Tuesday 20th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-Sep-2020

قوة الذاكرة في استعادة ما فُقد

 الغد-بيناي بليند* – (ذا بالستاين كرونيكل) 1/9/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
في مقالته “الاختراع، الذاكرة، والمكان”، يتأمل الراحل إدوارد سعيد مسألة الذاكرة الجماعية: ما الذي يتم تذكره، وكيف، وبأي شكل. وتُظهر كل من رواية سوزان أبو الهوى “ضد عالم بلا حب” (2020) ومذكرات أليشيا إليوت ” Alicia Elliott “عقل ممدد على الأرض” A Mind Spread Out on the Ground (2020) الطرق التي يتم من خلالها استنفار الذكريات -الفردية والجماعية- للتعامل مع الصدمات وتأكيد المقاومة. وعلى وجه الخصوص، تنظر كلتا المؤلفتين إلى التذكر باعتباره أداة قد يستخدمها اللاجئون كحارس ضد المحو والانقراض.
تؤكد إليوت أن “الأشياء التي سُرقت ذات مرة يمكن أن تُسرق لتستعاد مرة أخرى”، وبهذه الطريقة، يتناول كتاب مذكراتها كيف يمكن للذاكرة أن تكون خالقاً لمعانٍ جديدة، وعملية نشطة تضعها في مركز السيطرة. وكما أكدت في إحدى المقابلات، فإن “علينا أن نخمِّن كيفية الملاحة بحقائقنا حول ما يريدونه منا”.
بالنسبة للفلسطينيين، تؤكد الذاكرة أيضًا على الهوية. مثل إليوت، التي تُعنى براعية تاريخ الموهوك، تركز حكاية أبو الهوى على المناضِلة من أجل الحرية، نهر، التي تحكي قصتها -ولكن في هذه الحالة من داخل سجن إسرائيلي. هناك “تريد أن ترويها كما يفعل رواة الحكايات”، وتنسج معًا “الصور، والروائح والأصوات” التي تعطي لتاريخها معنى.
في كتابهما “النكبة: فلسطين، 1948 ومطالبات الذاكرة”، كتب أحمد سعدي وليلى
أبو لغد أن الذاكرة الفلسطينية في جوهرها سياسية من حيث إنها تناضل دائمًا “ضد حاضر متنازع عليه بشدة”. وعلى الرغم من التشريد، ما يزال الفلسطينيون والسكان الأصليون يتذكرون تاريخهم ويفهمون مكانهم في العالم على أساس حقائقهم الخاصة.
بصفتهما تنتميان إلى سكان أصليين يعيشون تحت وطأة الاستعمار، تستخدم أليشيا إليوت، من خلال كتابة الحياة، وأبو الهوى، من خلال القصّ الأدبي، الكلمات كوسيلة لشق طريقيهما، كتابة، عبر مجازات الألم. وتدعي إليوت أن “الاكتئاب يمكن أن ينسلَّ غير مُلاحَظ تمامًا، وأن يعرض نفسه كأنه هو الطبيعي”، وهو ما تعتقد أنه الطريقة التي أثر بها الاستعمار على شعبها منذ الاتصال بينهما.
وتتابع: “الخدَر هو غالباً الطريقة التي يصف بها الناس تجربتهم مع الاكتئاب”، وعلاج ذلك هو تعزيز تقدير الذات من خلال استعادة الثقافة واللغة. “صدمة التنقل بين الأجيال، والعنصرية، والتمييز على أساس الجنس، والاستعمار، ورهاب المثلية الجنسية، ورهاب التحول الجنسي” -كل المشاكل التي ظهرت بعد ذلك الاتصال يتم اختبارها “حرفياً” على أنها “عقل ممدد أو مطروح على الأرض”.
وتشرح إليوت: “الاكتئاب والاستعمار كلاهما سرقا لغتي. ولأن الثقافة تعيش وتتنفس” داخل كلمات الناس، فإن القضاء على لغة عامية معينة تكون له آثار بعيدة المدى على الصحة العقلية. ومع ذلك، فإنها تناضل ضد الاستعمار بالطريقة نفسها التي تكافح بها ضد الاكتئاب، من خلال الدفاع عن قيمة ثقافتها إلى جانب قيمة ذاتها الشخصية.
تكتب إليوت: “كل نفَس أختار أن أتنفسه هو ثورة صغيرة، تمرد ضد القوى التي تخبرني بأنني يجب أن أتوقف”. وبهذه الطريقة تصبح جزءا من إرث مقاومة بعمر قرون؛ من حركة تربط كفاحها بالأرض وبالشعوب الأصلية الأخرى في جميع أنحاء العالم.
“نهر” في رواية أبو الهوى متمرسة أيضًا في كيفية استعادة الحيّز. في حالتها، تستولي على الفضاء في محكمة المستعمِر من خلال الغناء بالعربية لإغراق اللغة العبرية التي لا تفهمها. وكانت رحلتها طريق منفى متواصل؛ حيث لم تمكث في مكان واحد أبداً لفترة طويلة. وفقط عندما تعود إلى فلسطين تشعر بأنها في وطنها، وبأنها واثقة من هويتها.
وأخيرًا، عندما تزوجت بلال؛ شقيق زوجها الأول محمد، تقوم والدتها بتطريز ثوب تقليدي لها لترتديه، وهو عمل مقاومة بحد ذاته. وتشرح أمها: “لقد فكرت كثيرًا في هذا الأمر وقررت استخدام قُطبة الثوب المقدسي. لأنهم يقومون بمحونا من قصتها ومن حجارتها”.
بصفتها راعية للثقافة والتاريخ، تقاوم والدة نهر المحو بالطريقة نفسها التي تقاومه بها إليوت، من خلال تمرير الذاكرة والتقاليد الجماعية. وتجعل دروسها ابنتها نهر تقف بثبات بعد اعتقالها. وبينما تكون محبوسة في زنزانة الـ”مكعب”، وهي زنزانة انفرادية ابتكرها عقل الاحتلال، تشعر نهر بأنها سُلبَت من كل المشاعر. تكون “المكعب”، المقطوعة تمامًا عن العالم الخارجي، “مجردة تماماً من الوقت”، الذي يحل محله “امتداد متثائب لشيء بلا اسم، بلا حاضر أو مستقبل أو ماض”، والذي تملؤه نهر بـ”حياة متخيلة أو متذكَّرة”.
مثل إليشيا إليوت، تقاوم نهر الاكتئاب من خلال استعادة حياتها. وفي إحدى المقابلات، قالت أبو الهوى إن بعض ذكرياتها المبكرة هي عن “أشخاص مخلوعين من المكان”، والذين يحاولون العثور على المعنى في تقاليدهم -“الطعام، التجمعات الكبيرة للعائلة والأصدقاء، رواية القصص”- كل طرق التكيف التي تسجلها من خلال الشخصيات في كتبها.
تقول أبو الهوى: “كمركب من نساء واقعيات ومتخيلات”، نهر هي مزيج من “اللاجئين، والمشتغلين بالجنس، والنظام الأبوي، والحرب، والإمبريالية والاستعمار”، وهي، مثل الحياة الواقعية لأليشيا إليوت، نتاج “للحب والمقاومة المسلحة”.
وتؤكد إليوت: “أعتقد أنه عندما لا يكون لدى الكُتّاب فهم جيد لمن يكونون وما معتقداتهم، فسوف يفتقرون بالضرورة إلى الاقتناع في كتاباتهم بالذهاب إلى أماكن جريئة، وطرح أسئلة جريئة”. أما كيف نصنع الحيز ونحافظ عليه، فسؤال حاولت كلتا الكاتبتين الإجابة عنه في كتاباتهما.
 
*حصلت بيناي بليند على درجة الدكتوراه في الدراسات الأميركية من جامعة نيو مكسيكو. تشمل أعمالها العلمية “دوغلاس فاكوتش وسام ميكي، محرران”. (2017)، “لا الوطن ولا المنفى كلمات: المعرفة الواقعية في أعمال الكتاب الفلسطينيين والأميركيين الأصليين”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Power of Memory to Reclaim What was Lost