Thursday 29th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    30-Sep-2020

بَيَانُ الْفَرَاغِ… مِنْ أَجْلِ أُفُقِ شِعْرِيٍّ مُخَاتِلٍ

 القدس العربي

بَيَانُ الْفَرَاغِ… مِنْ أَجْلِ أُفُقِ شِعْرِيٍّ مُخَاتِلٍ
 صالح لبريني
 
 0 حجم الخط
(1) الْفَرَاغُ سَيِّدُ التَّمَرُّدِ وَرُبَّانُ الْمُغَايَرَةِ:
 
تتخلَّق الكتابة من تُرْبَة الذات، وتنْمو مُجْترِحة أفق حياتها على البياض، ناصبة فِخاخ السّحر النابض بالتّيه في مسارات مَحْفوفَة بِدهْشة البحث الأبدي عن الكينونة. و تتجذّر في مفاصل الحياة بجعل الشعر نثرا والنثر شعرا، لا فُصَامَ بين الشعر والنثر، فهما يشكلان كونا واحدا مُوَحّدا مُتوحّدا، ومُوهِمٌ مَنْ يعتقد خلاف هذه الحقيقة، تلك هوية الشعر المغربي المعاصر،وذلك بعد الاختلاف عن الآبامن حيْث الرؤى والتجارب، وحيْث تجاوز الأشكال البائتة والمعايير الثابتة، فهو شعر يتولّد من الفراغ. فالفراغ سيّد هذا الشعر وامتلاؤه، ولا ضَيْرَ مِنَ الجمع بينهما بوصفه نابعا من المفارقة ومولودا بأرخبيلات مترامية الأطراف. فلا معنى لهذا الشعر إلا داخل منظومة الفراغ المليء بالمكابدة والاحتراق، التأمل والسيْر بخطى وئيدة صوب ذاك المنسيّ في اللاوعي.
فالوعي بالفراغ خروج عن الطاعة، وتمرّد على أنظمة شعرية مُستبِدّة، وحفْرٌ عميق في طبقات المنسي من الذاكرة وبَحْثٌ أبدي عن المختلف في التجربة الشعرية، ومطاردة الخيالات الآفلة من أجل القبض على المنفلت والغامض والملتبس.
 
الْفَرَاغُ سَيِّدُ التَّمَرُّدِ وَرُبَّانُ الْمُغَايَرَة
 
هذا الفراغ نقيضُ الإنشاد، الصَّدى ، المطابَقة، المماثَلة،المؤالَفة، و الوحْدة. مُؤمِن بالتعدّد والاختلاف الصَّمت والحواس و الصَّوت. إنّه شعر يُمارِس الخَرْق داخل التنوع والتغيّر، بِصِفَتِهُ التحوّلية لِيَحْفِر جغرافيات إبداعية جديدة ، لايبحث عنْ سَنَدٍ في الماضي ولا ينفصل عنه، بل يجاورُه وفي الوقت يتجاوزُه، جدارة وجوده في حضوره وامتداده في المستقبل، مستمِدّ ديْمومَته من هذا المُبْهم المُسلِّط عتماته على الوجود، لا يقيم في جبّة الأسلاف ولا الأخلاف، هو وليد لحظته وراهنيته المنبثقة من جوانيته،و يشترع حوارا عميقا، مُنصتا ومُصغيا لدبيبه وهزّاته، لإبدالاته ،مُوسّعا تراث الماضي ببلاغة جديدة تعجن أساليبها بماء التحوّل والإضافات، لذا نجد فراغه محمّلا بأكثر من معنى ودلالات.
إن الفراغ المهول، الذي ينظر إليه من لَدُنِ دعاة النَّمطية تُّجَاهَ النَّصّ الشِّعري، لا يعبّر إلا عن قِصَرِ النَّظر وعماء البصيرة، ففي الفراغ امتلاء وطراوة وطزاجة شكلا ومعْنى، ولا حياة في المعنى إلا في إطار هذا الفراغ الذي يُقعّد لبداية الشعر الخالص والمتخلّص من الوضوح والسطح، والحامل لمحمولات مفارقة للذائقة المتسيِّدَة الجامدَة، حساسية ورؤى. لأن السّطح يُواري العمق ويُضمرُه، لهذا فالشاعر يغوصُ في المهاوي العميقة للكائنات والأشياء للكشف عن الظاهر الجلي البسيط المُترع بالعمق، من خلال، لغة واعية بِقُدْرَتِها على الشَّرْخ والتَّفتُّق من العتمات، ضوْء يُنير دهاليز الذات ومغالقَ الوجود. وعليه فهذا الشعر، كتجربة وممارسة، يجمع بين الواضح والمبهم، الغريب والمنسي، السّهل الممتنع،المتعدّد والمُتشظّي، يبتعد عن الحضور والأضواء ويقترب من الظلال والغياب.
الْفَرَاغُ لُغَةٌ الاِمْتِلَاءِ وَصَنِيعُ اللّانِهَائِيّ، وَبَلَاغَةٌ تَضُخُّ الْأَلْفَاظَ وَتُوَسِّعُ الْمَعَانِي بَعِيداَ عَنْ الْأَسَالِيبِ الْمَسْكُوكَةِ، وَتِلْكَ أَبْجَدِيَّةٌ ثَانِيَةٌ.
 
لقد آن الأوان لجعل هوية الشعر المغربي المعاصر أكثر امتلاء للاحتفاء بالحياة في بساطتها وتعقيداتها، ونافضا عن الذّات غبار الصدى الآتي من البعيد النّهائي، ليبتدع تجربته بعيدا عن الاجترار، ومنخرطا في التجاوز والإبداع لمعانقة اللانهائي.
 
(2) الْفَرَاغُ أُفُقٌ شِعْرِيٌّ مُخَاتِلٌ:
 
فالفراغ اعتراف بأحقية البياض بالامتلاء، والحفْر والتَّشكيل واقتراح رؤى تنْهل من المهمش والمهمل، من البسيط في اتجاه المركّب، من الواحد إلى المتعدّد، من العماء الأفقي إلى البصيرة العمودية المتّجهة صوب الومض والخفق، والخوافي المعتمة، وهنا مكْمن الانتعاش الشّعري حرارة وتجربة، كشْفا ومغايرة. لقد آن الأوان لجعل هوية الشعر المغربي المعاصر أكثر امتلاء للاحتفاء بالحياة في بساطتها وتعقيداتها، ونافضا عن الذّات غبار الصدى الآتي من البعيد النّهائي، ليبتدع تجربته بعيدا عن الاجترار، ومنخرطا في التجاوز والإبداع لمعانقة اللانهائي. والفراغ المقصود به تلك الهوّة الفاصلة بين السّاكن والمتحرّك، بين الصدى والصوت، بين المعلوم والمجهول، بين المحدود واللانهائي، بين العتمة والنّور، بين الجانح صوب الماضي والجامح صوب المستقبل. وفي هذه الهوة يتحقّق الخلْق ويتم اشتراع أفق كتابة يحتفلُ بعلاقة الذات واللغة، و علاقة اللغة بالاحتمالات الجمالية، وعلاقة المجتمع بأسئلة الراهن وصوْغها في سبائك اللغة المعبّرة عن هذه الذات والمُشكّلة لمعالم الكون، بوساطة ذاكرة تخييلية متجذّرة في المفاجئ والمباغث، والسّفر في أرض الشعر الممتدّ في تخوم اللانهائي، الّذي يَحُفّ الوجود والموجودات.
إن الشعر المغربي المعاصر ، منذ الرواد إلى اللحظة الراهنة، يعيش غربة قاسية نّاجمة عن هيمنة الذهنية المتكلّسة، المقيمة في ذاكرة النشيد، والمؤمنة بهويّة القوالب الراكنة والراكدة، والمغتربة عن ذاتها، بوصف الذات حاضنة للغة المشتركة، وللمتخيّل الممتد في تاريخها وحضارتها، وللكلام المنبثق من صلب التجربة،رغم مظاهر التحديث الشعري. هذا الشعر المُثقل بصدى المُثل القبَلية والخاضع لنسق ثقافي مسوّر بالتّصلُّب والتّكلُّس، يُواجه محنة القراءة النقدية المبتسَرة. ذلك أن مناولته كانت تقتصر على تداول الجوانب الشكلية، والتركيز على أساليب البلاغة المختزلة، ممّا يخنق صوت الشاعر ويذوب في صدى النشيد،لكون الممارسة النقدية اتّسمت بالقُصور في نظرتها للنص الشعري نظرة لا ترى فيه إلا شكله المتآكل والبالي، فعاش الشاعر المغربي المعاصر حياته الإبداعية محاصرا بهذه الرؤية، التي تحُول دون اجتراح الممكن للقبض على الكائن من لدن الشاعر. إلا أن هذا الواقع سيعرف إبدالات ستصيب الذائقة الشعرية الســـائدة بنوع من الارتبــــاك والإدهــاش،من خلال، الإتيان بالخلْق والتّجديد لشعراء آمنوا بعقيدة التخطي والتجاوز، ليعرف المشهد الشّعري تحوّلا واضحا شكلا ومحتوى، فلم يعد الشعر مرتبطا بالقضايا الكبرى، وإنما جدّد فيها وأضفى عليها مُسوحاتٍ تكشف صوته الخاص، وتشــــكيلها (أي القضايا الذاتية والكبرى) وفْق رؤية للذات وللعالم وللكتابة.
الْفَرَاغُ فَتْحٌ وَكَشْفٌ وَاجْتِرَاحٌ لِأُفُقٍ شِعْرِيٍّ مُخَاتِلٍ، الْفَرَاغُ عَصِيٌّ عَنْ الثّابِتِ وَخَاضِعٌ لِمَشِيئَةِ التّحَوُّلِ، الْفَرَاغُ تِلْكَ الْكِتَابَةُ الْبَيْضَاءُ الْعَاصِيَةُ عَنِ التَّسْوِيدِ وَالتَّحْدِيدِ. الْفَرَاغُ مُغَايَرَةٌ أَبَدِيّةٌ تُؤَسّسُ لِأَبَجَدِيّةٍ الِاحْتِرَاقِ/ الْقَلَقِ/ السُّؤَالِ. الْفَرَاغُ اِنْتِحَالُ الْعُمْقِ وَلَفْظُ السَّطْحِ. الْفَرَاغُ إِيقَاعٌ جَدِيدِ لِشِعْرٍ مَغْرِبِيٍّ مُفَارِقٍ وَمُخْتَلِفٍ.
 
(3) الْفَرَاغُ اِلْتِباسٌ وَمُغَايَرَةٌ:
 
الكتابة منذورة للفراغ و الامتلاء في آن، فهي ليست جريرة أو خطيئة مُحرّمة منبوذة، تفرض سُلطتها على الذات والعالم، وإنما هي تمثيل للتجربة داخل الحياة، واستشراف لحياة المجهول،واستقدام المستقبل باللغة والخيال والمتخيّل، فبدون هذه اللعنة لا تستقيم دورة الإبداع الطبيعية، فَبِهَا يتِمّ عقْلنة ( من العقل) المحسوس وحسّية المجرّد، وهذا ما نلحظه على مستوى تجارب الشعراء المنسيين قراءة ونقدا، فهم بلا رعاية نقدية، يبدعون ولا يلتفتون ولا يكثرتون برحمة الأب الناقد. فاليُتم النقدي ميْسم عطّل ولَجَمَ دينامية النص، وكبَحَ جِماح حيويته، بالرغم من بعض الحضور النقدي المحتشم، فجعلتْه يعيش اغترابا مزدوجا، جرّاء مقاومته للذهنية الكلاسيكية وغياب ممارسة نقدية جديرة بهذه التجارب الشعرية المؤسّسة والمتحرّرة من عُقدة الشّكْل والخالقة لمعانيها المعبّرة عنها ، فهذا الغياب ضاعف من محنة الشعراء، وزاد من غربة النص. فالكثير من الجماليات الشعرية المعجونة بماء خيال الرواد ومَنْ تبِعَهم في الغواية البهيجة المترعة بالحياة والكشف، وبابتداع متخيّل شعري مفارق ومخالف للشّائع، لم يُسلَّط عليها الضّوء لإضاءة عوالمها المتخلّقة من نار الكتابة ومكابدات التجربة. وعليه فممارسة نقد الشعر المغربي المعاصر، وتحديدا تجارب شعراء التسعينيات، تتّسمُ بظلم نقدي مُجحف وقاسٍ، وهي تجربة لأصوات متخفّفة من كل الالتزامات الإيديولوجية، صانعة لصوتها الإبداعي العميق، المتأصّل في أرض الشعر الجدير بالحياة، وخالقة لنص شعري معبّر عن كينونة متشظية، منبوذة نقديا، فُرضتْ عليها الإقامة في مواقع متباعدة، والانكماش حول الذات وإعطاء مسافة من القضايا الكبرى، التي سرَت في شرايين التجارب الشعرية السالفة، ناحتة صوتها الشعري بإزميل الحياة وتفاصيلها الصغيرة، حيث الذات مجرّة تسبح في فضاءات كونية للتأمل والتّألّم، للتّرحال في الأعماق ومجابهة شراسة اللامعنى. فحياة التجربة تكتمل بالنقد، وفي غياب النقد تموت هذه التجربة .
ففي غياب المعنى لم يكن أمام الشاعر المغربي سوى الانخراط في مغامرة محفوفة بمخاطر الفقدان والهشاشة، التشظّي والتّمزّق، البشاعة وإقصاء العقل، وسيادة النّقل،و الفوضى بتجلياتها المختلفة.
إِنَّ الْفَرَاغَ الَّذِي لَا يَقُودُ إِلَى الْمَهَاوٍي سِمَتُهُ النُّقْصَانُ، وَالَّذِي لَا يُشْعِلُ الْمَعْنَى فِي قَلْبِ اللَّامَعْنَى عَمَاءٌ. وَلَا يُضِيئُ عَتَمَةَ التَّجْرِبَةِ وَلَا يَكْشِفُ خَبَايَا الرُّؤَى وَلَا يُثِيرُ الْأَسْئِلَةِ، وَلَا يَصِلُ تُخُومَ اللَّانِهَائِي فُضْلَةٌ زَائِدَة. الْفَرَاغُ الْأَجْدَرُ بِالِامْتِلَاءِ هُوَ فَرَاغُ الِالْتِبَاسِ وَالْمُغَايَرَةِ.
 
إنّ شعرية الكتابة لن تتأتى عن طريق الاحتذاء، بل تتحقّق انطلاقا من التوظيف الأمثل للغة، وبالخروج عن أوهام الوثوقية التعبيرية الساذجة، والدخول في حقيقة الذات والتباساتها، وذلك في إطار علاقتها بالعالم، فحياة اللغة في الذات وليس في المعاجم
 
(4) الْفَرَاغُ تَحْرِيرٌ لَا تَكْرِيرٌ :
 
إنّ شعرية الكتابة لن تتأتى عن طريق الاحتذاء، بل تتحقّق انطلاقا من التوظيف الأمثل للغة، وبالخروج عن أوهام الوثوقية التعبيرية الساذجة، والدخول في حقيقة الذات والتباساتها، وذلك في إطار علاقتها بالعالم، فحياة اللغة في الذات وليس في المعاجم، ذلك أن الذات، في سياق التجربة، تُبدع لغتها وتثوّرها بشحنها بطاقة تخييلية مُنْزاحة عن اللغة العادية/ الطبيعية،شعرية تُبْدِع معجمها الخاصّ بها، وتفتح أفق كتابة لها نَفَس إيحائي يحقّق لها وجودها الاستعاري المختلف مع الوجود الحقيقي، فالشاعر يصنع وجوده الاستعاري بلغة الانزياح/ العُدول، ويجدّده عبْر إضفاء صبغة مجازية نابضة بتفاصيل الحياة، وهشاشة الكائن، والحلم بالممكن، ومطاردة المستحيل. من هنا يشكّل الشاعر زمن الإبداع المتغيّر، والمتجاوز لراهنية مفتعلة، بوصف الشعر ضد الراهنية، ومع البحث عن الديمومة. شعر لاإقامة له إلا في اللامكان، فهو عدّو التحديد، في اللاهنا كينونة الشعر قاصرة، و في اللاهناك تولد وتتجدّد هذه الكينونة بمُتاخمة ميتافزيقا الحيرة وسؤال الماوراء.
هنا نحتفي برؤية جديدة منفتحة على سؤال الذات والعالم، لا حدود فاصلة بين هذين المقوّمين في أي تجربة شعرية، رؤية تجعلها (التجربة) أكثر حضورا بطزاجتها وطراوتها على المستوى الاستعاري، للحفاظ على طاقتها الإبداعية. هذا التصور في الكتابة مقصديته عدم السقوط في فخاخ النّسخ الشعري، الذي غَدَا دمغة الشعرية العربية، حتى اختلط الحابل بالنابل في التمييز بين التجارب القمينة بالحياة، الأمر الذي يحتّم علينا النظر بعين الريب والشّك لهذا المتن الشعري، الذي كثر شعراؤه وقلّ فيه ماء الشعر ، وتلك قضية أخرى تحتاج إلى أكثر من وقفة، وهي مهمة النقد الغائب. ولابد من إضافة معطى مهم يكمن في أن هذه الرؤية تحمل المغايرة للذات باعتبار كونا متحرّرا من أغلال الخارج ومن القمع كأداة للشللية، فتحرير اللغة والتخييل من تحرير الذات.
الْفَرَاغُ تَحْرِيرٌ لَا تَكْرِيرٌ، اِنْبِجَاسٌ مِنْ قَيْدِ الْجُمُودِ لِمُعَانَقَةِ جُمُوحِ الْخَيَال، وَمَعْصِيَةِ الْمَجَازِ. مُغَايَرَةٌ لَا مُطَابَقَةٌ. انْطِلَاقٌ فِي اتِّجَاهِ الْيَقَظَةِ الْمُتَوثِّبَةِ، يَقَظَةِ الْحَوَّاسِ وَتَشْكِيلِ الْعَالَمِ.
 
(5) الْفَرَاغُ إِدَانَةٌ لِلْغِيَابِ:
 
إنّ مسار الشعر المغربي المعاصر متميّز بهذه الانتقالات الفردية وليست الجماعية، فكل شاعر يؤسس لتجربته بعيدا عن الآخر، وفي هذا تنجلي الفردانية الشعرية -إن صح القول- وتتمرأى صورة التجارب على مرايا متشظية تبرز التعددية المختلفة، التي تعكس حيوية الشعرية في الممارسة الشعرية بالمغرب، والمعبّرة عن اختلاف وتعدّد الروافد المعرفية والشعرية، التي تنهل منها التجربة الشعرية بالمغرب، مما يؤكّد على أن هذه الشعرية لم تعد خاضعة لتأثيرات المشرق العربي، كما كان سائدا في منعطفات الشعر المغربي المعاصر، بل إنّ غناه وثراءه في هذا التعدّد المغاير ، وفي هذا الاختلاف على صعيد المتخيّل المختلف المُسْتَلْهَم من ثقافات وتجارب أخرى.
إنها كتابة شعرية زاخرة بصوت الذات المقيمة في حافّة النسيان، والقابضة على جمر الإبداع، والمنفية من دائرة النقد، والمُكَابِدَة لظلم ذوي القربى شعراء ونقادا. كتابة تحتاج إلى أكثر من مبادرة لِنَفْضِ غبار التهميش والإقصاء، وذلك بالقراءة الواعية والمدرِكَة لمفاصل هذا الشعر المشعّ بالجمال والخلْق والإبداع، والمَوسوم بالْخَرْق المُسْهم في إغناء التجارب السالفة وتجسير عُرْوَة القرابة الشعرية،خَرْق مؤمن بالاتصال ونابذ الانفصال.
الْفَرَاغُ إِدَانَةٌ لِلْغِيَابِ،اِمْتِلَاءٌ لِلْحُضُورِ، وَرَغْبَةٌ فِي إِثَارَةُ سُؤَالِ الشِّعْرِ الْمَغْرِبِيِّ الْمُعَاصِرِ، وَإِضَاءَةٌ لِهَذَا الْمُعْتِمِ فِي هَذَا الْمُنْعَطَفِ الْمَلِيءِ بِالصِّرَاعِ مِنْ أَجْلِ الْوُجُودِ، وَمُقَاوَمَةِ حُرَّاسِ التَّوَابِيتِ، وَكَهَنَةِ الْقَوَامِيسِ، وَأَعْدَاءِ أَبَدِيةِ الْحَيَاةِ فِي اللُّغَة.