Friday 27th of May 2022 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    13-May-2022

قـــــراءة فـــي روايـــــة «تانغـــو الغرام»

 الدستور-فوزي الخطبا

 
«تانغو الغرام» رواية صادرة حديثا عن الدار العربية للعلوم ناشرون، في لبنان، للروائية السورية شادية الأتاسي، في 240 صفحة. هي رواية سورية بامتياز، رواية الحرب والحب والفقد والغربة، كتبت بروح وإشراقة سورية، بطلها الحدث السوري الدامي.
 
يتداخلَ جو السرد الحكائي، ما بين راوية الرواية وشخوصها، تحدثت عن نفسها بصيغة المتكلم، وتركت لشخصيات الرواية كل على حدة، أن تدخل الرواية، تتكلم عن نفسها، وتمضي...
 
تتكئ الرواية على الفانتازيا، ويتداخل الواقع بالخيال، ويتحمل السرد وقوة الإحساس، والحدث الدرامي، نقل هذا الجو المشحون إلى القارئ.
 
حكاية تبدأ في صيف العام 2012 السنة الثانية للحرب في سورية، بإصرار المرأة، على الذهاب إلى مدينة حمص، في أجواء مرعبة، من القصف والقذائف والانفجارات، والحواجز العسكرية، والجنود المتنكبون البنادق والكلاشينكوف، لوداع الأم التي تموت في هذا الجحيم وتذهب إلى حتفها دون وداع ومودعين .
 
تصف هذه الليلة: «وفِي حين كانت أمي تغيب عن الوعي، تزفر أنفاسها الأخيرة، تناوبت العتمة الشاملة،ورشفات الرصاص التي كانت تعلو وتنخفض، وصرخات العساكر المكتومة،والقذائف التي كانت تضيء للحظات الغرفة المعتمة، فنرى على انعكاس وهجها، وجه أمي مرسوما عليه علامات الرعب. على جعل ليلتنا ليلة من ليالي الرعب..».
 
تغير كل شيء، تغيرت تفاصيل كثيرة، سورية تدخل في نفق موحل،لن تعود إلى ما كانت عليه أبداً. تصف الراوية هذه الحالة:
 
«في الحرب لم تعد أنت، تفاجئ بأشياء كنت تحسبها ثابتة،يدهشك أن تدرك أنها تتغير، وكم هي الآنا داخلك هشة، سهل اقتلاعها، أمام هجوم عاصف لتحولات كبرى،فرضت نفسها بقوة. الحرب وضعتنا أمام ذواتنا، قالت لنا بجلاء: هذا أنتم، تعرفوا على أنتم..».
 
ثمة وجوه غاضبة تريد شيئاً مختلفا عن رخاوة الحياة. وفِي هذه الفوضى يحدث كل شيء، وهكذا تُختطف سحر صديقة العمر مع زوجها، وتُغيّب قسراً، في ظروف ليلة غامضة ومريبة. وتصبح مجرد عنوان، على ورقة هشة، كُتب عليها مفقود حتى إشعار آخر!
 
تقول الراوية: «اختفت سحر بخفة فراشة، تاركة آثارها،بكل ما فيها من دفء وألفة، بقيت أحلامها وضحكاتها تنتظر، عودة ما، لكن الأيام وبعدها الفصول تعاقبت وسحر لم تعد..».
 
انعكاس الحرب بدا مخيفا على الجميع، فمن الصعب تحمل وطأة العيش وسط حفلات الجنون اليومية، لكن انعكاسها على خالد الصحفي، كان مختلفاً. خالد المثقف والزوج العاشق، الذي التقت به يوما في مكتبة دمشقية في يوم خريفي، حرضّ شوقها الغامض إلى الحب، ارتبطت معه بعلاقة آلت إلى زواج سريع، وابنة ملأت عليهما الحياة. لكن خالد غدا شخصاً آخر، هناك ما انهار في داخل، داهمه الذعر والارتباك، حين رأى أن كل ما آمن به، لم يكن حقيقياً، فاختار أن يواجه هذا القادم المرعب،باستحضار عالم مختلف، ليلوذ بأمان مصطنع، ويحمي نفسه من السقوط، قرر العيش داخله،أغلق كل ما يتصل بضجيج هذه الحرب، وبدأ في رحلة دمار متواصلة لنفسه.
 
وهكذا انكسرت شعلة الحب، مع الزوج الصحافي المثقف الذي اعتقدت انه السند والملاذ، انهزم الحب أمام طغيان تسارع الأحداث الدامية.
 
هل كان العطب موجوداً أصلا؟ لم يستطع أن يصمد، فأتت الحرب لتكشفه وتعريه؟
 
تركها خالد، تواجه صعوبات الحياة وحدها ورحل، يبحث عن ذاته وأمانه في مكان آخر، لكنها لم تحزن.
 
تقول الراوية: «كان هذا ما أردته في الحقيقة، كان هناك على الجانب الآخر شيء غريب بدأ يتشكل في حياتي، يزورني كل ليلة..».
 
تنهار المرأة نفسيا، وهي الكاتبة المتمردة التي أرادت أن يكون لها مكاناً قويا في الحياة، أمام قسوة الحرب، ووفاة الأم، وفشل الزواج، واختطاف الصديقة الحميمة، وذل الوحدة. ابتدأت بابتداع حياة موازية، عاشت قصة حب معقدة مع روائي، كان لها دائماً المثل والحلم، تراءى لها أنه ينسل من روايته كل ليلة، ليلتقي معها، بدأت تبتعد عن مسار الحياة المعتاد، تتوغل في طريق ممسوس بالغموض، لايهم إلى أين يمكن أن يقود، يتداخل فيه الحلم مع الحقيقة
 
تصف هذا الحب العجيب: «كنت أبتعد عن مسار حياتي المعتاد،مطوقة بالكثير من المجاز الملتبس،أضع قدمي في طريق ممسوس بالغموض، أزداد توغلاً به، أردت وأحببت هذا التوغل،لم أحاول منعه أو الوقوف في وجهه، ولا إلى أين يمكن أن يقود، حياتي الحقيقية كانت معه فقط..».
 
وجاء اليوم الذي تحتم عليها الرحيل من البلد الذي تعشقه. لم تعد تستطع الصمود أمام صعوبات الحياة، وأمام إلحاح وإصرار ابنتها نادية التي كبرت، ولم تعد ترى في هذا البلد وطنا لها، وأرادت أن يكون لها مكانا آمنا وسندا في الحياة مع والدها المقيم في ألمانيا
 
تصف هذا الرحيل: «تراوغني الذاكرة، أتساءل، لمن يتوجب عليّ القول بقلب منفطر، وبصوت أجهد في جعله محايداً:
 
(خلص أنا بدّي امشي)
 
ومن سيرد عليّ بلا اكتراث ويقول:
 
(مع السلامة، روحي الله معك).
 
ذلك الأسى الشفيف، لم أستطع الخروج منه، بقي حياً في قلبي..».
 
تواجه في شتوتغارت المدينة الألمانية التي التجأت إليها. نوع آخر من الألم، الغربة، وصعوبة الاندماج في الوطن البديل، وذ ل اللجوء
 
تقول الراوية: «هكذا أصبحت لاجئة، لاجئة تحت الحماية، لاجئة حتى إشعار آخر، حتى يأتي يوم، ربما سنوات طويلة، يقرر العالم فيه إنهاء لجوؤنا، هم وحدهم من ينهونه، لا يحق لي إنهائه، حتى لو مت من الحنين، ليس مهماً أن أموت، ما أنا إلا ملف صغير، مجرد (دوسيه) بين آلاف الدوسيهات، قذفته يد لا مبالية،. في قاع جارور كبير، يشبه براد الموتى..».
 
رافقها الروائي في غربتها، لم يخلف وعده، يأتي كل مساء، تعيش معه طمأنينة وانتماء، لم تجدها إلا معه، حقيقة حارة منفلتة من كل القيود، طيف يعيش معها، كيف ومتى، تنزلق معه إلى سحر اللحظة، غير عابئة بأي شيء
 
تقول: «أصبحت أعيش معه،يشرب معي قهوة الصباح، نذهب معا الى مركز المدينة، نطوف في الأماكن القديمة، نجلس في المقاهي، نتبادل القبلات، وفي الليل يبقى معي، ينام في فراشي..».
 
لكن الروائي اختفى فجأة، بعد أن كشفت نادية سر الأم العاشقة، ومزقت الرواية ورمتها بعيدا.
 
واجهها الطبيب النفسي،الذي ذهبت إليه، بناء على نصيحة صديقتها ماتيلدا الايطالية، بحقيقة طالما هربت منها (كان حلما خلقته أنت، ليحرض فيك غريزة الانتماء إلى الحياة).
 
لم تستسلم، طبيعتها المتمردة أبت أن تستسلم، تمردت على الواقع، أرادت أن يكون الروائي حقيقياً في حياتها، التجأت إلى التكنولوجيا الحديثة، اتصلت بالروائي، عبر وسائل الاتصال الاجتماعي، اقتحمت حياته، استجاب لها بتردد، وهو الرجل الوحيد الذي عانى من خيبة الزواج وخيانة الحبيبة، والعلماني المثقف الذي يكتب عن الإنسان والعدالة والحرية، ويعيش إرهاصات الحرب السورية، في مدينة حدودية في تركية، مع ابنته وزوجها، يكتشف أن هذا الزوج متورط مع التنظيمات الجهادية المتشددة، الأمر الذي صدم الروائي العلماني بعمق.
 
تصف الراوية صدمة وشعور الروائي نحو الشاب الجهادي، الذي عرفه يافعاً وأحبه كابنه: «كريم آخر، من كان يجلس أمامي الآن، يتحدث بحرارة تبلغ حد الهوس، دموعه تترقرق في عينيه،على وجهه طمأنينة يقين عميق. كان ينتمي لعالم غريب، عالم آخر، لا ينتمي إليه هو،وكانت ابنته مع هذا الآخر.
 
غشيه ألم عميق، أحس برغبة في البكاء..».
 
لكن الروائي الذي وجد نفسه يستجيب بقوة لهذه المرأة التي أيقظت فيه مرضه القديم، مرض الغرام، كان مرتبكا أمام هذا الوجود القوي للمرأة الافتراضية التي اقتحمت حياته.
 
تصف الراوية، ضعفه وحيرته أمام طغيان هذا الحب: «هل أيقظت فيه هذه المرأة، الحلم الرومانسي القديم، التواطؤ مع ذاكرة الرجل الذي كأنه يوماً؟ الحلم بضرام حب معقد، حب بلا أمل. هل هو شغف الروائي الذي يعشق أن يلعب، لعبة المرأة الحلم، المرأة الملهمة؟ امرأة تمشي الهوينى، على العشب الأخضر، حافية القدمين، تضفر من الصباحات حقلاً من الأزهار، فتلهمه الرواية العصية..».
 
أرادها الروائي حقيقة، حبيبة وزوجة، حاول العاشقان اللقاء، لكن يبدو أن العالم كله يتآمر ضد هذا الحب العصي، الأمر كان أعقد من ذلك، تصف الراوية هذا الأمر المعقد، على لسان الروائي: «اسمعي، الأمور معقدة، وعلينا تصحيح توقعاتنا، لن أستطيع القدوم اليك، ولن تستطيعين أنت،هذا حال السوريين اليوم، هكذا قال صديقي المحامي التركي، المختص في قضايا الهجرة: أنتم السوريون عالقون اليوم..».
 
في حين تصف هي هذا الوضع المؤلم: «لم ترأف بنا الحرب يا عمر، اتفق العالم على تصنيفنا في خانة المنبوذين و المشكوك بهم..».
 
تجلى هذا التصنيف في الحوار المؤلم مع المحامي الألماني، حين بين لها أنها مجرد لاجئة لا يحق لها المغادرة، إلا إذا كان مغادرة بلا عودة، هذا يعني لها المستحيل، يعني أنها ستترك ابنتها:
 
«ألا يكفي أنك تعيشين هنا؟ استفزتني جملته الملغّمة، تميزت فيها استعلاء، كان واضحاً.
 
لا، لا يكفي، أنا أعيش في سجن كبير. يتوجب عليّ أن أقدم صك براءة، في كل مرة، تحدث فيها حادثة ولو في آخر المعمورة. أجبته بجرأة وأنا أنظر في عينيه..».
 
فهل يتمّ اللقاء بين العاشقين؟ وترقص التانغو معه؟