الفلسطينية، وقد رد عليه الدجاني بقبول المقالة ونشرها في القسم الإنجليزي وطلب منه تحضير مقالة طبية باللغة العربية.
ولا بد لي هنا من التأكيد على نظرة التوتونجي المستقبلية في إنشاء حواضن طبية في المنطقة للنهوض بمستوى مهنة الطب،  فقد ذكر في كلمته عند إفتتاح المركز الطبي الرئيسي الثاني في مكافحة السل في القدس بعد إنشاء مركز السل الأول في عمان، طالب فيه أن يكون هذا المركز نواة لجامعة طبية في المستقبل، وبهذا يكون التوتونجي أول من نادى بإنشاء جامعة طبية قبل تأسيس أول جامعة في الأردن عام 1962 والتي كانت تدرس كل العلوم وليست متخصصة فقط في تدريس العلوم الطبية بفترة ليست بالقصيرة.
وهنا لا بد من التنوية بالجهود المثمرة التي قام بها الدكتور واصف رضا كنعان في مجال الأبحاث الطبية، والتي ليست في صلب بحثنا بل ربما من المفيد الإشارة إلى إصداره المجلة الطبية الأردنية الوحيدة والأولى من نوعها آنذاك في الأردن، حيث نشرت جريدة فلسطين ما جاء في العدد الأول من المجلة من مواضيع مثل ضغط الدم وأسباب إرتفاعه وطرق معالجته قديماً وحديثاً، ثم تطرق إلى العلاج الجديد لهذا المرض وهو خلاصة اليابسة من ورق الزيتون بأن هذا العلاج لا يكلف المريض شيئاً وأن هذا الدواء قد جربه الدكتور كنعان مدة سنة كاملة على مرضاه المصابين بهذا المرض وعن طريقة أخذ هذا الدواء فيكون بشكل مغلي أو منقوع أو تخمير أوراق الزيتون كما جاء في صحيفة فلسطين بتاريخ 18/7/1952). 
الخلاصة
توصلنا في هذا البحث إلى نتيجة هامة وهي دحض مقولة أن الإمارة الأردنية كانت أرضاً قاحلة من الإنتاج العلمي الطبي، وإنما كان هناك أطباء مؤسسون نذروا أنفسهم ليس فقط لأغراض توعية المواطن وتثقيفه لتنجب الوقوع فريسة سهلة للأمراض والأوبئة المنتشرة آنذاك في المنطقة، بل إنغمس بعضهم في البحث الطبي الجاد لمعالجة مرضاهم، ومن ثم نشر نتائج أبحاثهم في أهم مجلة طبية غربية آنذاك وهي مجلة اللانست البريطانية. ولم يكتفي الدكتور التوتونجي بما قام به من أبحاث أصيلة شاركت في تراكمية العلم للمجتمع العلمي الدولي بل قام مع غيره من الأطباء بنشر المقالات الطبية التوعوية في وسائل الإعلام المتاحة آنذاك وهي الصحف اليومية أو الأسبوعية التي كانت منتشرة في شرق الأردن وفلسطين مثل صحيفة فلسطين وصحيفة الجزيرة وصحيفة الأردن وصحيفة الدفاع.
 وخلال تتبعنا لنشاطات وأعمال الدكتور التوتونجي الكثيرة خاصة عند توليه إدارة الصحة لأكثر من عقد من الزمن، يتبين لنا فيها مدى وعيه وبعد نظره في حسن إدارته الصحية والإبقاء على الجمعية الطبية الأردنية والتي لولا تدخله لأصبحت في عالم النسيان في عام 1944. 
وهنا لا بد ان نشيد بفكر التوتونجي الخلاق والرائد في التفكير بتأسيس أول جامعة طبية متخصصة تدرس العلوم الطبية المختلفة بقصد رفع سوية الطواقم الطبية المختلفة.
 وأخيراً أود أن أبين بأنه لغزارة الإنتاج العلمي للدكتور التوتونجي قد قمت بشرح ما وجدته من أبحاثه مناسباً لهذا المقال لجريدة الرأي الغراء، أما باقي أعمال ونشاطات الدكتور فسيكون لها دراسة خاصة ستصدر في كتاب لي يحمل العنوان نفسه عن حياة وأعمال الدكتور التوتونجي قريباً جداً.
وأنا أتساءل اليوم وكأكاديمي وأدعي ضلوعي في البحث والنشر العلمي لمدة تنوف على 30 عاماً ، كم من أساذتنا الأفاضل في مختلف الجامعات الأردنية ينشرون في مجلات متخصصة غربية من طراز مجلة اللانست، هذا لا يعني أنني أنكر الجهود العلمية المميزة التي يقوم بها بعض الأساتذة في النشر العلمي المميز.
كذلك أود أن أشير إلى أن معظم الأبحاث المنشورة  في مجلات ذات تصنيف هابط هي في الأساس معدة لأغراض الترقية الأكاديمية أولاً وليس لزيادة المخزون المعرفي للمجتمع العلمي الدولي. 
وفي هذا الخصوص لا يسعني إلا أن أشكر الدكتور كامل العجلوني مدير مركز السكري والغدد الصماء على جهوده المضنية في توثيق وكتابة تاريخ الخدمات الصحية في الأردن، خاصة ما يود نشره في القريب العاجل. 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات