الغد
معاريف
د. نحمان شاي 2/1/2026
مع الأرقام يصعب الجدال. في 31 كانون الأول (ديسمبر) 2025، مثلما في كل عام، وضع مكتب الإحصاء المركزي أمامنا خلاصة العام المنصرم. ومع أننا جميعا كنا نريد جدا أن نفرح بعد عامين قاسيين، تضربنا هذه الأرقام وبالمناسبة، ليس بمفاجأة كاملة. ما شعرنا به في الأشهر الأخيرة، وبمدى آخذ بالتزايد، يتحقق بالفعل.
في العام الماضي، غادر إسرائيل 69.300 إسرائيلي وعاد إليها 19.000. إذا ما أضفنا إلى عدد الوافدين المهاجرين الجدد أيضا - 24 ألفا، تبقى إسرائيل مع ذلك في ميزان سلبي. فقدنا 20 ألف إسرائيلي خرجوا إلى طرق العالم. معطيات أخرى أصدرها مكتب الإحصاء المركزي تفيد بأن أعداد المهاجرين الجدد أيضا أدنى مما كانوا في العام الماضي. وهكذا أيضا عدد الذين يأتون ضمن لم شمل العائلات. لا يمكن لهذه المعطيات أن تفاجئ، لأن كل واحد وواحدة منا سمع ورأى في سياق عامي الحرب وحتى في الفترة التي سبقتهما -فترة الانقلاب النظامي والاحتجاج ضده- مزيدا من الإسرائيليين الذين يفضلون لملمة البيت والعائلة وإيجاد دولة أخرى على وجه الكرة الأرضية.
كانت في الماضي موجات هجرة من إسرائيل. كانت موجة كبيرة في 1948 بعد قيام الدولة. الظروف في إسرائيل كانت قاسية جدا ومهاجرون جدد كثيرون جاؤوا وخرجوا. كانت موجة أخرى في 1967، عشية حرب الأيام الستة. الوضع الاقتصادي في إسرائيل تدهور، كان هناك ركود وكثيرون غادروا. النكتة الغبية التي سادت في حينه كانت تقول: "فليطفئ الأخير النور". النور لم ينطفئ، كما هو معروف، وحرب الأيام الستة ضخت إلى إسرائيل موجة مهاجرين جدد كثيرين بالذات، وأساسا من الدول الغربية، وتوازنت الأرقام.
أما هذه المرة فتبدو الأمور مختلفة، وهي بالتأكيد ينبغي أن تقلق كل واحد وواحدة منها. إسرائيل تدفع ثمنا باهظا على التغييرات النظامية الداخلية وعلى الحرب الطويلة، التي وإن كانت انتهت ظاهرا، لكنها عمليا تتواصل بهذه الطرق وغيرها. غلاء المعيشة في إسرائيل عال من دون أي سبب ظاهر للعيان، المواصلات باعثة على اليأس، بنى تحتية جديدة لا تبنى، وفوق كل ذلك الانشقاق والانقسام الاجتماعي. كل عائلة تقرر المغادرة تفعل هذا بدافع آخر، لكن النتيجة مشتركة: موجة كبيرة وعالية تهجر إسرائيل.
من بين التحديات التي نقف أمامها اليوم، هذا هو التحدي الأكبر. نحن نفقد جمهورا كبيرا، متعلما، قادرا، يرحل من هنا وينزع أثره من مستقبل هذه البلاد. مهنيون مطلوبون، مستثمرو تكنولوجيا عليا، شباب وشابات مؤهلون مستقبلهم أمامهم. الضرر ليس فوريا، كما أنه ليس ظاهرا بالضرورة. لكن على مدى الزمن لا شك أنه سيعطي مؤثراته في تشكيلة السكان وفي إنجازاتنا الاقتصادية والاجتماعية أيضا. الرسالة التي يمررها المهاجرون الجدد من البلاد هي أن إسرائيل مرة أخرى ليست بيتا آمنا، يمكن تربية الأطفال فيه، ويمكن رؤية مستقبل فيه. هذه رسالة قاسية تتغلغل إلى المجتمع الإسرائيلي ومن شأنها أن تشجع آخرين أيضا على خطوة مشابهة.
في بداية طريق الحكومة الحالية أنهى مهام منصبه الإحصائي الرئيس، ورئيس الوزراء بحث له عن بديل. مرشحه الفوري كان مقربه -يوسي شيلي. لم يكن لشيلي أي خلفية مهنية وفي الوقت نفسه على الأقل كان النقد الجماهيري سيرتفع ليمنع التعيين الغريب. وشكرا للرب، انتخب للمنصب مهني هو البروفيسور يرون بلوس. الفكرة التأسيسية كانت واضحة - نحن نريد أحدا ما منا يتأكد من أن تتطابق الأرقام مع أفكارنا. والآن بات واضحا لماذا. خيرا أن يدير مكتب الإحصاء المركزي أناس مهنتهم هي الإحصاء وليست السياسة.
كوزير الشتات اطلعت على الهجرة الإسرائيلية المضادة. على المنفى الإسرائيلي الجديد بكل مداه. كان هذا مخيفا. نحو مليون مواطن إسرائيلي يسكنون خارج إسرائيل. بعضهم مهاجرون جدد جاؤوا إلى البلاد وواصلوا من هنا إلى مناف أخرى، لكن كثيرين جدا هم أبناء هذه البلاد ممن تربوا وتعلموا هنا، وربوا هنا أطفالهم أيضا ورأوا فيها وطنهم. في يوم صاف ما قرروا الانسحاب. أحيانا قالوا: "لزمن قصير"، وأحيانا اعترفوا "هذا فصل جديد في حياتنا".
تتردد حكومة إسرائيل بين تحديات عديدة، لكن في هذه اللحظة تركز أساسا على بقائها. لهذا السبب تضحي بقيم عزيرة - قيمنا الأساس. تتخلى عن وحدة الصف، المساواة، توزيع العبء وما شابه، وكل ذلك من أجل البقاء. في سلم أولوياتها لا تظهر الهجرة الإسرائيلية المضادة. هي لا تعالجها بأي شكل كان. ولا تبحث فيها حتى، وتتنكر فقط. ما يظهر أن نظرها قصير حتى أكتوبر 2026، الموعد المخصص للانتخابات. هذا خطأ جسيم. الحكومة، بكونها ذات صلاحيات وقدرات، ملزمة بالعمل بكل ما تستطيع كي تبطئ وتيرة الهجرة المضادة. توجد لديها الأدوات والقدرات - لكن ليس الإرادة. لعلها تفكر بأن المقترعين للأحزاب الأخرى هم بالذات من يغادرون البلاد. وهذا هراء مطلق. لقد سبق أن قلت إن مغادري البلاد أناس طيبون، قادرون، أناس طيبون نحتاجهم اليوم وفي المستقبل. لا يهم فكرهم السياسي، يهم فقط أننا نفقد مستقبلنا.
ثمن هذا الإخفاق سندفعه في السنوات المقبلة، مثلما لا تعطي الحكومة رأيها في خطط مستقبلية، هكذا هذه الجبهة أيضا تبقيها سائبة.