Thursday 22nd of April 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    05-Mar-2021

صورة المرأة في رواية (وقُتلت مرتين) لسماهر السيايدة

 الدستور-نايف النوايسة

 
تُشكل المرأة محوراً مهماً في الأجناس الأدبية وموضوعات كل جنس أدبي بعامة؛ فهي المرتكز الرئيس في شعور المبدع ليقيم نصه على النحو المكتمل؛ فهي الأم والزوجة والأخت والابنة والحفيدة والحبيبة، وهي العفيفة الطاهرة والبريئة اللاهية والمظلومة الصابرة، وهي العالمة الأديبة، وهي العابثة المستهترة، والساقطة الشيطانة، وأرفع النساء مكانة هي المرابطة المجاهدة المناضلة والشهيدة.
ولا يفوت المبدع أن يكشف من خلال موضوعة المرأة الزوايا اللائذة من قضايا الفقر والضياع وأوجاع الأسرة والمجتمع والظروف القاهرة كاللجوء والتشرد، كما لا يفوته أن يعكس أثر الحضارة عموماً على المرأة وبخاصة التعليم؛ لنرى العالمة المتبحرة بشتى فنون العلم والأديبة المبدعة التي يُشار إليها بالبنان والسياسية القديرة والمحامية اللامعة والناشطة الاجتماعية والسياسية الحصيفة.
ونحن نعرف أن الوأد يرتبط بالمرأة منذ القدم، فهي في نظر المجتمعات المتخلفة عبء كبير ومطمع لكل غازٍ ومعتد أثيم، فيتم التخلص منها طفلة وليدة ولا يُراعى في ذلك صرخة أو دموعا، لكن هذا النمط من الوأد اختفى اليوم ووُلد بدلاً منه أشكال جديدة كالوأد الاجتماعي الطبقي ووأد الأحلام والبراءة ووأد الشعوب من قبل حاكم ظالم ونحو ذلك من أشكال الوأد، كل ذلك علِق في ذهني وأنا أقرأ رواية( وقُتلت مرتين) للأديبة سماهر السيايدة المنشورة في 2019.
في هذه الرواية تشابكت خيوط حبكتها بإحكام، ولا يبان منها عوار أو اختلال، وهي في البَدْء رواية المرأة بامتياز وتجلت فيها صور المرأة بوضوح وإتقان من خلال رؤية روائية واعية، وتعرف كاتبتها ما تريد وإلى أين تذهب وكيف تنتهي.
ومما يجدر ذكره هنا ولأهميته فأن هذه الرواية اجتازت الحدود لتحلّق بأحداثها في فضاء عربي غارق في التفاصيل الدموية المأساوية المؤلمة، وعكست شخصيات الرواية أحلامها البريئة وطموحاتها المشروعة، وحملت معها ألمها ودمها المسفوح ودموعها المنهمرة ونظراتها التائهة الغاضبة..
حلّقت هذه الرواية فوق سوريا ولبنان وفلسطين ومصر ولامست الجروح النازفة والصرخات التي تشق ليل الأمة الدامس وتمسح على قلوب الممرورين في كل بلادنا المنكوبة بأوجاعها السياسية والاجتماعية والأخلاقية والنفسية، بمعنى أنها رواية كل عربي عايش السقطات التي تردّت بها الأمة بسبب أنظمتها، واكتوت بنار الوثن/الكرسي الذي احترقت لأجلها الأوطان، فغدا زمن الإنسان العربي بلا معنى ولا قيمة وفاقت معاناته كل معاناة، ورخُص دمه، وصار يُضرب به المثل في الذل والهوان، حتى عدّه البعض بأنه بات عالة على المجتمعات ومًعيقاً لكل تطور وتنمية في العالم، لا بل غُيّب تماماً عن عمارة الأرض وبناء الإنسانية وتحول إلى شيء مهمل ورقم متناهٍ في الضآلة.
وتكشف «ياسمين» بطلة الرواية عن هذا الجرح في حديثها عن الخادمة منوى سكليتفي بيت الأم شمس بقولها: ( فقد خرجت من وطنها بسبب الجوع والفقر، وأنا خرجت من وطني بسبب كرسي أراده حاكم). ص10
إن في « ياسمين»السورية طعم حلب وعبق ياسمينها الشامي ووضاءة وجمال سوريا وألقها؛ هي غيداء بريئة ترى الوطن متماهياً في حضن والديها ودفء أسرتها، وغاب الوطن وغاب الوالدان حين أكلت النار المتوحشة عوالم البراءة والجمال والبهجة، وارتفع الوثن/الكرسي على الجماجم وصار كابوساً مرعباً حاصر الأحلام وطارد الأبرياء في كل مكان ونثر الدم والملح والشوك بدلاً من القمح والخير، وعمّ الخراب والدمار على وجه سوريا الجميل.
ياسمين ابنة السابعة عشر ترى ياسمين الشام قد تَلطّخ بالسخام وهي تهرب من وطنها، وأظلمت الدنيا بعينيها حين هُدم بيت أسرتها فوق رؤوسهم من صواريخ النظام وفقدت أمها وهي أعز الناس عندها تحت الردم، وقبل ذلك أكل أتون الحرب أخاها، وها هي اليوم تعيش مع أبيها معنى التشرد في مخيمات اللاجئين في لبنان.
صورة مؤلمة لهذه الطفلة التي قُتل وطنها أمامها وأُحرقت أحلامها وديست براءتها، وتغرق ياسمين في بحر من الفوضى يفوق احتمالها وترى الموت أقرب لها من الحياة.. هي الطفلة النموذج في الحرمان والنكبات، اختارتها الكاتبة لتكون منصة حاملة لكل هم ونصب؛ مراهقة موءودة وأحلام مصادرة.. ياسمين هي بحق مثال صارخ لوأد مجتمع بأكمله.
ياسمين هي المرأة التي بثّت تفاصيل ألمها في عيون كل من عرفها، وحقنت معاناتها في قلوب من اقتربوا منها؛ فهي عند مشارفة أبيها على الموت ضحيةٌ لغايات خبيثة لامرأة شيطانة، اصطادتها في المشفى فأوهمتها وأوهمت أباها بأنها تريدها زوجة لابنها» شهم»الذي يرافقها، وهو في حقيقة الأمر سائقها، وتكشف الأحداث اللاحقة بأنها مجرد عاهرة تتاجر بأعراض الغلابىوتقتنصهم في أماكن معاناتهم، وتتاجر بآلام وجراحات اللاجئات، فوقعت ياسمين في حبائل هذه الشيطانة، فألفت ياسمين نفسها فريسة لطالبِ هوىً اعتدى عليها في أحد الفنادق.. كان وحشاً بشرياً قطف منها أعز ما تملك وتركها فاقدة للوعي ثم وجدت نفسها في المشفى تخضع لعلاج طبي ونفسي بإشراف طبيبة تلقّب بالأم شمس، هو موقف صعب وحاد وجدت ياسمين نفسها فيه.
فتحت ياسمين عينيها لترى العالم من هذه التجربة المؤلمة، وعيها اختلف، وحكمها على الأمور أخذ منحىً جديداً؛ فبعد دمار حلب وهدم بيت أهلها وفقدان كل أفراد أسرتها فقدت الثقة في الناس وصارت ترى المرأة أياً كانت متجددة في صورة الشيطانة أم شهم، وغدا الناس في نظرها كائنات دموية ووحوشاً مفترسة وزناة، ونساء عاهرات وهي أمامهم الضحية الطريدة، فنفرت من الجميع وأولهم الأم شمس التي حاولت جهدها إقناعها بأنها غير تلك المرأة الشيطانة، وأفلحت الأم شمس في مسعاها الإنساني فاصطحبت معها ياسمين إلى بيتها الجميل وعرفتها على زوجها جورج/ الشاعر والأستاذ الأكاديمي في جامعة بيروت العربية، وعلى خادمتها البنغالية منوى سكليت.
الأم شمس لا تنجب وتريد أن تكون ياسمين بنتاً لها وتناديها ب( يا أمي)، من أجل ذلك بذلت كامل جهدها لتعيد الثقة بالحياة والناس إلى ياسمين وأن لا ترى الناس من خلال تجربتها المريرة القاسية وتمكنت من ذلك بصعوبة وبدأت ياسمين ترى كل شيء من قلب الأم شمس الطيب الدافىء، وكانت ياسمين تقول لروز:( حلم واحد يكفي في هذا العالم المهترئ البالي، حلم واحد في وطن غير وطنك يعني الكثير). ص15
الأم شمس طبيبة نفسية تحب زوجها جورج حباً كبيراً ولا ينقص بيتهما الجميل إلاً بنت تملؤه ب( يا أمي) لذلك احتضن الزوجان ياسمين وأغدقا عليها من الحنان والاهتمام ما طيّب خاطرها وحياتها، فهي تريد أباً وأماً والأم شمس وجورج يريدان بنتاً فالتقى الطرفان عند هذه الضرورة، وهي ما عبّرت عنها ياسمين بقولها:(أنا لا أطالب بأكثر من حياة أعيشها من جديد يتوقف فيها سخط الحياة وتصاريف القدر، أنا أطالب بمأوى وحب فقط، فهل اعتبر مجرمة في هذا الواقع الذي لا يرحم). ص71
مر زمن على ياسمين في بيت الأم شمس وأخذت الأحلام الجميلة تسكنها وتبث في نفسها الطمأنينة إلى أن غشتها تجربة جديدة حين عرفت أنها حامل من ذلك الوحش الذي اغتصبها ذات ليلة في الفندق، واستدعى الزوجان إلى المشفى الطبيب سيف ليعالجها، وسيف شاب مصري جاء ليدرس الطب في بيروت ودرّسه الدكتور جورج، فهيأ سيف الأمور وسهّلها حتى لا تأتي الشرطة للتحقيق في واقعة الحمل المحرم، وبدأت ياسمين تتهيأ للدخول في تجربة الأمومة ومواجهة الحياة بعبء مضاعف، وتصف هذه المرحلة بقولها:( طفل بلا أب سيولد في هذا العالم الأصم في هذا الوطن الغريب، رحماك يا ربي). ص86
واضطرت ظروف مخيمات اللاجئين السوريين الأم شمس للسفر إلى الأردن لحل بعض المشكلات فبقيت ياسمين في رعاية جورج والخادمة منوى سكليت في بيروت، وهنا بدأت الكاتبة بحبْك خيوط جديدة في روايتها وهي إدخال ياسمين في تجربة أخرى ترقى إلى مستوى المحنة، حيث يخرج جورج من صمته وحبه المزيف للأم شمس ليفصح لياسمين بأنه يحبها ويريدها زوجة له.. هي مفاجأة هبطت على رأسها كالصاعقة فداهمتها الأسئلة من كل صوب:
كيف أحبت الأم شمس رجلاً خادعاً؟ وكيف نكث جورج بكل ما كان يقوله للأم شمس من مشاعر الحب؟ وكيف يُقدم على هذه المغامرة القاتلة في غياب زوجته التي أحبته بإخلاص ووفاء؟ وأي نفس خادعة وراء هذا التظاهر بالحب، فهل يُركن إليه؟ وكيف تثق به وقد أرست كل مراكب أزمتها في بيت جورج على أنها ابنتهم وبدأت تستشعر الأمان بحضورهم؟ وماذا ستقول للأم شمس إذا عادت وعلمت بما أحدثه جورج بعدها من بوادر انقلاب على حاكمية الحب المشترك بينهما؟
مرحلة جديدة بدأت تعيشها ياسمين دون علم الأم شمس وترى فيها منزلقاً خطيراً في وجودها في هذا البيت لذلك فكرت جدياً بالعودة إلى المخيم للخلاص من هذا الجحيم، فمنعها جورج لأن ذهابها سيؤجج النار داخل بيته إذا عادت الأم شمس ولم تجدِمحاولات ياسمين خيراً في مغادرة البيت، وفعلاً عادت الأم شمس فجأة فألغت ياسمين نيتها الفرار إلى المخيم وبقيت معهم حذرة متيقظة عسى الله يكتب لها فرجاً من هذه المحن ولو بالموت.
وتتشابك خيوط الرواية من جديد لتتكشّف صورٌ متلاحقة في هذا الحراك الإنساني المتأجج، إذ لم تكن ياسمين والأم شمس وجورج وحدهم في تواتر الأحداث ونشدان الملاذ الآمن، فقد كان الطبيب سيف من هذه الزمرة التي أودت بهم مآسي الحياة؛ هذا الشاب المصري الذي يلاحقه كابوس نسائي مرعب فحط الركاب في بيت جورج لعله قلبه يهدأ.
جاء سيف من مصر ينشد العلم في جامعاتها فكان طبيباً، والسؤال: أليس في مصر جامعات قديرة يحصل فيها على شهادته؟ لا بل فيها ولكن عاصفة هوجاء اجتماعية حملته من دار إلى دار واقتلعته كما اقتلعت ياسمين وروز الغزيّة من وطن أحبوه إلى بلاد الغربة، ووصفت ياسمين هذه الحالة بقولها:( الخروج من الوطن يعني الموت، وإباحة الجسد هو الموت، ونحن شعب قد مات حين أُغتصب وطنه)؛ فوالده عمل بحاراً لكنه مرض فأنهكته ظروف الحياة الصعبة ولم يقدر على مواجهتها لعلاج ابنه يوسف شقيق سيف والقيام بأعباء الأسرة فجُنّ الرجل وصار أضحوكة الشوارع، فتصدت أم سيف للمهمة وأبلت بلاء حسناً ولكن مجاديفها تكسرت على صخرة الواقع العاتية ولم تعد أشرعتها تقوى على أن تأخذ سفينة الأسرة إلى برِّ الأمان، فتلقفها الشيطان وأوقعها في مستنقع الرذيلة لتُقيم إود الأسرة، وكان سيف يعي ما يدور حوله وما تفعله أمه لكنه غير قادر على فهم الدوافع وراء ذلك، وماذا بوسعه أن يفعل وهو الصغير المغلوب على أمره وقد غاب من كان يتمناهماعضداً له في الحياة، أخاه يوسف الذي مات ووالده الذي جُنّ..
كان سيف يسجل كل ما يراه في حافظتـه ويترجم ذلك كله بكلمة واحدة( ساقطة)، ولم يبحث في الزوايا الأخرى عن سبب ذلك ليدرك أن أمه ضحية وتستحق الشفقة، لم تطل رحلة أمه مع السقوط فقد جُنّت هي الأخرى أيضاً فانهدم هذا البيت كبيت أسرة ياسمين، فارتحل سيف إلى الصعيد عند أهل والده ثم غادر إلى بيروت.
وبدأ منعطف خطير يتشكّل في رحلة ياسمين وسيف في وحل اللجوء والفرار من كوابيس الواقع المؤلم والظروف القاهرة، إذ قام سيف بطلب يد ياسمين من جورج زوجة له، ما هذه المفارقة المذهلة؟ يطلبها زوجة من الرجل الذي يعشقها؟
تزوج سيف ياسمين ولم تكن بينهما علاقة زوجية، ولم يلتقيا في سرير واحد، وحرّم عليها دخول غرفته، وكانت ياسمين تسمع هذيانه حين يعاقر الخمر ويتلفظ بكلمة( يا ساقطة) فظنت بأنها هي المعنية، فاستنطقته وهو في مرحلة اللاوعي فعرفت أنه يعني أمه ثم عمم اللفظة في ما بعد لتشمل ياسمين التي حاولت إخراجه مما يتردّى فيه بعد أن ألمّت بقصة أمه، ولكن لم تفلح في مسعاها.
وولدت ياسمين طفلة أسمتها(أمل)، وعاشت الطفلة في بيتٍ أساساته النفسية زائفة فلا أب معروف ولا زوج أمه متآلف، وعلاقة زوجية معدومة، ودفعتها براءتها ذات يوم للانتشار في البيت حتى استقرت في غرفة سيف فلحقتها أمها وكانت فرصة لها لتتطلع على أوراقه وواقع حياته في هذه الغرفة المزرية، وعلى حين غرّة عاد سيف للبيت ليُفاجأ بياسمين وأمل في غرفته فاستشاط غضباً وطردهما ولم يلن لتوسلات ياسمين وأعذارها، وغادر البيت غاضباً فتعرض لحادث سير، وفي المشفى تبين أنه بكلية واحدة وقد تلفت بسبب الحادث، فلا بد من أحد يتبرع له بكلية، فتقدمت ياسمين للتبرع واجتازت كل الفحوصات الطبية المطلوبة لهذه الغاية دون علم الأم شمس وجورج، ولم يكن سيف يعلم بذلك، فأي إيثار وتضحية من هذه ال(ياسمين)!؟ وحينما كانسيف تحت تأثير المخدر لم يكف لسانه عن التلفظ ب( الساقطة)، وأفاق بعد حين من التخدير وأعلموه بما حصل فتأثر جداً وأحس بالندم، وفي تلك الأثناء ساءت صحة ياسمين وشارفت على الموت وكانت تدعو لسيف بالشفاء؛ فأي عاشقة هذه ال( ياسمين)!؟وراح يسعى ليلقاها ويعتذر لها عمّا بدر منه ولكن لات حين ندم، لقد وصل متأخراً، الوجوه واجمة والعيون دامعة، وياسمين ممددة على سريرها بعد أن فارقتها الحياة.
تكشف هذه الرواية الرائعة عن علاقات اجتماعية انسانية متشابكة ومعقدة، ولقد اتقنت الروائية السيايدة حبْك خيوطها بلغة سليمة بالغة الدقة في سبكها، وفيتصويرها لأدق الحالات النفسية ورصدها الفني الجميل لتفاصيل الأحداث وسردها بدون ملل ولا خلل.
بنت الأديبة السيايدة روايتها على آلية سرد واحدة قادتها إلى إحكام قبضتها على مسار أحداثها وحركة شخوصها، فكانت على شكل رسالة طويلة وجهتْها لصديقتها روز ورصدت فيها كل ما جرى لها من لحظة بَدْء نكبتها إلى أن قررت الذهاب للمشفى للتبرع بكليتها لسيف، وطلبت منها أن تحتفظ بها فإذا رجعت إليها أخذتها وإذا لم ترجع فعلى روز إتلافها دون أن تقرأها، وانطلقت ياسمين للمشفى وانشغل ذهن روز برسالة صديقتها وفي غفلة منها وقعت الرسالة على نار أمامها فاستنقذتها وراحت تقرأها بفضول.
خلاصة الأمر..
ظهرت ياسمين في هذه الرواية تلكم الشخصية النسائية الجامعة والتي التقت فيها كل صور المرأة/ الطفلة البريئة والمراهقة ذات الأحلام العريضة والشابة التي وأدت نار الحرب كل طموحاته وقدمتها لمحرقة(الكرسي) ببساطة، واللاجئة المتشردة واليتيمة المحرومة من كل شيء والمطعونة في شرفها وسمعتها، والمرأة محل الشفقة، والمرأة المعشوقة والعاشقة، وبمعنى أكثر وضوحا تتجلّى صورة ياسمين في الرواية حينما نصفهاب( المرأة الضحية).
وكانت صورة الأم شمس تطفو على سطح الرواية مثالاً للمرأة المحبة للخير ولزوجها، والبريئة والمَستغَلة لطيبتها، وصورة أم ياسمين التي حاولت أن تظل على قيد الحياة حينما ظهرت يدها الممدودة والمتوسلة تحت ردم حلب، وأما صورة أم سيف فقد كانت سيدة غارقة في الهموم والأوجاع،وحسب التعبير المصري الدارج»غلبانة»، خذلها المجتمع فأرداها الشيطان في حبائل الرذيلة، فرسخ في ذهن ابنها البريء/ سيف بأنها ساقطة، وحينما لم تتحمل المسكينة هذا الركام الاجتماعي الذي حطّ فوق رأسها جُنّت.
تلتقـي ياسمين وصديقتهـا روز بأصـل اسميهمــا(الورد)، وليس هناك أجمل من الورد للتعبير عن الحياة والبراءة والجمال، لكن الظروف الصعبة جسدت في حياة الصديقتين كل معاني الوحشية والكره كمن يقطف الوردة ويشمها ويرميها تحت الأقدام.
كانت رسالة ياسمين لروز بيان إدانة للظلم الذي وقع على الشعوب التي اكتوت بنيرانه بسبب الأنظمة المتجبرة، وسطوة كراسي الحكم على عقول الحكام وشهوتهم القاتلة في اغتصاب الفرح والسعادة والأمان التي تتشوق لها شعوبهم.
فإذا كانت الروائية السيايدة لا تريد الإفصاح بطريقة مباشرة عن فضح ما يدور في أقطار أمتنا فإنها أزاحت اللثام عن وجه الظلم بطريقة غير مباشرة، وجعلت من صورة ياسمين موقفاً لها كأديبة جرّاء ما يحدث في منطقتنا من مآسٍ وما يسيل من دماء.