Wednesday 20th of September 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    11-Apr-2017

مع سيدنا الإمام - ابراهيم العجلوني
 
الراي - كان مما أُثِرَ عن الإمام علي كرَّم الله وجهه قوله: «لو ردّوا الأمر اليّ لقضيت بين اهل القرآن بالقرآن، وبين أهل التوراة بالتوراة، وبين اهل الانجيل بالانجيل»، وكان يضرب بيده الى صدره ويقول: «إن ها هُنا عِلماً جَمّاً ما أصبتُ له حَمَلةً».
 
ويمثّلُ سيدنا الإمام هنا ما نراه من معنى الأمة الوسط الشاهدة على الناس، من حيث توفرها على المعارف الكفيلة بأن تكون حاكمة بالقسط بين الأُمم، وعلى مكارم الأخلاق ومحامد المقاصد التي تتجاوز بها، لدى هيمنتها بالحق، دواعي الشنآن وأسباب الخلافات، فتكون هي المؤهلة بالعدل والنزاهة وسعة الوجدان لان تقود هذه البشرية المضطربة الى بر الأمان، وان تستنقذها من تلهب الضّرام والخصام الى دار السلام.
 
كما يمثل سيدنا الإمام قوة الهاجس العلمي في أُمة الاسلام وأنموذجاً فريداً مُتحققاً من استجابة المؤمنين للأمر الإلهي: «إقرأ باسم ربّك الذي خَلَق»، إذ القراءة سبيل العلم، والعلم سبيل الفهم والفهم سبيل التفهم والتفهم سبيل التعارف والتعارف سبيل التآلف وكل اولئك من سبل السلام التي يهدي الله سبحانه اليها عباده المتقين، ويخوّلهم بها هداية العالمين.
 
***
 
وللقراءة المأمور بها في الاسلام معانٍ جمة، فمن قراءة القرآن التي هي لكل شيء تبيان، الى قراءة كتب الأديان وثقافات الانسان، الى قراءة الأنفس والآفاق وما يمكن للعقول دركه من حقائق الأكوان.. وكل ذلك مما نجدُ شواهد عليه في «نهج البلاغة» الذي جمع فيه الشريف الرضي خُطب الإمام علي كرَّم الله وجهه وأقواله ومواقفه وأفعاله.
 
***
 
يقول نبينا المصطفى عليه صلوات الله وسلامه: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» ولعل احداً من مؤرخي حضارة الاسلام لا يماري اليوم في أن سيدنا الإمام استحوذ من علوم الاسلام على ما هيأه لان تنطلق من مشكاته علوم شتى: عقليّة وشرعيّة وكلاميّة وتجريبيّة علميّة، فيمن يتأمل ما تضمنته اقواله في مسائل العقل والنظر وجده سابقا فيها اهل الفلسفة والكلام من معتزلة وأشاعرة وعرفانيين ومتصوفة من المسلمين ومن فلاسفة ولاهوتيين من غيرهم، ومن يتأمل ما فيها من حديث عن نشأة الكون وتشكّل الارض والسماوات وما انعكس فيه من آيات القرآن وأحاديث النبي المصطفى، تعاظمه تصوّر الإمام لكل ذلك وكأنما هو شاهدٌ كيف انفهقت السماوات واستوت الارض واستدارت الأفلاك، حتى ليمكن القول إن اساس النظر التجريبي والاستقراء العلمي لظواهر الكون الذي تميّز به علماء الاسلام إنما كان الإمام مُنطلقه وراسم آفاقه، وإن أُمتنا لو استمرت على نهجه في التصور والتدبر لكنا في حال غير هذه الحال، ولما سبقتنا أُمم الارض في دقيق العلوم ولا في جليلها.
 
***
 
يقول مؤرخو الفلسفة الاوروبية الحديثة إن كُلاً من اتجاهيها: العقلي المثالي والعلمي التجريبي قد تحدّروا من الفيلسوف الفرنسي «رينيه ديكارت» ولو أننا أنعمنا النظر في كثير من مقالات الاسلاميين ولا سيما المتعلقة بالتوحيد وبصفات وأسماء العزيز الحميد، ثم رأينا الى مناهج العلوم في حضارة الاسلام، لأمكن لنا استيقان حضور سيدنا الإمام في ذلك كله، مع اعتقادنا بأن فلاسفة اوروبا ورجال الاصلاح فيها وعلماءها مثل روجر بيكون وفرنسيس بيكون و»ديكارت» و»كانت» و»مارتن لوثر» أفادوا من تراث الاسلام، وتناهت اليهم، على نحو او آخر، ومن حيث يعلمون ولا يعلمون أثارةٌ من سيدنا الإمام.
 
***
 
كان سيدنا الإمام أعلم المسلمين بعد رسول الله بالقرآن، وكان أقضاهم، وكان أجلدَهم وأصبرهم في الشدائد، وأوفاهم بتكاليف ديننا الحنيف، وكان الى ذلك كلّه أبعدهم بعد النبي الذي ترعرع في أحضانه حكمة وبصيرة وأنفذهم بصراً بحقائق الأنفس والآفاق، ولقد كان كرَّم الله وجهه مَفزع المسلمين الاوائل في معضلات الأمور، وكان موضع استشارة الصدّيق والفاروق وذي النورين، وكان قمر الاسلام إذ الرسول محمد صلوات الله وسلامه عليه سراجه المنير.
 
***
 
.. كان كرَّم الله وجهه هاشمياً قُرشياً عربياً، تنفجر الفصيحة منه ضياءً وتنسكبُ في القلوب الظِّماءِ نوراً، وكانت أقواله وما تزال ملاذاً للعقول ومستراداً للبصائر، لا عُجمة فيها ولا لحنَ قول، ولا لحن تفكير، بل لسان عربي مُبين، صَقَله القرآن وجلاّه البيان فَكانَ زينة للناظرين ومُتَوَسّماً للمتأملين.
 
***
 
ولمّا كانَ قال النبي العربي: «من كنت مولاه فإن عليّاً مولاه»، وكان عليه صلوات الله وسلامه هو مولانا نحن العرب، عشيرته الأقربين ونبي قومه وحملة رسالة الاسلام الأول في العالمين، لا يمارينا في ذلك إلا الظالمون، فقد تبيّن ان سيدنا الإمام هو مولانا بعد الرسول الكريم، وأننا اولى الناس به وأحفظ الناس لتراثه، وأقدرهم على دَرْكِ معانيه ومَيْزِ مبانيه، ليس ينازعنا ذلك إلاّ مغالط لنفسه، وليس يدفعنا عن شَرَفه إلا ظالم لها مبين.
 
***
 
ألا إنّ القرآن الكريم عربي، والرسول المصطفى عربي والإمام المُجتبى عربي.. ذلك تقدير العزيز الحكيم، فمن شاءَ فليؤمن ومن شاء فليكفُر. ولَمَنْ صَبَر وغَفَر فإنّ ذلك من عزم الأُمور.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات