Sunday 17th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    28-Dec-2020

عن رواية «البحار» وعن هاشم غرايبة

 الدستور-رنا حتاملة/ فنانة تشكيلية

 
كنّا نودع الربيع في الشمال، ينتظرنا صيف جديد في عام 2019. إنه بالتأكيد العام الذي مضى..
 
حظيت بدعوة من مركز إربد الثقافي، لحضور أول اجتماع يلتقي به مثقفو إربد لبدء مشروع قد طرحناه «نادي الكتاب».. كتاباً وشعراء وفنانين، وكنت الفنانة الوحيدة بينهم. احتسينا الشاي المنعنع، وكان القرار أن نجتمع في كل شهر على ما اذكر لمناقشة كتاب، بدأنا برواية لمؤنس الرزاز، والتقينا وناقشناها، وثم وقع القرار على رواية البحاّر، لهاشم غرايبة، كنت احتسي الشاي وأردد سؤالي على الحاضرين: من أين لي أن احصل على الكتاب؟ رد هاشم غرايبة: أنا أقرأ pdf من التابلت.
 
قلت: أحب القراءة الورقية، فمن أين لي أن أحصل على الرواية؟ أعدت سؤالي، ثلاث مرات (يمكن أكثر).. ولم أجد إجابه. انتهى الاجتماع.
 
وقفت في الخارج أتحدث مع صديقتي التي اسمها مثل اسمي رنا، أمام بوابة السوكريت للمركز الثقافي، فمر هاشم غرايبة مسرعاً من جانبنا مودعاً بيده ونزل عن الدرجات، أدار محرك سيارته البيضاء منطلقاً. أمسكت موبايلي لاطلب سيارة أوبر .. وما أن مرت نسمة خاطفة، لأرفع رأسي، كان يدخل بسيارته التي أثارت الغبار وأوراق الشجر حولها متناثرة اسفل الدرجات، فتح زجاج سيارته ملوحاً بنسخة الرواية، نزلت عن الدرج ليس بسرعته، سألته: كيف؟.. أخرج قلم حبر من صندوق السيارة ودون إهداءً سريعاً ( إلـــى الفنانة المبدعة رنا حتاملة مع احترامي ومودتي).. وضحكنا
 
ثم مضى بسيارته مسرعاً ومضت الشهور، والشهور، وكانت الرواية والاهداء يستقيمان على رف مكتبتي بين عناوين اخرى.
 
البحّار أنا حي ولا أخاف.. وانا كذلك كما البحار حية ولا تخاف. هكذا كنت اقرأ العنوان محاورة إياه كلما مررت من جانبه.لكنه عنوانا ليس سهلاً!
 
تجاهلت امره لسنة واكثر، حتى استيقضت أنا والشمس صباحاً وهذا كان قبل ايام ، لافتح الفيسبوك، وإذ باشعار لذكرى اللقاء في نادي الكتاب، حيث كانت صورتنا ونحن نحتسي الشاي المنعنع..
 
-إذا أنا حية لا تخاف أيضاً!
 
سحبت الرواية عن الرف، ووضعتها على المكتب لاعود لها في المساء.
 
ثلاث مساءات من التحليق بين الصفحات، أقول تحليق لان القراءة ليست تجرعاً فقط إنما قد تخلق لنا فلسفة الحياة من جديد.. المتعة ثم التفكير ثم التحليق.
 
انها المرة الأولى التي تحدث لي أن لا اشعر بطي الصفحات، كنت كمن تتصفح عبر شاشة التابلت صفحات pdf.. أليس هكذا أراد هاشم غرايبة القراءة.
 
يأخذني إلى صورة الحدث كأن الحوار مشهداً سينمائياً لفلم صعب أن أسرده دفعة واحدة، تفاصيل تشي بشعور ثلاثي الأبعاد. شعور انساني وجودي وفكري.
 
سليم ناجي الثمانيني بكل محاوره في الماضي والحاضر والمستقبل.
 
في هذه الرواية التي تحمل عنوان البحار ( وهم المهربون اللاجئون على الحدود) وانا أقول هو الذي يبحر في الزمن بحنينه، وسخريته، وجرأته، وحنكته، وخياله، وواقعه، وشطحاته، ومغامراته، بين الفقر والثراء، الحر العربي الرمثاوي الذي يتقن ثلاث لغات، اخترق حدود خارطة الأرض، ثائراً، حيّاً لا يخاف.
 
يعتقل في زنزانة ألفها لأعوام وهو مطالب باعترافه حول قضية حفيده أحمد الذي التحق بداعش، حيث كانت آماله وأحلامه تنصب على هذا الحصاد الذي زرعه بذراعيه.
 
كان ينكب في كتابة مذكراته، التي باتت مسيرة العمر المخضمرة بين القمح والأبل والبيت الطيني وفاطمة ورحلاته وعشيقاته ومغامراته في التهريب، ليعود الى طفولته من بائع عوامة لتلميذ في الابتدائية يعنفه استاذه لانه كان يحلم أن يكون زنقيلاً، ويستطرد في كتابته إلى غدر القدر وطائر الشوحة الذي يحوم فوق كل من أحبهم وفارقوه، اخوه وأبوه وأمه، من ثم تحول الموت الى سرطان ليسرق فاطمة زوجته.
 
كل كتاباته في الزنزانه كان يقرأها المحقق104 ليتحول من جلّاد بشري الى قارىء حساس نهم، بينما يقوم الكبير 104 بفرم الأوراق.
 
لا زمن ولا مكان محدد لأحداث الرواية، انها في كل الأزمنة، حيث نجد فيها كل شيء أغنيات سيارات ايفون حقول من بحر السنابل، البيوت الطينية، بناية من الزجاج هرمية، عمان، شلالات نياغارا، الرمثا، الناقة وضحى، وزمن الهربيد والفلافل ...كل شيء نريد ان نتذكره أو فقدناه نستطيع استرجاعه هنا، الا محفظة سليم ناجي..(فالعوض بسلامته)
 
لكننا سنكتشف في كل مشهد فيها أننا نقرأ السليم فينا نحن، من السليم الناجي حتماً( وكيف للحي ألا ينجو؟) تتعدد السليمات في احلامه وهلوساته وقهقهته المستمرة وتتعدد سليماتنا ايضاً في التخيل، اذن كيف يطرد عزرائيل، كل ما مر طائر الشوحة. ويقنع أحمد بالرجوع. هو سليم ناجي بصوت هاشم غرايبة وسيرته التي اثبتت خلود الفكرة، تمنح القارىء التفلسف والمقارنة والتخيل والتحليق.