الغد- تشرفت بمعرفتهم جميعاً؛ ألهموني بقصصهم الرائعة؛ بهروني بمثابرتهم العظيمة. أثبتوا لي أن جسد الإنجاز يتمثل في التخطيط، وروح الإنجاز تكمن في المبادرة، وقلب الإنجاز ينبض بالمثابرة؛ فكما هو جسد الإنسان بالٍ من دون روح وقلب، كذلك هو التخطيط من دون مبادرة ومثابرة.
يقفون أمامي في "مؤتمر الريادة العالمي - كاليفورنيا"، كُلّ يتحدث عن قصص فشله في مشواره نحو النجاح: مارك زوكيربيرغ - "فيسبوك"؛ سيندر بيتشاي - "غوغل"؛ بريان تشيسكي - "إير بي آند بي"؛ ريد هوفمان - "لينكدإن". فيعاودني الشعور نفسه الذي انتابني في "المنتدى العالمي الرابع للتعليم والمهارات - دبي"، لحظة تقديم المرشحين العشرة للجائزة العالمية للمعلم: غيرة غريبة من نوعها؛ لا علاقة لها بالأشخاص بل بالإنجاز.
أتمعّن فيهم محاوِلة أن أجد العامل المشترك بين كل هذه الشخصيات، رغم اختلاف مواطنهم وأصولهم وعروقهم وانتماءاتهم. وما إن تتطاير الكلمات في غيمة فوق رأسي، حتى يبدأ عقلي باستثناء بعض منها ليُبقي على واحدة، يطلق عليها الكاتب ستيفن كوفي، في كتابه الشهير "العادات السبعة للناس الأكثر فعّالية": أُمّ العادات، ألا وهي المبادرة.
يتحدثون، وكلّهم ثقة، عما يفعلون، وإلى أين يذهبون، لا لأنهم يملكون المال أو العلاقات أو المعرفة، فلكل مما ذُكر دور وأهمية في تسريع الوصول إلى الهدف، ولكن لإيمانهم المطلق بأنهم قادرون على التغيير والتأثير.
أرجو أن لا يُساء فهمي في هذا المقال بأني أكتب غير مُدركة الأوضاع العصيبة التي تمر بها منطقتنا في هذا الوقت. بل بالرغم من ألمي، أكتب لأبُثّ ولو شعاع أملٍ طفيف لكل من يمر بظروف صعبة، من خلال نقلي لقصص لاقت النجاح ضمن ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية قد أصفها أنا شخصياً باللاإنسانية. فها هي عقيلة عسيفي تنزح إلى باكستان في ليلة وضحاها، لا تملك شيئاً إلاّ مهنة التعليم، لتجد نفسها تقطن خيمة بالكاد تحميها من حمّ الصيف وبرد الشتاء، فماذا فعلت؟ فتحتها مقراً للتعليم؛ دارت على الخيام لتقنع أهلها بإرسال أطفالهم للدراسة. بدأت بعدد لا يتعدى أصابع اليد، تسهر ليالٍ لتخُطّ أوراق العمل بيدها (فلا آلات طابعة ولا ماكنات تصوير ولا أجهزة حاسوب)، وكلها إيمان بأنها قادرة على التأثير. وبعد عشرات السنين من المثابرة على تلك المبادرة، تحولت الخيمة إلى مبنى يضم ما يزيد على 1000 طالبة، ويُؤمّن أكثر من 200 وظيفة سنوياً لأهل المنطقة.
نعم، قد يكون الحل السياسي هو الحل الجذري بعودة الأهل إلى البلاد. لكن هذا الحل لم يكن ضمن نطاق دائرة تأثير عقيلة في ذلك الوقت، فماذا لها أن تفعل؟
كما يقول كوفي في كتابه: "لك أن تختار إما أن تجلس في دائرة الهموم، أو تتحرك إلى دائرة التأثير التي يبذُل بها الأشخاص جهودهم في الأشياء التي يمكن لهم فِعل شيء إزاءها". تلك الدائرة التي اختارتها حنان الحروب، وكل ريادي قابلته في مسيرتي، لتكون مصدرا لوقودهم، فكيف لها أن لا تكون وفيها كل السلوكيات التي لا تكاد تخلو من العزيمة، والإيجابية، والتفاؤل، والصبر، وتحمل المسؤولية، والمثابرة، والثقة بالنفس.
أبحث في المعجم عن معنى كلمة "مبادرة"، فلا أجد ما يعبر عنها، لأُدرك أنها ثقافة بحد ذاتها، تقطن ضمن حروفها أسرار نهضة المجتمعات. ويؤكد لي محمود أبو عميرة بعد مكالمة هاتفية مشوقة عن "مباردة حارة" الرائعة، أن سر الإنجاز في هذا المشروع يكمن في نقل روح المبادرة إلى سكان الحارة، فمن دون إيمانهم بأنهم قادرون على خلق هذا التغيير، نقف عاجزين. فالعمل في أي حارة يتطلب موافقة مشاركة ما لا يقل عن 90 % من سكانها للبدء بالتطوير. بودي أن أطيل الحديث عن هذه المبادرة، ولكنها بحاجة إلى مقال كامل، يعكس أثرها على أرض الواقع.
ما إن أضع الهاتف جانباً بعد مكالمتي مع محمود، حتى يقع نظري على كتاب كنت قرأته مؤخراً لمالك بن نبي "شروط النهضة"، لتخرج منه الآية الكريمة التي لا تخلو صفحات الثُّلث الأول منه من ذكرها: "إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ"، لتؤيد حديث محمود بأن التغيير الحقيقي يحصل عند وصول أهل الحارة إلى قناعة أن الإصلاح هو مسؤولية وواجب كل فرد منهم. ومن دون مبادرة صادقة نابعة عن إيمان تام بقدرتهم على خلق هذا التغيير، نبقى في حالة سُبات؛ نأكل ونشرب وننام منتظرين تغيُّر حالنا بقدرة قادر، مدعين أننا متوكلون على الله، متناسين أننا متواكلون.
لن أُنهي هذا المقال بسؤال: ما هو دور كل من الأسرة والحكومة والمدارس في خلق هذه الثقافة؟ حتى لا تبدأ أصابع الاتّهام واللّوم بالإشارة. ولكنني سأنهيه بسؤال أكثر تحديداً: ما هو دور كل منا في جعل هذه البلاد ورشةً للعمل المُثمر الباعث للحياة، في وقت نحن في أمس الحاجة إليه؟ ما هو دور كل منا في خلق جيلٍ متعطش للإنجاز لا للكلام؟ فكما يقول مالك بن نبي: "الكلام ذو قدسية، ولكن حين ينبئ عن عمل ونشاط، لا عن مجرد رصف للألفاظ كما يحدث في الخطب الانتخابية".
مع احترامي لكل مرشح، أترككم متمنية أن لا أكون قد سردت عليكم خطبة انتخابية!