Saturday 25th of November 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    09-Nov-2017

قطع الرؤوس .... إيتالو كالفينو * ترجمة عبير الفقي
1
لابد أنني كنت قد وصلت إلى العاصمة قبل يوم من المهرجان. فقد كانوا يبنون منصات في الساحات ، ويعلقون الأعلام ، والشرائط ، وسعف النخيل. وكان ثمة طرق في كل مكان.
"هل هذا هو المهرجان الوطني ؟ " سألت الرجل وراء البار في الحانة.
أشار إلى صف من الصور وراءه. "رؤساء دولنا ، قال. "إنه مهرجان رؤساء الدول ، القادة ".
اعتقدت أنه تقديم لحكومة جديدة منتخبة ؟ حكومة جديدة ' سألت.
وسط ضجيج المطارق ، ومكبرات الصوت التي يجري اختبارها ، وصرير رافعات المنصات ، اضطررت إلى الحديث باختصار حتى أفهم، كنت اصرخ تقريبا. 
هز الرجل الذي وراء البار رأسه: لم تكن جديدة ، كانوا هنا منذ بعض الوقت.
سألت : " أهي الذكرى السنوية لمجيئهم إلى السلطة؟ "
"شيء من هذا القبيل ،" أوضح الزبون الذي يجلس بجانبي. " يأتي المهرجان بشكل دوري و هذا دورهم." 
"دورهم لأي شيء ؟ "
" للذهاب على المنصة. "
" أية منصة؟ لقد رأيت الكثير من المنصات ، هناك واحد في كل زاوية شارع. "
"كل لديه منصته الخاصة به. لدينا الكثير من القادة ".
'وماذا يفعلون ؟ يتحدثون ؟'
" لا، يتحدثون ، لا."
"يذهبون فوق المنصة ، ثم ماذا بعد ذلك ؟"
"ماذا تعتقد أنهم يفعلون؟ ينتظرون قليلا ، حتى يجري الانتهاء من إعداد الأشياء ، ثم تنتهي المراسم في بضع دقائق.
'وأنتم ؟'
"نحن نشاهد ".
كان هناك الكثير من الحركة في الحانة. النجارين والعمال يفرغون الأشياء من الشاحنات لتزيين المنصات – فؤوس ، وكتل أحجار ، و سلال - توقفوا كلهم ليحصلوا على ا اقداح لبيرة. كلما سألت أحدهم سؤالا كان دائما ما يجيب شخص آخر.
" إنه نوع من إعادة الانتخاب إذا؟ تأكيدا على وظائفهم ، يمكنك قول ذلك، تفويضهم ؟ "
"لا، لا،" صححوا لي ، "أنت لا تفهم ؟ إنها النهاية. وقتهم انتهى ".
'و حينئذ ؟'
" يتوقفون عن كونهم رؤساء، يعيشون هناك : ثم يسقطون ".
"لماذا إذا يذهبون فوق المنصات ؟"
" على المنصات يمكنك أن ترى أفضل كيف يسقط الرأس ، و كيف يقفز، والقطع النظيف ، ثم كيف ينتهي في سلة. "
كنت قد بدأت أفهم، ، ولكن لم أكن متأكدا تماما. رؤوس الرؤساء، تقصد؟ القادة؟ في سلال؟ "
أومأَوا . 'صحيح. قطع الرأس. هذا هو. قطع رؤوس الرؤساء "
كنت قد وصلت للتو، ولم أكن أعرف أي شيء عن ذلك الأمر، و لم أكن قد قرأت أي شيء في الصحف.
"هكذا ، غدا، فجأة؟"
"عندما يأتي اليوم فهو يأتي ،" قالوا. "هذه المرة يقع في منتصف الأسبوع. لذا هناك عطلة. كل شيء مغلق. "
أضاف رجل عجوز، بطريقة الوعاظ : "عندما تكون الفاكهة ناضجة تقوم بحصدها ، والرأس تقطعها. أنت لن تترك ثمرة تتعفن فوق الغصن ، أليس كذلك؟
كان النجارون يقومون بأعمالهم : فوق بعض المنصات التي كانوا يبنون عليها لسقالات ليضعوا المقاصل الكئيبة؛ وعلى الأخريات كانوا يضعون كتل حجرية للاستخدام مع الفؤوس وبجانبها وسائد مريحة (كان أحد المساعدين يختبر التجهيزات عن طريق وضع رأسه على كتلة للتأكد من أن الارتفاع مضبوطا). في أماكن أخرى كان الناس يضعون أشياء تبدو كطاولات الجزارين ، بها قنوات للدم. ليجري فيها، و قماش مشمع يمتد على لوحات المنصة ، وكان ثمة اسفنجات موجودة بالفعل لتنظيف أي بقع. كان الجميع يعمل بحماس. كان يمكنك سماع الضحكات والصفير .
" إذا أنت سعيد؟ هل كرهتهم هل كانوا قادة سيئين ؟ "
"لا، ما الذي أعطاك هذه الفكرة؟" ثم تبادلوا نظرات الدهشة . 'كانوا جيدين. أو بالأحرى ، ليسوا أفضل ولا أسوأ من أي شخص آخر. حسنا، أنت تعرف مان هم : رؤساء الدول ، القادة ، القادة العسكريون. . . ليحصلوا على واحدة من تلك الوظائف. . . ".
"ومع ذلك، قال واحد منهم ،" لقد أحببت هذا الامر كثيرا"
'أنا أيضًا. وأنا "، وافق آخرون. "لم يكن لدي أي شيء ضدهم أبدا ".
" إذا ألست حزينا أنهم يقتلونهم ؟" قلت.
'ما الذي تستطيع القيام به؟ إذا وافق شخص ما على أن يكون زعيما فهو يعرف كيف سينتهي به الامر. انه بالكاد يتوقع أن يموت في سريره!
ضحك الآخرون. " سيكون هذا شيئا جيدا! أن يحكم الشخص ، ويأمر، ثم ، وكأن شيئا لم يحدث ، يتوقف ليعود إلى البيت. "
قال شخص ما: "ا لجميع يريد أن يكون قائد ا، حتى أنا ، سأرغب في ذلك ، ومع ذلك ها أنا ذا هنا! 
"أنا أيضا، وأنا أيضا،" قال الكثير منهم وهم يضحكون.
"حسنا أنا لا أريد، قال رجل واحد يرتدي النظارات. " ليس بهذه الشروط. ما الهدف؟'
'صحيح. لن يكون هناك أي فائدة في أن تكون رئيسا بهذه الشروط، وافق العديد منهم على ذلك.
"إنه شيء أن تقوم بوظيفة مثل هذه عندما تعرف ما تتوقع ، وشيء أخر ... ولكن كيف يمكنك أن تفعلها خلاف ذلك؟ "
قال الرجل الذي يرتدي النظارات ، و الذي لابد أن يكون من أفضل المتعلمين موضحا : " إن السلطة على الآخرين لا تتجزأ عن حق هؤلاء الآخرين في أن يجعلوك تصعد فوق السقالة ويرسلونك إلى هناك يوما ما في المستقبل غير البعيد جدا. . . ما هي السلطة التي يملكها القائد بدون هالة هذا المصير تحيط به، إذا لم نتمكن من أن نقرأ في عينيه،إحساسه بنهايته في كل ثانية من ولايته ؟ إن المؤسسات المدنية تعتمد على هذا الجانب المزدوج من السلطة؛ لم تستخدم أي حضارة أي نظام أخر" 
" ومع ذلك؛ قمت بالاعتراض " يمكنني اقتباس بعض الحالات لك....
 
 
" أعني: حضارة حقيقية"، أصر الرجل الذي يرتدي النظارات ، "أنا لا أتحدث عن فترات الحكم البربرية، مهما طال أمدها في تاريخ الشعوب".
كان العجوز الواعظ ، الذي سبق أن  تحدث عن الفاكهة فوق الاغصان ، يغمغم بشيء لنفسه. ثم هتف : " تبقى الرأس طويلا كما لو كانت ملتصقة بالعنق ".
'ماذا تعني؟' سأل الآخرون. "هل تقصد أنه على سبيل المثال إذا تجاوز زعيم شروطه ، و فقط  لنقل جدلا ، لم تقطع رأسه ، أسوف يبقى في الحكم، طوال حياته؟ 
"هذه هي الطريقة التي اعتادت أن تكون عليها الأشياء " وافق الرجل العجوز " كان ذلك في تلك الأوقات قبل أن يكون واضحا لمن أختار أن يكون قائدا أنه أختار أن تقطع رأسه في المستقبل القريب. هؤلاء الذين امتلكوا السلطة تمسكوا بذلك. . "
كان يمكنني أن اقاطع الحديث عند تلك النقطة ، مستشهدا ببعض الأمثلة ، ولكن لا أحد كان سيستمع إلي.
' حسنا ؟ ماذا فعل الناس ؟ " سألوا العجوز.
"كان عليهم أن يقطعوا رؤوسهم عن كثب ، بقوة غاشمة ، ضد رغباتهم! ليس في هذه الأيام المعنية ، ولكن فقط عندما كانوا لا يمكنهم  التحمل أكثر من ذلك. هذا ما كان يحدث قبل تنظيم الأمور و قبل قبول الزعماء. . ".
"أوه، كنا نود فقط لو نراهم يحاولون عدم القبول! " قال الآخرون. "أوه نود أن نرى ذلك !"
"إنها ليست الطريقة التي تعتقدها ،" تدخل الرجل الذي يرتدي النظارات مقاطعا " . ليس صحيحا أن الزعماء يجبرون على قبول الإعدام. اذا قلت ذلك ستفتقد للمعنى الحقيقي لقوانيننا ، العلاقة الحقيقية التي تربط قادتنا ببقية الشعب. 
فقط رؤساء الدول يمكن قطع رؤسهم ، وبالتالي لا يمكنك أن ترغب في أن تكون رئيسا دون أن ترغب أيضا في قطع الرأس. 
أولئك الذين يشعرون أن لديهم ماتطلبه هذه المهنة يمكن أن يصبحوا رؤساء دول ، فقط أولئك الذين يشعرون بالفعل أن رؤسهم قطعت لحظة اتخاذهم منصبا له سلطة ".
شيئا فشيئا قل عدد الزبائن في البار، كان الجميع يعود إلى عمله. أدركت أن الرجل ذو النظارات كان يتحدث معي حصريا.
" تلك هي السلطة،" واستمر ، "هذا الانتظار من أجل النهاية. كل السلطة التي يمتلكها واحد ليست اكثر من إشعار مسبق لهسيس النصل في الهواء ، وهو ينزل قاطعا ماهو أسفل إلى قطع نظيفة، كل التصفيق الذي تحصل عليه ليس أكثر من بداية لهذا التصفيق الأخير الذي يرحب برأسك بينما يدور أسفل سطح المشمع فوق المنصة الخشبية "
ثم خلع نظاراته لتنظيفها بمنديله، فأدركت أن عينيه كانتا مليئتان بالدموع. ثم دفع ثمن البيرة ورحل.
مال الرجل خلف البار على أذني. وقال " هو واحد منهم" ، ' أترى؟' ثم سحب كومة من صور الملصقات من تحت البار. "غدا يجب أن أخذ تلك الصور ثم الصق هذه ". أظهرت الصورة الأولى الرجل ذو النظارات ، كانت صورة  مكبرة قبيحة من جواز سفر .
"لقد تم انتخابه بدلا من هؤلاء الذين في طريقهم للخروج. غدا سوف يخلفهم. لقد حان دوره ، الآن. إذا سألتني سأقول لك انه ليس من الصحيح أن أخبره في اليوم السابق. هل سمعت الطريقة التي كان يتحدث عنها ؟ غدا سوف يراقب عمليات الإعدام كما لو أنها بالفعل عملية إعدامه. إنهم جميعا هكذا في الأيام الأولى. يشعرون بالضيق، يتحمسون، ، يعظمون الامر . إنها 'مهنة ': يالها من كلمات رنانة تجيء معها!
'وبعد ذلك؟'
" سوف يعتاد عليها، مثل أي شخص آخر. إن لديهم الكثير للقيام به، هم لا يفكرون في هذا بعد الآن، حتى يأتي يومهم . و حينها: من يستطيع أن يرى مافي ذهن القاده.
أنهم يعطون الانطباع بأنهم لا يفكرون في الأمر. 
هل ترغب في بيرة أخرى؟
 
2
لقد غير التلفزيون الكثير من الأشياء. بمجرد أن تكون السلطة متحكم بها ، تلهث الشخصيات البعيدة على منصة ، أو  تظهر في صور تفتعل  تعابير الافتخار المعتادة ، ثم تكون رموز السلطة مرتبطة  بالكاد بأي فرد من  لحم والدم .  الآن ، مع التلفزيون ، فأن  الوجود المادي للسياسيين شيء فوري ومألوف بالنسبة لنا.  وجوههم ، تنفجر على الشاشة ،و تزور منازل المواطنين الخاصة كل يوم ،  وهم يغرقون بهدوء في مقاعدهم في أوقات الفراغ ، يمكن للجميع ان يتفحص أدنى حركة  للأشخاص المعنيين ، كارتعاش جفونهم المنزعجة تحت الاضواء ،  وترطيب الشفاه بعصبية  بين كلمة وأخرى. . . في مواجهات الموت على وجه الخصوص ،  هذا الوجه ، المعروف جيدا من اللقطات المقربة في المناسبات  أو الخطب  الرسمية والاحتفالية ، يخون نفسه تماما :  في تلك اللحظة أكثر من أي لحظة أخرى يشعر فيها  المواطن البسيط  أن زعيمه  ملكا له ،  أنه شيء من شأنه أن ينتمي دائما له. و لكن حتى قبل ذلك ، في كل الأشهر السابقة ، في كل مرة كان يرى فيها  المواطن  الزعيم يظهر على الشاشة الصغيرة ،  وهو يتفاخر  بالحديث عن واجباته -  وافتتاحه لمشروع  بناء ما على سبيل المثال أو تعليق ميداليات على صدورهم الثمينة ، أو  حتى  حين  ينزل سلالم  الطائرات ملوحا  بيد مفتوحة -  فقد كان يبحث بالفعل في ذلك الوجه عما اذا كان به تشنجات مؤلمة ، في محاولة منه  لتصور التشنجات التي تسبق  نوبة الموت ، يخمن من  إلقاء خطبه و أنخابه  كيف  سيبدو صوته ممتزجا بحشرجة الموت . هكذا يرتقي الرجل العام فوق الحشد :  فهو الرجل الذي سوف يكون  موته عاما ، الرجل الذي من المؤكد أننا سوف نكون معا هناك من أجله ، وهذا هو السبب في أنه طالما  يعيش سوف يتمتع باهتمامنا ، الاهتمام الاستباقي. 
لم يعد بإمكاننا أن نتصور ما كان عليه الحال في الماضي ، في  تلك الأوقات التي مات فيها الرجال العموميين  في خصوصية :  أننا نضحك اليوم عندما نسمع أنهم وصفوا بعض إجراءاتهم السابقة بأنها ديمقراطية ؛ بالنسبة لنا لا يمكن أن تبدأ الديمقراطية إلا بعد أن نتأكد من أنه في اليوم الموعود سوف تحيط كاميرات التليفزيون بمراسم موت طبقاتنا الحاكمة حتى آخر رجل ، وبعد ذلك ، كخاتمة لنفس البرنامج (على الرغم من أن العديد سوف يتركون مقاعدهم عند هذه النقطة)،  تنصب الوجوه الجديدة التي ستحكم (وتعيش) لفترة مماثلة.
 أننا نعلم أنه في أوقات أخرى مثلما هو الحال اليوم ، كانت آليات السلطة تقوم على عمليات القتل ، على الذبح سواء البطيء أو المفاجئ ، ولكن جانب من الاستثناءات النادرة ، كان الضحايا  آنذاك  اشخاص مجهولين  ،  مرؤوسين يصعب تحديدهم ؛ و في أغلب الأحيان لم يتم الإبلاغ عن تلك المذابح ، وتم تجاهلها رسميا ، أو إعطاء مبررات خادعة .
الآن فقط  وضع تعريفا لذلك  وهو الاحتلال ،  إن هذا التوحيد لأدوار المعذب والضحية ،  بالتناوب المستمر ،  أتاح لنا إخماد آخر وميض من الكراهية والشفقة في أذهاننا. إن ملايين من المشاهدين يراقبون الصور المقربة  لتثاؤب فم مفتوح ،  وخفقان شريان سباتي أسفل ياقة صلبة ،  ويد مرتفعة تقبض أو تمزق صدرا يتألق بالميداليات ، ملايين من المشاهدين الذين يلاحظون بهدوء حركة الأجساد السماوية في دوراتها المتكررة ، و بمشاهدة كل هذا  ، وجدنا انه كلما كان الامر مطمئنا كلما كان غريبا.
 
 
3
أنت لا تريد أن تقتلنا بالفعل ، أليس كذلك؟
نطق فيرجيليج أوسيبوفيتش هذه الكلمات مع ارتجافة طفيفة في صوته تناقض النبرة البيروقراطية التي غالبا ما كانت  حتى الآن قاسية وجدلية  في نقاشة ، وبالتالي كسر التوتر في اجتماع حركة "فوليا أي رافيو برافيVolja i Raviopravie ". 
كان فيرجيليج أصغر عضوا في اللجنة التنفيذية؛ يمتلك شعراً خفيفاً أسفل شفة بارزة. وخصلات من الشعر الأشقر تتساقط فوق عينيه الرماديتن مستطيلتي الشكل .  لم تكن مفاصل يديه الحمراء التي ظهرت معصميها من القميص ذي الاكمام القصيرة جدا  ترتجف عندما كانوا يجهزون القنبلة أسفل عربة القيصر. لقد أستولى نشطاء القاعدة الشعبية على جميع الأماكن القريبة ، غرفة  التدخين في الطابق السفلي: كان معظمهم يجلسون على مقاعد خشبية وجذوع الاشجار، والبعض الآخر افترش الأرض، ووقف البعض على قدميه مستندا على الجدار، مكتوف الأيدي. 
جلست اللجنة التنفيذية في الوسط ، وثمانية فتيان منكبين على طاولة محملة بالأوراق ، مثل مجموعة من الطلاب الذين يقومون بالمراجعة  النهائية قبل امتحانات الصيف. وبسبب  المقاطعات المتكررة التي كان النشطاء يطلقونها عليهم من جميع أرجاء الغرفة كان الأربعة، يجيبون دون التفات أو رفع رؤوسهم. وفي كل مرة تلوح في الأفق موجة من الاحتجاج أو الاتفاق خلال الاجتماع – حيث  أن الكثيرين كانوا يقفون على اقدامهم ويتقدمون للامام---- بدا الامر كانهم يتحركون من الجدران  إلى الطاولة ،  ليرتفعون فوق ظهور اللجنة التنفيذية.
ليبوريج سيرابيونوفيتش، السكرتير الملتحي، كان قد أعلن بالفعل، وفي مناسبات عدة، مبدأ  ثابت كان يلجأ إليه غالبا لتخفيف الخلافات التي لا يمكن التوفيق فيها : "حيثما يتعاون الرفيق مع الرفيق ، هناك عدو ينضم إلى العدو"، وردا على ذلك،  قال المجلس في صوت واحد: الرأس لا يزال في الرأس بعد النصر ، منتصرا و مكرما اليوم بعد أن تسقط '-  كان هذا طقس تحذيري حيث لم ينس  نشطاء حركة  "فولجا أ رافيوبرافي"  أبدا أن يواجهوا  قادتهم كلما تحدثوا لهم، و أن القادة أنفسهم يرددونه لبعضهم البعض كشكل من أشكال التحية.
كانت الحركة تكافح من أجل أن تنشأ ، على أنقاض الاستبداد ومجلس الدوما،  و مجتمع مساواة يتم فيه تنظيم السلطة من خلال الإعدام الدوري للرؤساء المنتخبين. وكانت الحركة قد سنت قواعد صارمه ، وكلما كان ذلك ضروريا  صّعدت الشرطة الإمبريالية قمعها،  وطالبت بأن يطيع جميع النشطاء قرارات اللجنة التنفيذية دون جدال؛ وفي الوقت نفسه كان كل نص يحدد نظرية الحركة يذّكر القادة بأنهم لا يجوز لهم  ممارسة أي سلطة إلا من خلال  أولئك الذين  تخلوا  بالفعل عن تمتعهم  بامتيازات السلطة والذين من كل النواحي لم يعودوا يعتبرون من بين الاحياء.
لم يفكر قادة  المنظمة الشباب  أبدا في مصير  مستقبل  مثالي  لا يزال  قائما بالنسبة لهم : في الوقت الراهن كان القمع القيصري الذي للأسف  يضمن معدل  تناقص في  أعدادهم  أسرع من أي وقت مضى ؛ كان خطر الاعتقال و الاعدام حقيقيا وفوريا جدا بالنسبة لمستقبل النظرية لتتشكل في مخيلتهم.  لقد كانت السخرية الشبابية،  والسلوك المزر  يؤدي  إلى أن يقمع في أذهانهم ما كان عنصرا مميزا في عقيدتهم.
 لقد عرف نشطاء القاعدة الشعبية كل هذا، وكما كانوا يتقاسمون المخاطر والمصاعب التي يواجهها أعضاء اللجنة ، كانوا  أيضا يفهمون أنفسهم؛ ومع ذلك فقد  بقي في أذهانهم وعيا غامضا بمصيرهم كجلادين ، مصير يجب تحقيقه ليس فقط على حساب الوضع الراهن، بل ايضا على حساب  الحكومة المستقبلية، ولعدم  قدرتهم على التعبير عن أنفسهم بأي طريقة أخرى ،  كانوا سيتخذون موقفا قاسيا ، وهو ما كان يعبر عنه دائما في الاجتماع الرسمية،  بغض النظر ، عن ثقله على قادتهم  كتهديد.
"طالما كان العدو أمامنا هو القيصر ، قال فيرغيليج أوسيبوفيتش:" سيكون  الرجل الذي يسعى إلى  رفقة القيصر أحمقا ". ربما  كان الوقت غير مناسب لهذا القول ،  فقد أستقبل  بالتأكيد بصخب شديد من قبل المجلس. 
شعر  فيرغيليج بيد تجذب يده؛  كانت إفغنيجا إفرايموفنا ، تجلس على الأرض أسفل  قدميه وركبتيها مطويتان أسفل تنورتها ، وشعرها معقود على رقبتها يتدلى على جانبي وجهها مثل لوالب بنية ملفوفة. وجدت إحدى أيدي إيفغنيجا طريقها لأعلى حذاء فيرغليج لتلتقي مع أصابع الشاب التي أغُلقت في هيئة قبضة،  لمست الجزء الخلفي من تلك القبضة، كما لو كانت  تواسيه ، ثم غرزت أظفار حادة  ببطء حتى نزفت منها الدماء ، أدرك فيرغيليج أن ثمة عزم دقيق و عنيد يقود أرضية الاجتماع في  ذلك اليوم، كان  أمرا متعلق بهم ، القادة، شخصيا، والذي سيكشف عنه عما قريب.
"دعونا لا ننسى  ابدا ايها الرفاق، "  قال إغناتيج أبولونوفيتش، أقدم عضو في اللجنة وصاحب سُمعة  من كونه صانع سلام، محاولا تهدئة المياه قائلا،  "ما لا يجب أن ننساه. . . في أية مناسبة،  هو حقكم الوحيد في تذكيرنا من وقت لآخر. . . على الرغم من "، وأضاف،  مداعبا ذقنه" 
"انه عندما يتعلق الأمر بتذكيرنا،  فأن كونت غاليتزين وحوافر خيوله هم  فقط الموثوق بهم . . ". وكان يلمح إلى قائد الحرس الامبراطوري الذي مزق مؤخرا أحدى مسيرات الاحتجاج إلى قطع بحملة مكونة من سلاح الفرسان فوق جسر مانيغيو.
صوت، لم يكن واضحا من أين يأتي ،  قاطعه قائلا: " والمثالية !" فقد إغناتيج أبولونوفيتش تركيزه  ثم تساءل مرتبكا . ' لماذا هذا؟ ' .
"هل تعتقد أننا بحاجة لاكثر من الحفاظ على كلمات عقيدتنا العليا في عقولنا ؟ " قال زميل طويل القامة في آخر جزء من الغرفة، وهو الرجل الذي صنع لنفسه أسما كواحد من أكثر المناضلين الملتحقين مؤخرا. 
  " هل تعرفون لماذا لا يمكن الخلط بين عقيدتنا وبين عقائد الحركات الأخرى؟ "
"بالطبع نحن نعرف. لأنه المذهب الوحيد الذي بمجرد أن يحقق السلطة لا يمكن أن تفسده السلطة ! 
تذمرت  رأس حليقة منكبة  على الأوراق، وكان ذلك فيمجا،  ذلك هو الذي يسميه الآخرون " الأيدلوجية '.
"لماذا الانتظار إذا حتى اليوم الذي نمتلك فيه السلطة، رفاقي الأعزء ، " أصر الشخص الهزيل قائلا" ، "لنضعه موضع التنفيذ؟ "
'هنا والآن! ' ارتفعت صيحة من أجزاء مختلفة من الغرفة. الأخوات ماريانزيف،  المعروفات باسم "المارياس الثلاثة" صعدن من بين المقاعد، يزعقن  "عفوا! عفوا!' يمسكن بشعورهن الطويلة و بسحبنها فوق الأشياء. يحملن مفارش المائدة على أذرعهن، يدندن لأنفسهن ويدفعن الأولاد جانبا،  كما لو كن يجهزن طاولة لتناول وجبة خفيفة على شرفة منزلهن في إزمايلوفو.
"ما هو مختلف في عقيدتنا هو هذا ،"  استمر الرجل الطويل الهزيل في خطبته، " أن الطريقة الوحيدة لكتابتها هي  بشفرة حادة على أجساد قادتنا المحبوبين !"
كان ثمة تجمهر من الناس وكانت المقاعد تتحرك  لأن الكثير ممن في الاجتماع وقفوا ثم هرعوا إلى الأمام. كان  معظم أولئك الذين اندفعوا وصاحوا من  النساء: "اجلسوا، ايها الصبية الصغار! نريد أن نرى!  بحق الله،  يا لكم من متهورين! لا يمكننا أن نرى أي شيء على الإطلاق هنا! " ثم كن يدفعن بين ظهور الرجال وجوههن التي كانت كوجوه ناظرات المدارس، بشعورهن القصيرة تحت قبعاتهن التي يمكن أن يتخلل عبرها الهواء.
لقد كان هناك شيء واحد فقط يمكن أن يهز شجاعة فيرغيليج، وكان هو عداء الإناث، حتى أدنى علامة منه . كان قد نهض، وهو يمتص الدم من الخدوش التي احدثتها  إفغنيجا على ظهر يده، ثم بالكاد نطق هذه الكلمات: "أنت لا تريد أن تقتلنا بالفعل، أليس كذلك؟ " عندما فتح الباب ودخل  موكب من الناس يرتدون المعاطف البيضاء يدفعون عربات محملة  بأدوات جراحية تلمع. منذ تلك اللحظة تغير شيء في مزاج الاجتماع. كانت هناك أصوات حادة متكررة ، تقسوا الواحدة على  الأخرى . ' بالطبع لا. . . من الذي قال شيء عن قتلكم؟ . . . أنتم قادتنا. . . مع كم محبتنا لكم وكل شيء. . . ماذا كنا سنفعل بدونكم؟ . . . لا يزال هناك طريق طويل لنقطعه. . . سنكون دائما هنا بجانبكم. . " و كان الزميل الرفيع و الفتيات اللواتي سبق لهن أن شكلن المعارضة قبل بضع لحظات، يتدافعن الآن فوق بعضهن لتشجيع القادة، في طمأنة، ونغمات وقائية تقريبا. "إنه شيء صغير، هام، نعم، ولكنه ليس جادا في حد ذاته، لا لا لا، مؤلم بعض الشيء، بالتأكيد، ولكن حتى نتمكن من رؤيتكم كقادة حقيقيين، قادتنا المحبوبين، إنه بتر ، وهذا هو كل شيء، عندما يحدث يكون قد انتهى،  قليل من البتر  كل حين،  أنكم لن تغضبوا من حدوث مثل  هذا الشيء الصغير، إنه ما يميز قادة حركتنا، ماذا سيميزهم  لو لم يكن ذلك؟ "
  بالفعل تجمد أعضاء اللجنة التنفيذية بسبب نتيجة عشرات الأذرع القوية. كان قد وضع على الطاولة  شاش، وأوعية بها  صوف قطني، و سكاكين مسننة. كانت رائحة الأثير  تملأ الغرفة.  جهزت  الفتيات الأمور بسرعة وبعناية، وكأنهن كن جميعا يتدربن على مهامهن  منذ  فترة.
" سوف يشرح الطبيب الآن كل شيء بشكل صحيح. هيا، توليجا !
أناتول سبيريديونوفيتش ،  الذي بدأ درجته الطبية ولم ينهها أبدا، صعد إلى الأمام  وهو ممسك بقفاز يدين من المطاط الأحمر فوق معدة تعاني بالفعل من السمنة المفرطة.
 لقد كان  تولجا شخصية غريبة،  ليتمكن من أخفاء خجله كان يضع على وجه ابتسامة هزلية طفولية، ملقيا  بالنكات الغريبة.
' اليد. . . آه،  اليد الصغيرة . . .  اليد  عضو  قادر على الإمساك. . . نعم نعم، مفيدة جدا. . . و هذا هو السبب  أن لدينا اثنتين منهما. . . و الأصابع، وكقاعدة عامة، لدينا عشرة. . . كل إصبع يتكون من ثلاثة عقل من العظام، أو الكتائب. . . أو على الأقل هذا ما يسمى في جزءنا  هذا من العالم. . . الكتيبة، الكتيبة الوسطى، الكتيبة الطرفية. . "
'توقف عن ذلك. أنك تثير  أعصابنا! ماذا تريد أن تفعل، تعطينا محاضرة! الناس يتذمرون.
(في النهاية لا أحد كان يحب هذا  الشخص تولجا.) ' دعنا ننتهي  من العمل  الحقيقي! هيا! دعنا نركز فيه !'
كان أول شخص أحضروه هو  فيرجيليج، الذي عندما أدرك أنهم كانوا سيبترون العقلة الأولى من إصبعه، استعاد هدوء أعصابه وتحمل الألم بفخر يستحق سمعته. 
ولكن البعض الآخر كان يصرخ ؛  لقد استغرق الأمر عدة أشخاص ليمسكوا به ؛ لحسن الحظ  عاجلا أم أجلا فقد معظمهم  الوعي.
كان ثمة بتر لجزء مختلف لمعظم الناس، ولكن عموما لم يكن  البتر  لأكثر  من جزئيين  لمعظم القادة المهمين(  فقد كان سيتم قطع الاجزاء  الأخرى لاحقا ؛ كان على الواحد أن يتذكر أن الكثير من هذه الاحتفالات ستتم على مدار السنوات التالية). كان فقدان الدماء أكبر مما كان متوقعا؛ مسحت الفتيات بعناية.
وضعت فوق مفرش الطاولة، الأصابع المبتورة  التي بدت كأسماك صغيرة،  مثقوبة الحلوق بسنارة صيد و ملقاة على  الضفة. سريعا ما جفت وتحولت للون الاسود،  ثم  بعد مناقشة وجيزة  حول ما اذا كان ينبغي    وضعها في فتارين  للعرض تم رميها في سلة المهملات.
لقد أتى  نظام  تهذيب القادة  بثمار ممتازة.  ففي مقابل تسوية جسدية صغيرة نسبيا، تحقق تحسن كبير في الأخلاقيات.  لقد زادت سلطة القادة مع البتر الدوري .  فعندما كانت ترفع يد بأصابع مفقودة  فوق  الحواجز، كان المتظاهرون  يحتشدون في دائرة و الجنود حاملي الرماح فوق خيولهم  يغرقون في حشد لا يستطيعون فضه.
الغناء،  و الاصوات الهادرة ، وصهيل الخيول، و صيحات  " فولجا أي رافيوبرافي"  " الموت للقيصر!  " النصر والتكريم  حتى  يوم السقوط! " ________  كانت كلها تملأ الهواء المثلج،  مندفعة  فوق  ضفاف نهر نيفا،  لتصل الى قلعة  بيتر و حصن بول،  تتوغل  في أعمق الزنازين حيث الرفاق السجناء  يضربون بسلاسلهم على الإيقاع  ويمددون  جذوعهم عبر القضبان.
4
في كل مرة يمدون يد لتوقيع وثيقة أو ابداء هذا النوع من اللفتات القاسية  التي من شأنها أن تشدد على شيء ما في خطاب، كان القادة الشباب يجدون أنفسهم ينظرون إلى أصابعهم المبتورة،  وهو ما كان له تأثيره  الفوري على الذاكرة ، الذي ينشئ علاقة فكرية بين عضو القيادة والوقت الذي أصبح أقصر. 
أكثر من أي شيء آخر  فقد كان نظاما عمليا: 
كان يمكن إجراء عمليات البتر من قبل الطلاب والممرضين البسيطين، في غرف عمليات مرتجلة، مع أي أدوات تكون في متناول اليد. إذا وجدتهم  الشرطة  وقبض عليهم واعتقلتهم، فإن العقوبة على التشويه البسيط ليست خطيرة، أو على الأقل لا تقترب إلى أي حد من تلك التي يطبقونها بأنفسهم إذا اتبعت النظرية  الموصوفة حرفيا. 
لقد كان وقتا حيث لم يكن فيه القتل المباشر للقادة غير مفهوم،  سواء من جانب السلطات أو الرأي العام؛ كان من الممكن إدانة الجلادين كقتلة و الدافع المتصور هو التنافس أو الانتقام.
وفي كل منظمة محلية وعلى كل مستوى من مستويات الحركة، تولت مجموعة من الناشطين، مختلفين عن القادة والتي يتغير أعضائها باستمرار، مسؤولية البتر؛ 
لقد حددوا فترات البتر وأجزاء الجسم، ورتبوا لشراء المطهرات، واستفادوا من مشورة خبير أو اثنان، فهم أنفسهم كانوا يتولون معالجة الأدوات.
كانت نوعا لجنة من الحكماء، ولكن من دون تأثير على القرارات السياسية التي ظلت بصرامة في أيدي اللجنة التنفيذية.
وعندما بدأت الاصابع بالنفاد من الزعماء ، بحثوا عن  إمكانية وجود واحد أو أثنين من  الاختلافات . 
كان  أول شيء جذب انتباههم هو اللسان؛  ليس فقط لأنه لم يكن قادرا على  أن يعرّض نفسه لمزيد من الانقسام إلى شظايا أو الألياف، ولكن في المصطلحات الرمزية و التذكرية كان بالضبط هو ما كانوا يبحثون عنه:  
كل قطع صغير أثر مباشرة على القدرة الصوتية و الخطابية. ولكن الصعوبات التقنية  التي كمنت في حساسية الجهاز كانت أكبر مما كانت عليه الفكرة الاولية. 
بعد سلسلة من العمليات المبكرة، كان يتم التخلص  فيها من اللسان، عادت اللجنة مرة أخرى إلى بتر اجزاء  أكثر وضوحا ولكن أقل تكلفة: 
آذان، أنوف، سن أو اثنين.  (وبقدر ما كان بتر  الخصيتين مقلقا،  لم يستبعد تماما رغم ذلك، كان يتم تجنبه دائما تقريبا، لأنه  كان يمكن أن يفتح المجال  امام  التلميح الجنسي.)
ثمة طريق طويل لنقطعه.  لم تدق ساعة الثورة بعد. يواصل قادة الحركة إخضاع أنفسهم للمبضع. متى سيأخذون السلطة؟ مهما كان ذلك متأخرا،  سيكونون أول قادة لا يخيبون الآمال التي وضعها آخرون بهم. 
نحن  نراهم بالفعل يتجولون عبر الشوارع المزينة بالرايات  يوم من تنصيبهم:  ينطلقون على ساقين خشبيتين و إذا كانت لا تزال لديهم واحدة سليمة؛ يدفعون إطارات المشي بذراع واحدة إذا كان لا يزال لديهم ذراع يدفعون بها،  وجوه مخبأة اسفل أقنعة من الريش لإخفاء أكثر التشويهات بغضا، والبعض  يرفع عليا  فروات رؤؤسهم عاليا كجوائز. 
عند هذه النقطة سيكون واضحا أنه فقط في القليل المتبقى لديهم من لحم يمكن أن تتجسد السلطة ، ذلك إذا كان لا يزال هناك أية قوة .
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات