Wednesday 28th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    06-Oct-2020

جسدانية اللغة في قصيدة «معجم مصغر لهن» لأدونيس

 القدس العربي-عبدالحفيظ بن جلولي

يتأسس العالم الشعري عند أدونيس، انطلاقا من مفهوم ذي طبيعة خاصة للتجريد، أي كـ»محاولة لرؤية ما لا يرى. وهو إذن، تجاوز للطبيعة وأشكالها، وخلق للأشكال المحضة، أو هو رد الأشكال إلى جوهرها. إنه تشفيف للمادة». التشفيف كبعد من أبعاد الشعرية، عودة إلى حيث يتأنق الشاعر بجمالية المعنى الدافق في جريان مياه الكلمات الأكثر لصوقا بالذات، حيث تتأسس التجربة الجمالية. الوقوف عند هذه المحطة من السراح الشعري، يغذي مخيلة القراءة بانسجام التعاطي الذاتي مع الكلمات، الموسومة بامتداد الرؤية وفرادة الكشف، حيث «لا شيء في الشعر قابل للتأويل، ترى هل العالم قابل للتأويل؟» كما تقول الشاعرة الإسبانية روث توليدانو، فالشاعر من فرط ذاتيته، وتوغل طروحاته الرؤيوية انطلاقا من التجربة، يتقبل بداهة وضوح الفكرة الشعرية، وتنشأ لديه بالتبعية جدلية القارئ المثالي الذي «لا وجود له إلا في ذهن الكاتب الذي يتخيله قادرا على فهم كل ما يكتبه، فيكون ذلك بمثابة حافز له على الخلق والإبداع».
تنبني الفكرة الشعرية في قصيدة «معجمٌ مصغر لهن» على التماعة تومض من الذات لتضيء منطقها الشعري الخاص، والجسد الشعري لا يكشف عن أي ترتيب مسبق «للإنتاجية النصية» بتعبير جوليا كريستيفا، بل تتوارد الفكرة المتاحة في سياق المعنى، منسابة في توادد شفاف مع المُؤَول في بارقات الجوهر الشعري، حيث تتخلل القراءة لحظات توائم مع مسطرة النغم الإيقاعي، وظلال الصورة الشعرية، فيتولد المعنى الارتجاعي من المستوى الإلهامي لعملية الولادة النصية الأولى، على اعتبار أن القراءة النقدية هي نص على غرار النص الأصلي.
 
شعرية الجسد/ جسد اللغة:
 
تُداوم الشعرية على تواصلها مع الأشياء بتوقيع علاماتها، حينها تنفصل العلامات عن شيئية التوظيف لتلتحق برمزية العلامة، وهو ما كرسته قصيدة «معجمٌ مصغر لهن» من خلال التركيز على مفهوم الجسد، حيث بداية، أسست لعلاميته داخل النص، بتفعيل معناه عند مفاصل نصية متعددة، لتعثر بعد ذلك القراءة تلقائيا على المفهوم، وفقا لعنصر الانتباه الذي يثيره النص وينعكس على وعي المتلقي، كنتيجة لتركيز المعنى وتوثب الدلالة عند مفصل نصي بعينه. لقد ذُكِر الجسد في القصيدة حوالي إحدى عشرة مرة، وأُتبع بلواحقه الدلالية المتمثلة في (أطرافي، صدر، ذراعاها، ترقص) ما شكل جماليات خاصة، كان لزاما على القراءة التذوقية أن تتحسسها. تأتي الجملة الشعرية في المقطع (ت) لتشكل المحصلة الرمزية للجسد في تواجده النصي، حيث يقول أدونيس:
«ليستِ الروح هي التِي تتذكر/بلِ الجسدْ»
الحاق صفة التذكر بالجسد، تؤسس سياقيا لزمن يدل عليه المعنى القاموسي للفعل، وهو الزمن الماضي، والجسد فضاء تشكل جغرافيته خريطة حدود مفصلية من الأعضاء، والذاكرة وعاء لحفظ ما تداول عليه فعل الحدوث، ثم العبور، أي تجاوز لحظة الحدث إلى لحظة تالية يتجدد فيها الاشتباك مع مفردة جديدة من مفردات الكينونة المعيشة، بدون أن يندثر أثر ما سبق، نظرا لآلية التخزين التراكمي لعمل الذاكرة.
إن توظيف الجسد نصيا، جاء أساسا للتنبيه إلى حِسية التعامل مع ما يوحي به العنوان من الإشارة إلى موضوع اللغة، واعتباره تواجدا موضوعيا محايثا للكينونة كما يحايثها تواجد الجسد، ومن ذلك تنبثق الدلالات الفلسفية العميقة التي تثيرها رمزية الجسد، حيث الجسد يمتلك ذاكرته الخاصة التي تجعل منه طبقة سماها ميرلوبونتي، «طبقة (الجسم المعتاد) corps habituel» التي تختلف عن «طبقة (الجسم الحالي) corps actuel».
ولبيان العلاقة التذكرية التي تهمنا من إيراد هذا المفهوم الفلسفي، نستعين بما ذكره ميرلوبونتي كمثال، وهو العضو الوهمي، الذي يتشكل عند المريض الذي بتر ذراعه وظل يشعر به بعد أن كان من أجزاء «الجسم الحالي» والذي أصبح بدونه الآن، وهو ما «لا يمكن تفسيره إلا إذا اعتبرنا أن «الجسم المعتاد» قد خزن حركات هذا العضو ولم يصرفها مع ذهابه أو زواله». والقصيدة بمنح صفة التذكر للجسد، إنما اعتمدت على هذه الآلية في المقاربة بين الجسد واللغة، والإسقاط المستفاد هو احتفاظ جسد اللغة بالماضي التراثي الحافل بالإنجاز، والممكن استرجاع طرائقه الإيجابية لتفعيلها في لحظة اللافعالية الحضارية. وبالمقاربة بين الجسد بالمفهوم الميرلوبونتي واللغة، تصبح اللغة الاعتيادية هي المأمولة، وليس اللغة الحالية، لأنها مبتورة عن سياقها التاريخي والراهن، وقد وردت في النص في المقطع «ث» بتعريف «لهجة بائدة» واللغة الاعتيادية ما زالت تحتفظ في ذاكرتها بأثر ما بُتِر، إلا إنه منفي من قبل اللغة الحالية، تماما كما العضو المشلول في «الجسد الحالي، وهو ما يتحقق بالتقابل الصراعي بين المقطعين(ث) و(ج) الذي يُنجز المبتغى من قدرة اللغة على المناورة داخل الحيز الحالي، لتفجير اللحظة الحضارية الفاعلة.
 
الوجود الموضوعي/فرادة التجربة:
 
يتركب المقطع الشعري التالي من مفصلين، يتأسسان وفق أواليتي النفي والإثبات:
«لا ذِراعَاها، / لاَ خُطواتِهَا ــ نفي.
جَسدها هوَ الذِي يفتحُ الأفُق» ــ اثبات.
الملاحظ أن موضوعي النفي هما من مفردات موضوع الإثبات، أي الجسد، فالشاعر لا يتعامل مع المجرد في جفافه، بل يحوله إلى مدار المحسوس في علائق الشعرية، وللدلالة على ذلك، رصع منعطفات النص بموضوع الجسد المضاف إلى المخاطب الأنثوي الذي يرومه، والذي هو اللغة. «جَسدُها هوَ الذِي يفتحُ الأفقَ» / استشعار جمالي لوظيفة محسوسة (يفتح) في فضاء لا محسوس (الأفق) وينفتح معنى «الأفق» الوارد في المقطع «س» على المعنى الوارد في المقطع «ع»:
«لا يتوقفُ جَسدُها عنْ تغْيِير/ حدودِه وتوْسيعِها»
نلمس تأكيد الوجود الموضوعي (الجسد) وفي الوقت ذاته تكريس معنى «الأفق» اللامنتهي. التأكيد على الوجود الموضوعي للغة، المرموز له بالجسد لا يتوقف عند حدود المقطع السابق، ولا الذي قبله، بل يطالعنا المقطع «غ» بترتيب متواصل له»:
«اخْرجِي منَ الكتُبِ: قالتْ لصدِيقتها/ وأخذَت تمتدِح الريشة والحِبْر والكِتابَة». استشعار تأسيس كياني للغة، وجعلها مصدرا للخطاب (..»قالت لصديقتها..») ثم يشير المقطع إلى بعض العناصر التي من خلال سياقه الخاص والسياق العام للنص، يمكن فهمها، حسب معانيها الدلالية على أنها آليات الخطاب.
الأبعاد الدلالية تقود القراءة إلى الالتفاف حول موضوع الحوار المعرفي المؤسس، إذ إن فعل «اخرجي» يدل على انوجاد مسبق للمُخاطِب، وفعل «تمتدح» يجعل خطاب الخروج يصب في منحى استدعائي إلى مجالية معرفية، حقلها الدلالي الريشة، الحبر والكتابة. انطلاقا من المجالية المُثْبَتَة في فتح «الأفق» على التوسع والتغيير، والحوارية المعرفية المُثبتة في «اخرجي، تمتدح» يُعمق الشاعر من مفهوم «الجسد» بمنحه بعدا سحريا، غامضا ومعقدا، حيث يقول في المقطع «ف»:
«هِيَ/ جسَدها مسألةٌ فيِ علمِ الفلَكِ/ لاَ فيِ علمِ الحياة»
وهو الموقف الشعري الذي يتوافق مع راهن عزلة «اللغة» كموضوع للتواصل الحضاري، حيث ينتقم لها الشاعر فيجعلها كينونة، أو وجودا موضوعيا في المدارات السحرية للشعري، أي تلك التي يجيد السبح فيها بمعطياته المميزة، غير الخاضعة لحالة الراهن الجمعي، وذلك هو أفق الذاتي المهيمن على الشاعر في انتصاره للشعري والخاص.
تطرح قصيدة «معجمٌ مصغر لهن» ببنيتها المعمارية، أحد أهم الأسئلة المعلقة أمام عقل القارئ، إذ يطرح الشكل، الاستفهام المعقول حول دلالاته المعرفية، فالقصيدة وردت على شكل مقاطع، يعنون لكل منها حرف من حروف الأبجدية، يمنحه التلقي معنى من وحي تأويله، ووفق محتمل ما يرمي إليه المقطع. هذا النسق التنظيمي، يشير إلى حضور كينونة الذات الشاعرة متاخمة لكينونة النص، بما يحيل إلى معنى ما. يحيل النسق التنظيمي للقصيدة إلى إعادة بناء العقل البنائي العربي، تأسيسا على بنية معينة تقدمها الأبجدية في تفاعلها الخلاق مع المقول الشعري، الذي يداهم المناطق الأشد استعصاء على اللغة، وبذلك تنهل الفعالية العقلية من أبجدية المقول الشعري المجسد وفق معمار فني، ينحت طبقاته من تواصل الأسئلة الدفينة في علائق..»الحب/ كيف يزن اللاشيء/ الذي يقول كل شيء؟» القصيدة.
ترفض أكوان أدونيس الشعرية أن تنحصر في زاوية واحدة للرؤية، بل تتوق إلى أن تتعرف ضمن فضاء المتعدد والأبجدي (حب/كوكب/ يتسول/ الفضاء) للقصيدة، لتكتشف نظام السيرورة في تاريخية اللغة، منذ الولادة وإلى حيث يتفنق (من الفنيق) الحرف (بدأت حياتها نارا مفردة/ولن يكون لرمادها شبيه) القصيدة.
 
٭ كاتب جزائري