Thursday 22nd of April 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    02-Mar-2021

بورتريه... فراشة بروين حبيب

 الدستور-د. راشد عيسى

 
بروين حبيب شخصية استثنائية في الحياة الإعلامية العربية، فهي في حسباني سيدة المايكريفون إذاعيًّا وشاعرة الكاميرا تلفزيونيًا عبر برامجها الحوارية التي تعدّ إضافة نوعية جادة في مسيرة التلقي الإعلامي النخبوي والشعبي. وهي حارسة المغزى في العبارة الأدبية عبر نصوصها الشاعرية المكنونة بالمجاز الجليل والتخييل الشجاع والقيم الفكرية الكونية المنحازة لحضارة الجمال والحرية. وهي على الصعيد الإنساني فائضة بالروحانية والمرحمة وشفافية الرؤيا وعبقرية التفاؤل الذي يُحيل الإيلام آمالًا والدمعة حديقة بابلية.
في جميع مراياها الشخصية والوظيفية نراها سرْبَ نحل تُنادي عليه أزهار الشعر وشجيرات الخزامى وحفيف الزنابق البرية. تصنع عسل التّواد والمرحمة وتهديه للمحتاجين دون أن تنتظر شكرانا أو ثوابًا أو إيماءة مجاملة. متوحّدة بكينونتها العالية المستقلة وبشجن سراني سعيد لا يكاد يلمحه إلا أولو النهى وذوو القلوب السماوية. أما سيرتها الذاتية فهي غنية فائضة بالتميز على جميع أصعدة الإنتاج الأدبي والإعلامي والثقافي والعضويات والمهرجانات والتكريمات. «الفراشة» أحد إصدارات بروين المهمة، منظومة من قصائد النثر والوميض الفني المتوهج الذي يشبه الشرر المتطاير من الأمطار الناعمة الخجولة.
«أ أنا الفراشة،
أم الشمس في مصباح؟»، ص20
لعل متعة التأويل تأخذنا إلى القول إن السطرين السابقين يمثّلان سؤالًا وجوديًا جريحًا يتحدى الإجابات الجاهزة، ويأخذ طيور التخمين إلى أقاصي فضاءاتها. فالفراشة تحب ضوء المصباح وتظن أنه يسعدها فتقترب منه، لكنه يحرقها فتموت ملفّعة بالضوء وليس بالتراب ككل البشر، فموتها يربح الكبرياء والفرادة حياةً وموتًا. أما الجزء الثاني من السؤال « أنا الشمس في مصباح» فهو سرّة الدلالة المراوغة ومكمن الإدهاش لأنه يتضمن احتجاجًا ظاهريًا على كينونة الفراشة الرقيقة التي يغتالها الضوء.لكنها تهزمه لأنها مبدعته.
كأن الفراشة الحقيقية والفراشة الرمز تتحدان لتعلنا أن الفراشة هي الضوء نفسه، فهي تحترق بضوئها الذي لا يطاوله ضوء فهو الشمس اختزلت نفسها في فتيلة المصباح. إذن المصباح لم يحرق الفراشة بل إن شمسها الممنوحة للمصباح هي التي كانت السبب. فالفراشة تتعالى عن أي ضعف ظاهري وتتسامى إلى جوهرها النورانيّ الأكبر.
فهي فراشة التنوير ومصدره وما اقترابها من المصباح سوى نوع من الشفقة أو قل هو نوع من رأفة الجبل بالحصاة، والبحر بالنهر، والغابة بالعشبة. يؤكد ذلك ما رسمته بروين لاسمها من تعالق شعري بمعاني حروفه:
[لي من شذا اللغة العربية عندما يهوي المساء على فؤادي باءٌ بكت راءً، وواءٌ أورقت على الألواح، والشمس خمرة فكرةٍ في كأس نونْ] تلك لعمري كلمات ذهبية أملاها الوجدان الصوفي في أرقى تجلياته العرفانية من خلال الاقتصاد اللغوي الباذخ، والكثافة التأويلية التي تنسجها المخيلة المتمتعة بالوجع الكوني لا شماتة به بل لتنقذه من تورطه بتصديق أكاذيب الدنيا وأخاديعها.إنها فراشة الجبرياء الشاهقة التي توزع المياه بين البحار والألوان على الورود وتجبر خاطر الناي المكسور.. فهي مَن علّم الطيور فنّ الطيران والاغصان فن الرفيف ومن درّب كيمياء الطمأنينة على القلق الخلّاق.