Thursday 22nd of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    29-Sep-2020

مخلد بركات: في أعماقي شاعر.. خنقه السرد في مصباح صدئ

 الدستور-حاوره: عمر أبو الهيجاء

«المبدع من الضروري ألا يكرر نفسه، وأن يقدم دائما المبتكر والجديد»، هذا ما ذهب إليه الروائي والقاص والكاتب المتنوع مخلد بركات، مؤكدا أن معظم أعماله الإبداعية جاءت بشكل كبير من وحي الطقوس الرعوية الجميلة، لافتا النظر إلى أن القصة القصيرة ظلمت بسبب الهجران لها من العديد من كتاب السرديات وولوجهم عالم الرواية.
في هذا الحوار نتعرف على جوانب مهمة للمنجز الإبداعي لبركات وقضايا إبداعية أخرى.
 
* الروائي والقاص مخلد بركات، أصدرت مجموعة من الأعمال الروائية والقصصية ونصوص المكان، والأفلام الوثائقية والإعداد للبرامج التلفزيونية، أين تجد نفسك التنوع والزخم الإبداعي؟
 
- أجد نفسي في كل هذه الحقول، من منطلق شغفي بها، وما حصل معي هنا هو التدرج والانتقال السلس من حقل إلى آخر، فمثلا بدأت أول المشوار الإبداعي بكتابة القصة القصيرة، حيث صدر عملي الأول «رجل في الظل» عام 2001، وتتابعت بعده الأعمال القصصية، وكنت سعيدا في خوض غمار عوالم الإبداع القصصي بحكم قراءاتي العديدة لأعمال محلية وعربية وعالمية رائدة، وربما تأسست الذائقة الإبداعية منذ وقت مبكر من عمري، إذ كنت أقرا ليوسف إدريس، وتأثرت برائعته «أرخص ليالي»، و»جمهورية فرحات»، وبأعمال زكريا تامر، وغي دو موبا سان الفرنسي، وأشهر كتاب الكابوسية الألماني فرانز كافكا، وغيرهم الكثير، وحينما تتطور أدوات المبدع وتتوسع قراءاته وتجاربه يحتاج عندها إلى وعاء إبداعي أوسع، وذي مدى بعيد، وهذا ما جعلني أكتب الرواية، لأن القصة شوطها قصير، ومختزلة بعكس الرواية التي تتسع لعوالم ومشهديات وقضايا، وتجريبات تكنيكية متعددة في السرد، بعد هذه المرحلة استهوتني الكتابة المكانية لقرى أردنية زرتها وعواصم ومدن في هذا العالم الفسيح، ابهرتني ووجدتها نماذج لقصة الكون والحياة، ومواجهة الإنسان للمصير، والقدر، المكان له حكاية في جوفها الإنسان والزمان، متوالية ثلاثية الأبعاد، متداخلة في نسيج من الوئام والصراع، فأصدرت ثلاثة أعمال مكانية، هي «خشم العقاب» و»أمواج البدايات»، وسلالم الغيم» التي تناولت بها قصة عمان عبر العصور، وربما عشقي للمكان وتجربتي الكتابية حوله دعتني للكتابة الوثائقية التلفزيونية، فكتبت عشرات الأفلام الوثائقية حصل بعضها على جوائز عربية، وكتبت السيناريو لعدد من الأفلام  «دراما وديكودراما»، والعديد من البرامج التلفزيونية كمعد، وهي تجربة أضافت لي الكثير، بالمحصلة تنوعي في هذه الحقول الإبداعية؛ الكتابية والدرامية، صقل تجربتي على نحو كبير وأمدني بالعزيمة والإصرار على تجويد الإبداع،  والقراءة المتأنية للنصوص والحياة، وفهمها وسبر أغوارها كمنقب يبحث عن المغاير والمختلف، فالمبدع من الضروري ألا يكرر نفسه، وأن يقدم دائما المبتكر والجديد.
 
* روايتك «بندورة الحيّة» اشتغلت فيها على رصد التفاصيل الشعبية الفلكلورية للقرية الأردنية وأسطرتها، متخذا من التناص والموروث الديني والشعبي البناء الحكائي، إلى أين استطعت أن تتمثل هذه التوظيفات في السرد؟
 
- بحكم قرويتي الموغلة في الروح، أغلب أعمالي كانت القرية فيها تلعب دور البطولة، وبخاصة قرية الرباحية الشمالية/ وادي السير، غرب عمان التي ولدت فيها، فهي شكلت الإرهاصات الإبداعية الأولى، فالإنسان ابن بيئته ومحكوم سيكولوجيا بشروطها وأحداثها، هذه القرية كانت وما زالت شريانا يمددني بالسؤال، وبالتنقيب عن الجمال الفطري، ولأنني وبخاصة في فترة الطفولة المبكرة مارست طقوس القرى، وهي طقوس بدائية شكلت وجدان الناس، ووجداني، إلى حد أنها تسربت في معظم أعمالي السردية القصصية والروائية، حتى أن روايتين لي «الحرذون» و»بندورة الحية» جاءتا بشكل كبير من وحي هذه الطقوس الرعوية الجميلة، وحتى في رواية «ماندالا» كان الدكتور صلاح العواد أحد شخوص الرواية يمثلني ويتقاطع معي وبلا وعي مني، حملته شخصيتي، شخصية القروي ذا الأصول البدوية، وتجربته الحزبية والحياتية، القرية الأردنية عالم مركب من الرموز والدلالات وإن ظهر عالم بسيط ولا تعقيدات فيه، في هذه الأعمال نبشت عن الموروث القروي، والأساطير والحكايات الشعبية قمت بغربلتها ودمجها في المتن الحكائي والسردي، ربما هذه المزج لم يكن مباشرا، حتى لا يكون العمل مجرد توثيق وأرشفة، خلقت منه عالما موازيا للعوالم الروائية الأخرى بأبعاد إنسانية وجودية، وفكرية، القرية وتناقضاتها وخرافاتها مع التفاصيل الكونية الأخرى، تتقاطع معا في توليفة روائية غرائبية، ولكي أذهب بالدلالة ناحية العمق وكشف المستور، جربت التناصات مع الكتب السماوية والموروث الشفهي والتراث العالمي، ومع أعمال ريفية من مختلف الثقافات، كي تفتح هذه التوليفة أفق الدلالة، وتخلق عالما آخر، مسحورا وفيه ما فيه من الفنتازيا واللامعقول.
 
* يلاحظ القارئ لمجموعاتك القصصية ثمة الاشتغال على ما يشبه التوليفة ما بين الرواية والقصة وحتى كتابتك للأفلام السينمائية بأسلوب سردي ولغة شعرية متقنة، ماذا عن هذه العناصر  والتوليف بين هذه الأجناس؟  
 
- يقول النقاد عني دوما هذا، إنني أمزج بين مختلف صنوف الإبداع، وأن اللغة الشعرية أبرز سمة تصف أعمالي، حتى في النص الوثائقي، ربما هذا الكلام صحيح إلى حد ما، أنا أؤمن بالتجريب والحداثة في الكتابة، لأن العالم كسر الفواصل والحدود بين الأنواع الإبداعية، عالمنا اليوم يشهد تطورات متسارعة في كل الاتجاهات وبخاصة في مجال وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وفي الرقمنة، فظهر حديثا موضوع الأدب الرقمي عن طريق النت، فنسمع بالرواية الرقمية والقصة الرقمية، وما يتداخل فيهما من مؤثرات صوتية وبصرية، هذا هو العالم تجارب جديدة وتطورات ملحوظة، ربما هذه التكنيكات أثرت في كتاباتي وجعلت هذه التوليفة حاصلة، ربما البعض لا يروقه هذا التداخل، ولكن هي ضريبة العالم الجديد.
أما بخصوص شعرنة النص الإبداعي ربما السبب يعود لتركيبتي السيكولوجية كوني نشأت في بيئة قروية فيها مقومات الطبيعة الجميلة وموسيقاها، وربما لأن في أعماقي شاعر لم يولد، خنقه السرد في مصباح صدئ، في مغارة بعيدة، ينتظر علاء الدين.                                                                                                 
 
* يقال بأن القصة القصيرة لم تبنِّ على ما بدأه الرواد وظلت ترواح مكانها.. كيف تنظر على الطرح؟
 
- لا أعتقد أنها تراوح مكانها، ربما ظلمت، بسبب الهجران لها من العديد من كتاب السرديات وولوجهم عالم الرواية لأسباب عديدة، القصة القصيرة في العالم شهدت تغيرات شانها شان أي نوع كتابي، القيم تغيرت والمفاهيم تغيرت، فكيف بالقصة القصيرة، فقد نالها نصيب من تسارع هذا العالم، فنجد اليوم أشكالا تجريبية غيرت من بنية  القصة القصيرة، مثلا القصة القصيرة جدا، أو قصة الومضة ما هي إلا جيل محسن من القصة القصيرة ينماز بالاقتصاد اللغوي والتكثيف والترميز، تجاوبا لدخول العالم عصرا جديدا من السرعة والاقتضاب، كما تطورت أشكال التكنيك السردي للقصة تأثرا بالسينما والتشكيل البصري واللوني، فنجد تقنيات الكولاج، وتكسير السرد، وتهشيم المكان والزمان، أي لم تعد لعبة القصة القصيرة اللعبة الكلاسيكية ذاتها، هناك تطور ملحوظ في الثيمة «المحتوى» وفي الشكل والتكنيك.
 
* فازت أفلامك التلفزيونية بأكثر من جائزة محلية وعربية، برأيك ماذا تعني الجوائز  للمبدع؟
 
- الجوائز عموما لا تعكس عبقرية الأعمال الأدبية والدرامية التي تفوز، هناك أعمال تفوز من منطلقات أخرى غير الإبداعية والتميز، ولكن بالعموم الجائزة هي تقدير للعمل وصاحبه، وفيها إشهار للعمل وترويج له، كما تعطي الكاتب معنوية وهي بمثابة الدافع أو الحافز للكاتب كي يحافظ على مهنيته الكتابية ويطور نفسه للأفضل، لقد فازت خمسة من أفلامي الوثائقية بجوائز عربية من مهرجانات تلفزيونية وإذاعية في العديد من العواصم العربية، آخرها كان فيلم «المرابطون» الذي يحكي قصة الرباط والصمود لدى المقدسيين ضد وسائل التهميش والترحيل التي تقوم بها سلطات الاحتلال، حاز ذهبية مهرجان اتحاد إذاعات الدول العربية في تونس.
 
* الإبداع والنقد، مخلد بركات كمبدع كيف تنظر إلى المسطرة النقدية محليا، وهل أنصفك النقد؟
 
- النقد عندنا يعاني من تشوهات عديدة طالت المشهد الثقافي برمته، منها الشللية والمعارف والمحسوبية، إضافة إلى أن الحركة النقدية الأردنية عاجزة عن الغربلة والفرز ومتابعة الإصدارات والكتابة عنها بموضوعية وحيادية بعيدا عن بريق اسم المؤلف، ولكن هذا ليس بالمطلق هناك نقاد رائعون وأكاديميون يتناولون العديد من الأعمال الصادرة بمنتهى الشفافية والنقد البناء بعيدا عن التزلف والاسترضاء، ولديهم خط واضح ومنهجية راقية وعميقة في النقد، ومن جانب آخر هناك من يدعي النقد، وهو لا يمتلك الأدوات النقدية الكافية والناضجة، حتى اطلاعه على التراث النقدي العربي قليل، وعلى مدارس ومذاهب النقد، فنجده يؤلف أعمالا نقدية بائسة لأعمال إبداعية بائسة أيضا، وربما هذا ما خلق لونا بائسا في المزاج الإبداعي وفي الحركة الثقافية عموما.
بخصوص أعمالي التي صدرت فقد كُتبت عنها العديد من الدراسات النقدية، لكنني مثل غيري، ربما لم ينصفنا النقد.