Tuesday 20th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-Sep-2020

مجموعة «نهار بطيء» للقاص العراقي حيدر عبد المحسن: صدق التجربة وحرارة المعايشة

 القدس العربي-جمال العتّابي

أضحى الإحساس بإيهام الحياة حقيقة، وصار الحديث عن غموضها وافتقادها للمنطق شعورا واضحا هو الآخر، وسط حياة يغلب عليها طغيان الآلة، وتقهقر مظاهر العاطفة، إن القاص وجد أن عليه أن يكون صادقا مع نفسه أولا، ومع المتلقي ثانيا، ليعبّر عن هذا الواقع الجديد، باكتشاف معطيات الحداثة في الكتابة، لا الشرح والوصف التقليدي الممل الذي لا تحتمله تفاصيل هذا الواقع المفتت، وإيقاعه السريع الخاطف.
القاص والشاعر حيدر عبد المحسن قدّم مجموعته القصصية «نهار بطيء» الصادرة عن دار التكوين في دمشق، عام 2019، بأدواته التعبيرية الخالية من أي شرح، أو توضيح لتفسير الرموز، إنه يفترض بالطرف الثاني من العلاقة، فهما واعيا بالعمل الإبداعي الجديد، والتأثر به، والتفاعل معه.
إن قراءة متأنية لـ«نهار بطيء» ترينا أن القاص وزع نفسه وتجربته الحياتية (مثقفا وشاعرا أولا، وكجندي طبيب مشارك في الحروب) فالتقت جوانب أساسية مختارة من التجربة بأحلام خاصة، وأقصت العمل عن أن يكون سيرة ذاتية، أو مسحا لمرحلة تاريخية، مهمة القارئ تتلخص بتأمل ظاهرة فنية، أو معالجة أسلوبية، وتذوق ألوانها المتعددة. وحيدر عبد المحسن لا يحتاج أن ينتحل تجربة، أو أن يتخيلها، فالقصص محملة بنبض المعايشة الحارة، وصدق الألم الإنساني، والقدرة على استثمار فتات الحياة اليومية، بسردية تتآلف فيها الحقائق مع التأملات الصادقة، ومرارة الجراح.
أحسب ان شخصية القاص حاضرة بقوة، كما قدمتها المجموعة، بهواجسها وأحلامها، تلك التي التقت فيها عناصر الواقع والحلم والطفولة، واللامعقول والإغراب، ورؤى تقترب من الكابوسية، في موت الأب، وموت الحصان، هروب الحارس، في قصص (جيوفاني، خزف، قناع حارسان).
تتوزع المجموعة على ثلاثة مستويات، يتضمن الأول تسع قصص قصيرة، واثنتي عشرة قصة قصيرة جدا، وملحقا أخيرا بمقاطع قصيرة جدا، لا يتجاوز بعضها سطرين أو ثلاثة أسطر، بدأت برقم 1 وانتهت بـ36، وفي المستويات الثلاثة، يختلف النسيج والأداء بين هذه المجموعة وتلك، لكنها تجتمع على خبرات الحرفة، والقدرة على بث المعنى وظلاله في السياق وتفاصيله، واختيار الصور الدّالة المعبرة بإيجاز وحيوية، في القصة القصيرة جدا، لا يطفو السرد على السطح تقريرا أو شرحا، حين يكون الرمز، في أرقى أحواله، ثمرة استبطان عميق، واستكشاف داخلي عميق، فإنه يؤدي دوره المدهش الذي يكشف عن مدركات جديدة، لنتأمل هذه النهايات «تهدلت بالحزن الذي ليس له مبرر، البتّة، الفيل يحدج المهندس بنظرة لامعة، أناقش في داخلي أكثر أفكار بني البشر براءة، دموعه التي تدخل فمه زادت من شعوره الفظيع بالجوع عين الأعمى المخيفة وهو يضربني كنت أراها أينما اتجهت».
في القصص القصيرة يجسد حيدر طاقة من التخيل والإدراك الحدسي الشعري المرهف، عبر دقة خفية بعيدة، رقيقة، إلى رؤية الأشياء والصور رؤية جديدة، تلتقط ما تنطوي عليه من ثراء المعاني المستورة، والإيحاء الكامن فيها بدراية فنية، ويد حساسة مدربة تحفظ للرموز حيويتها، وجدّتها.
كيف للإنسان أن يبدع ويتحدث عن الحب وهو يرزح تحت وطأة الاختناق، في قصة «مرايا» رصانة القص، ونكهة الرومانسية، نمو الحب من طرف واحد، وشكوك معذبة، حين يلوح ظل عاشق آخر. وحيدر مولع برصد الانفعالات النفسية المختنقة، في قصة «قناع» تداعيات نفسية يشدها خيط متوتر من ترقب، في بناء فني أكثر حرية، يعتمد الحوار والبوح وإيقاع ذكريات وأحلام وتأملات منسوجة بحذق، كل شيء في البيت شهي، حتى زوجة العم، قبل أن تبلغ ذروتها المأساوية في تحول المريض إلى قناع.
 
إن معرفة الحياة وتأمل المصير الإنساني، والإحساس بالضرورات، وسواها، ما يمثل وسيلة التعبير لدى القاص حيدر عبد المحسن، بغية تحقيق الاستثارة الذهنية والمتعة النفسية، المتأتيتين من لذة الاكتشاف لما يرمز له الكاتب من قضايا وما يوحي به من معانٍ ودلالات خفية.
 
في قصة «جرح غائر» هدير السجن وصداه الموحش، والفأرة اللعينة منهمكة في القضم. قصة «جيوفاني» عمل متماس في تحميل أحداث قصة واقعية، ملامح تعبيرية، ودلالات موحية، تكشف عن دخيلة الشخصيات وتفجر معاناتها، حين يتساءل الابن الذي كان محلقا مع موسيقى جيوفاني: هل أستطيع أن أنقذ أبي بموسيقاي وهو يسبح الأن في بركة من الدماء؟ وثمة رغبات متناقضة في قصة أقفاص بين الزوجين وابنتهما الصبية وبائع الطيور، الذي لم يكن بمقدوره إدراك كنه المشاعر ووعي حقيقتها، قصة «الخزف» محاولة طيبة لخلق حالة من الانسجام والحيوان (الحصان) والوصول إلى حالة من التوحد والفيض، الجدجد والحارس والحصان عناصر البناء الدرامي الرئيسية للقصة، وردت مفردة الخزف مرة واحدة في القصة، في هذا المقطع «استسلم الحصان إلى ثقل بدنه الضخم في طقس انهيار كامل، كما لوكان تمثالا من الخزف» في ذلك إشارة إلى دلالاته الشعرية دونما بوح بها، كما أعتقد. القصة تتنامى مع تنامي السرد الرشيق، وتتركز براعة القاص في تجنب التكرار والتشابه في الرؤى، مع احتفاظه بامتياز ابتكار الأشياء.
في المقاطع القصيرة المرقمة، تتناثر الأفكار والإشارات والأسماك والقرش والصخور ومياه البحر والطيور والأشرعة، صور تتكثف وتتجمع وتتناسق من خلال دفقات الضوء، الذي يمنحه السارد للمشهد الذي يراه، والأحداث التي يستعيدها والذكريات الآفلة، مشهد البحر لا يفارقه كما يقول هو، هي ليست قصصا قصيرة، ولا قصائد نثر، رغم أن فيها شيئا من الاثنين.
هذه المقطوعات تكاد تبدأ جميعها بحرف عطف، وفي ذلك إحالة إلى سردية متصلة، متلازمة بألوانها وموحياتها، تجتمع حول (النواة- البحر) ثم تأتي التفاصيل المتآلفة معها لتنسج حولها غلالة من حياة قصصية، بمفردات أليفة مأنوسة الإيقاع، على الرغم من أعاصير البحر، وصرير الريح، هي سلسلة من صور مباشرة، بسيطة وجميلة، تكشف عن مفاتنها وحيويتها، وتومئ إلى أسرارها.
في ثنايا «نهار بطيء» نتوقف عند بعض المفردات النادر استخدامها في اللغة المتداولة، أو المكتوبة، التي يصعب على قارئ محدود الاطلاع فهمها، لا أعتقد أن القاص يلجأ إلى معاجم اللغة، ليضمن قصصه هذ المفردة أو تلك، إنما الأرجح أن لغته تتشكل من مخزونه المعرفي واللغوي، وتنوع قراءته وتعدد اهتماماته الإبداعية، أذكر على سبيل المثال (الجُدجُد) وهي حشرة لها لوامس طويلة، تصدر صريرا في الليل، وظف القاص هذا الرمز، دليلا على اقتراب الموت في قصة «خزف» وكلمة (الدوقل) والصحيح الدّقل، وهو الخشبة الطويلة، وسط السفينة، التي يثبت عليها الشراع، وهناك (الميدعة) الثوب الذي يرتدى فوق الملابس وقاية لها من الضرر، وريش البواء، ويعني ريش النعام، وأجفان العظاية، والعظاية كائن خرافي، يُعتقد أنه لا يحترق في النار، لقدراته السحرية. هذا اللون من التوظيف يحقق متعة ذاتية للقاص، وهو تمرد على عقيدة الوضوح، وتقرير الحقائق بالوصف والتسمية، ربما تلك المعاني التي ينشدها على قدر من التعقيد، إعلان عن عجز اللغة العادية في الوفاء بقدراتها على التعبير.
إن معرفة الحياة وتأمل المصير الإنساني، والإحساس بالضرورات، وسواها، ما يمثل وسيلة التعبير لدى القاص حيدر عبد المحسن، بغية تحقيق الاستثارة الذهنية والمتعة النفسية، المتأتيتين من لذة الاكتشاف لما يرمز له الكاتب من قضايا وما يوحي به من معانٍ ودلالات خفية.
 
٭ كاتب عراقي