Friday 27th of November 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    02-Nov-2020

أن تقاتل وحدك

 القدس العربي-بروين حبيب

عزيزتي علوية:
لم يكن ممكنا أن أقرأ كتابك الأخير، بدون الكتابة لك مطوّلا، رسالة علنية تختلف عن بوستات «فيسبوك» و«تويتر» و«أنستغرام». رغبت في مكاتبتك عبر جريدة ورقية، يمكنك الحصول عليها من مكتبة تقصدينها في شارع الحمرا، أو أي شارع في منطقة رأس بيروت، التي تشهد ذهابك وإيابك اليومي.
وددت أن تقتني الجريدة محتضنة كلماتي، وأنت متوجهة إلى مقهاك المفضل على البحر، حيث تجلسين مع أصدقائك القدامى (هل ما زالت طقوسكم مستمرة في مقهى الروضة؟) وتفردين الجريدة على رسالتي وتقرأينها لهم. تلمسين كل حرف فيها بأصابعك، وتعودين بها إلى البيت، وقد تشبّعت بهواء البحر المالح، ودهشة عيون الأصدقاء ومحبّتهم، وبعض من بقع القهوة، إذا خانك فنجانك واندلق عليها وأنت تقلبين صفحاتها.
علوية الغالية، أردت في البداية أن أكتب قراءة لروايتك الأخيرة «أن تعشق الحياة» الصادرة عن دار الآداب، ثم وجدتني في مواجهة نص تجاوز في شساعته رواية محصورة ببداية ونهاية. نصك يشبه البحر الذي ينفتح على بحار ومحيطات. ويشارف على أكثر من يابسة، ويخفي بأزرقه المراوغ عالما معقدا من الأسرار.
تقولين «إنّ الواحد منَّا يحتاج إلى شخص محايد، أو ربّما غريب، أو عابر، كي يحكي كل شيء. سيكون مطمئنًّا من أن لا رقابة عليه، ولن يصدر أي حكم أخلاقي». وها أنا أجدني معنية بما قلت، حين بدأت علاقتي بك كانت هكذا، كنت الغريبة التي وقعت في غرام «مريم الحكايا» أنا مثل يوسف التقيتك في نص مثل هذا، واتفقنا على أن نكون صديقتين قبل أن نلتقي. ثم ما عادت المسافات المكانية أو الزمانية تشعرني بالبعد عنك. أنت هنا قريبة كما الشِّعر اللصيق بي، ومثل حقول العشق التي تمتد في داخلي بلا نهاية.
هل تعرفين؟ وحدها الكتابة تذهب بعيدا بعلاقاتنا، فإمّا أن تجمع أو تفرّق، لا مواربة معها. لا نصوص حيادية أو محايدة، فإمّا أن نحب أو نكره النّص. ثم في ما بعد قد يأتي الكاتب ليعدّل تلك العلاقة، قد يهوي بقارئه نحو قاع سحيق يشبه القبر، وقد يقتلعه من تحت الرّدم ويرفعه إلى بقعة جميلة مشمسة. مغامرة الاقتراب من كاتب نحبه تتساوى فيها الخسارات والانتصارات. أمّا النّص الذي لا يُحدث أي ردة فعل لدينا فهو نصٌّ لا معنى له. هذا رأيي الخاص الذي لا أُلزم به أحدا. أمّا أنت.. فها أنت مجددا تهزين كياني بهذا الكمِّ المبهر من الحكايات، وتحرّكين قلبي بأسئلتك الصعبة «لماذا مرضت وأنا في قمّة عطاءات جسدي ونجاحي؟» تقف الكلمات في حلقي متراصّة مثل، طيور خائفة تود الهروب، لكنّها مقصوصة الأجنحة، أتوقف عن القراءة وأعود إلى صفحة الإهداء «إلى طبيبي البروفيسور العالمي بول بجاني الذي لولاه لما عدت إلى الحياة والحب والكتابة».
جمدت في مكاني يا صديقتي، وأنا أراك في تجربتك العصيبة وحيدة، كما لو أنك أودعت سجنا إفراديا، واجهت فيه أقسى أنواع العذاب الجسدي والمعنوي، ولا من مخلّص. رأيتك بقلبي وأنت تغادرين جسدك المنهك عدة مرات، ثم تعودين إليه بقرار نابع من أعماقك للملمة شتات حكايتك. ثم رأيتني بعيدة في فترة كان يجب أن نكون فيها جميعنا قربك، هل أعتذر اليوم؟ هل أطلب الغفران، لأن الشغف جرفني بعيدا عنك لبعض الوقت؟ أنا عاجزة عن إيجاد الكلمات يا صديقتي، فقد وجدت بين سطورك حكاية قتالك وحيدة، رأيت جبهات الموت كيف كشّرت عن أسلحتها الفتاكة في وجهك، وقرأت ما أبدعته مخيلتك من مشاهد جميلة، وشخصيات طرحت قضايا الساعة وناقشتها بعمق، لكنني أيضا وجدتني هناك، خلف الجدران التي حُجرتِ بينها، فشعرت بالأسى، كيف يبحث المريض عن أدويته من طبيب إلى طبيب، وبعضها موجود عند أقرب أصدقائه؟ ولا يحتاج لوصفة طبيب. أعرفك لا تعتبين يا صديقتي، لكنّها تأويلات الأدب وبعضها صادق جدا ومؤلم.
 
ug,dm
 
لقد سألت نفسي كيف يمكن للكاتب أن يعيش بدون عقله وذاكرته ومخيلته ويديه؟ إنّه الموت لا محالة، إنّه الموت بكل تأكيد وقد خبرتِه، وخبرتِ العودة من ملكوت السماء إلى الأرض. وها أنا أودُّ أن أعانقك يا سيدة الحكايا، وأبارك انتصارك في حربك الضروس ضد عدوٍّ جبّار، لم يكن ممكنا أن تواجهيه بالأسلحة المألوفة، فلا خناجر ولا سيوف تنفع معه، لا رصاص ولا صواريخ، لا مكائد ولا دسائس، ولا خطط حربية. هو سلاح واحد «عشق الحياة» يخرج من القلب، أو من مكان ما في جوفنا مصحوبا بالإصرار على عدم الاستسلام. وهذا سلاح للأسف نادر في أوطاننا. نستورد كل أنواع الأسلحة، ونغفل عن صناعة هذا السلاح البسيط، الذي يبقي أبناءنا على قيد الحياة.
في كل كلمة، وكل سطر خطّته يداك رأيتك أنتِ ولا أحد غيرك. أنت الطفلة التي ضحكت في رحم أمها، وأنت البسمة التي رأينا فيها إشراقة الشمس، وأنت العاشقة التي نثرت الحب حولها، فحولت كل شيء إلى حديقة زاخرة بالكائنات الحية. ثم ها أنت تكتبين مجددا عن المنامات، والإشارات الرّبانية، والجنيات الصالحات، فتعيدين إلينا مشاهد قديمة من نصوصك السابقة، مضت عشر سنوات، وبضعة أشهر حين قرأت لك «اسمه الغرام» إنها فترة طويلة من الصمت، لكني فهمت صمتك الآن، وأدركت أنك كابرت بكل طاقتك مثل الأمهات العظيمات وكتمت أوجاعك. وكما في الأفلام الخيالية الموجهة للأطفال، امتطيت مناماتك الجديدة، وكأنّها تتمة لسابقاتها، وعبرت معك نحو مملكة النساء وحكاياتهن. لقد عرفت يا صديقتي كيف تحملين قارئك من محطّة انتظاره الطويلة بدون أن يشعر، ويسافر إلى الوجهة التي تحددين.
كم استمتعت وأنا أصغي للحقيقة تماما كما عشتها، حين نفتقد الحب في حياتنا يتسلل الموت إلى أجزاء من أجسادنا، ثم يبدأ باحتلالنا شيئا فشيئا، وحين نموت تماما، ونحن على قيد الحياة نصبح عدائيين نحو كل ما هو جميل حولنا، فنحدث الدّمار الذي يراه الجميع ولا يفهمون أسبابه.
هنا يحضرني طبيبك مرة أخرى، الطبيب الذي علّم ممرضيه أن يعشقوا مرضاهم، كيف أنّ الحب يطبب تلك الجراح، التي نصاب بها بالعدوى، أو مباشرة ممن نحب حين يخذلوننا. سأخبرك كيف وجدتِ هذه التركيبة الذكية التي لا تخطر على بال أحد، لتبني عليها هذا النص المسالم، المهادن، والقوي، لقد هبط عليك من السماء، وأنت في لحظة تواصل روحي مع الله، هذه معجزتك الخاصة، وأنت تتأرجحين بين الشك واليقين (مثل يوسف) توقفت جوارحك على يقين الشفاء، فقادك الله إلى طبيب يتقن فن المحبة، فأنقذك، لنفسك ولنا جميعا، إذ يبدو أنه يعرف جيدا أن طريقك لا تزال طويلة لسرد مزيد من الحكايات. آه أيتها الغالية، من الغباء أن نهدر أجسادنا وطاقاتنا في متابعة نشرات أخبارنا، التي لا تتوقف عن نقل أخبار الموت، فالموت مُعد، والكراهية أيضا. من الجنون أن نموت قبل أن تكتمل حكايتنا. ومن الهباء أن يمنحنا الله فرصة لنعيش فنكتفي بالمرور بالقرب من حياتنا. ثمة مركز للحياة هو العشق، وبه نقاوم كل الشرور، وبه نمتلك زمام أنفسنا.
شكرا على هذا النص البديع، شكرا أيتها المقاتلة العاشقة، شكرا لتنبيهنا أن لا دواء يداوي تشوهاتنا غير العشق.
 
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين