Wednesday 21st of April 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    27-Mar-2021

متى نُشاهد فيلماً عن «العشرية السوداء» في الأوسكار؟

 القدس العربي-سعيد خطيبي

أفرج عن قائمة الأفلام المُرشحة للأوسكار هذا العام، وتضمن صنف الأفلام الأجنبية فيلم «أين تذهبين، يا عايدة؟» للبوسنية ياسميلا جبانيتش. تعود المخرجة في عملها الأخير إلى صيف 1995 الذي شهد مجزرة سربرينيتسا، من خلال تتبع يوميات شخصية عايدة (ياسنا دروجيتش)، التي تعمل مترجمة في ثكنة قوات حفظ السلام في سربرينتسا، التي كانت تشغلها وحدة عسكرية هولندية.
ينطلق الفيلم من لحظة اجتياح جيش صرب البوسنة للمدينة، وتفرق الناس هرباً إلى غابة مُجاورة، بينما فضل الآلاف منهم الاحتماء بقاعدة قوات حفظ السلام، مصرة على تركيز كاميرتها في عديد المشاهد على شخصية الجنرال راتكو ملاديتش، قائد جيش الصرب، الذي خطط لتلك الجريمة، ممتثلة للتفاصيل التاريخية، وإلى واقعته الشهيرة حين ظهر وهو يوزع الحلوى على ضحاياه، قبل أن يغدر بهم. كما لم يفتها في فيل الإشارة إلى الميليشيات الموالية للصرب، التي قدمت خدماتها في مذبحة راح ضحيتها ما لا يقل عن ثمانية آلاف شخص. بينما قلق عايدة يتصاعد، على طول الفيلم، في محاولاتها إقناع الهولنديين توفير الحماية للسكان، وإجلاء زوجها وابنيها، تظهر شذرات من ذلك التاريخ الدامي لسربرينتسا، نشاهد ملاديتش وجيشه وهم يقتحمونها، مع أن البلدة كانت ضمن المناطق المحمية، لكن سوء فهم بين قوات حفظ السلم، وسوء تنسيق أوجدها تحت رحمة القتلة، ولم تسرف ياسميلا جبانيتش في شرح أسباب احتلال المدينة، والخلفيات التاريخية لذلك الأمر، ملحة على حصر سيناريو الفيلم في الممهدات التي ساقت إلى تلك المجزرة، قبل أن ينتقل الفيلم في نهايته إلى مشهد عايدة وهي تبحث عن رفات ابنيها وزوجها، بين أكوام العظام التي لم يتعرف الناس على هوياتهم، إلا بعد إخضاعهم لتحليل الحمض النووي.
وثّقت ياسميلا جبانيتش في فيلمها واحدة من أفظع لحظات حرب البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي، ومن يُشاهد «أين تذهبين، يا عايدة؟»، لاسيما المشاهد الجزائري، لا بد أن يخطر على باله مشاهد من مجازر مماثلة، في بن طلحة والرايس وغليزان وغيرها، ويتبادر السؤال في هذه اللحظة: لماذا نجح البوسنيون في التصالح مع ذاكرة حربهم الداخلية، وحولوها إلى صور وأفلام، بينما نحن في الجزائر نجحنا في طمر تلك الذاكرة، كما لو أن شيئاً لم يحصل في التسعينيات؟ بينما مجتمعات تداوي محنها باستعادتها في الصورة ومناقشتها، نستمر في الجزائر في محوها قسراً كي تظل ذاكرة التسعينيات، أو ذاكرة «العشرية السوداء»، كما يُطلق عليها، تطوف في العقول سراً، تشوش علينا النظر إلى أنفسنا وإلى حاضرنا.
 
الضحايا في البوسنة والهرسك، نالوا حظوة أن هناك من لا يزال يتذكرهم، عكس الجزائريين الذين دفنا جثثهم ومعهم ذكراهم، ومن يُغامر بالكتابة عن العشرية السوداء، أو تصوير عمل عنها، سوف ينتصب في وجهه جيش من المتناغمين مع جوقة السلطة.
 
من عنوان الفيلم، أفصحت ياسميلا جبانيتش عن نواياها، فقد اعتمدت عنواناً باللاتينية، مقتبساً من التراث المسيحي، وجملة «أين تذهبين؟» وردت في المسيحية بصيغة المذكر، حين سأل بطرس اليسوع عن وجهته، فأجابه بأنه ذاهب إلى روما كي يُصلب مرة أخرى، كما أن هذا العنوان ليس موجهاً إلى بطلة الفيلم وحدها، بل يتوجه إلى أهل سربرينتسا بأكملهم، الذين لا يزالون عالقين في تاريخ تلك المجزرة، التي لم يشفوا منها، فوجه المدينة لا يزال نفسه لم يتغير، في واحد من المشاهد يظهر ضحايا محبوسون في قاعة كبيرة أشبه بقاعة سينما، أفرغت من كراسيها، وهو مكان لا يزال قائماً لحد الساعة وقد تحول إلى مركز ثقافي، بل إنه يقيم كل عام مهرجاناً محلياً للسينما، حيث سال دم الضحايا، يحييه أناس خلفوهم. ركز «أين تذهبين، يا عايدة؟» على الجنرال ملاديتش، الذي انتهى أمره في محكمة لاهاي مداناً كمجرم حرب، توظف المخرجة مشهداً مهماً، حين تصادف عايدة على باب ثكنة قوات حفظ السلام، جندياً من قوات صرب البوسنة، يسألها عن حالها ويتودد إليها، بينما رفاقه يشحنون الحافلات بالمسلمين البوسنيين، قصد تصفيتهم، نعرف من محادثتهما أنه كان تلميذاً عندها وأنها كانت مدرسة، ونفهم بالخصوص أن القاتل والمقتول حينذاك كانا جيرانا وأصدقاء، كانت حرب أخوة، ألا يوجد شبه في هذا التفصيل مع ما حصل في الجزائر في ذلك الوقت، تحديداً من منتصف التسعينيات؟
لا نكف طوال الفيلم عن الركض بصحبة عايدة، التي حملت الفيلم على كتفيها، وهي تحاول قدر المستطاع تجنيب عائلتها ركوب الحافلات التي قادت الضحايا إلى المجزرة، مستفيدة من بطاقتها المهنية، كونها مترجمة لدى قوات أممية، تترجم كلام العسكريين الهولنديين، غير مقتنعة بما يقولون، تعلم أنها كانت تكذب عن أصدقائها وعن أقاربها، الذين كانوا ينتظرون قدرهم، فهمت عايدة مثلما فهم البوسنيون صيف 1995 أن العالم قد تخلى عنهم، فهل يأتي ترشيح الفيلم للأوسكار بمثابة اعتذار مبطن؟ مع أن حالة البوسنيين لا تختلف عن حالة الجزائريين، الذين تغاضى عنهم العالم في سنين الجمر في تلك الفترة عينها، لكننا في الجزائر لم نهتم كثيراً بكاميرا تعيد تصوير ما جرى، وبقيت الأفلام الجادة التي قاربت العشرية السوداء تعد على الأصابع.
منذ اللقطات الأولى من الفيلم يرتفع الإيقاع بشكل متسارع، عايدة في محاولاتها البائسة قصد إنقاذ ما يمكنه إنقاذه، والآلاف من ساكنة سربرينتسا ينتظرون منتهاهم على يد جيش ملاديتش، قد نتوقع في لحظة من اللحظات أن معجزة سوف تحدث، أن تتدخل يد إلهية، في إنقاذ الأطفال والأبرياء، لكن لا شيء يحدث، كل شيء كان مخططاً له من طرف صرب بوسنة، بل إن قوات حفظ السلام كانوا أنفسهم ضحايا، لا حول لهم في تغيير ما نوى عليه الجلاد، تسير الأمور نحن المجزرة، والمقابر الجماعية، وينتهي مصير بوسنيين إلى ما انتهى إليه مصير جزائريين، علقوا في حرب لا شأن لهم بها، سال دمهم، لكن الضحايا في البوسنة والهرسك، نالوا حظوة أن هناك من لا يزال يتذكرهم، عكس الجزائريين الذين دفنا جثثهم ومعهم ذكراهم، ومن يُغامر بالكتابة عن العشرية السوداء، أو تصوير عمل عنها، سوف ينتصب في وجهه جيش من المتناغمين مع جوقة السلطة، أن تلك المرحلة للنسيان، ويجب عدم العودة إليها ولا إحياء جراحها، متغاضين عن أن جراحها لا تزال ماثلة أمام الأعين ما لم نوثقها أو نجابهها بأسئلة ونقاشات حية، لا أن نسارع في وأد صوت من يُبادر إلى استعادتها.
 
كاتب جزائري