Thursday 19th of October 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    17-Feb-2017

استبصار الخراب الحضاري: عن "أبي حامد الغزالي" و"مكسيم غوركي" - معاذ بني عامر
 
 
الغد- ثمة تواطؤ تشابهي بين كتاب "إحياء علوم الدين" لـ"أبي حامد الغزالي"، ورواية "الأم" لـ"مكسيم غوركي"، رغم التباعد الزمني بينهما. فهما متشابهان عقلياً، بما يُؤسّس لفكرة انتقال الإنسان على المستوى الذهني بين أزمان مختلفة، وقدرته على تجاوز محنة وجوده الجسماني في هذا العالَم.
                                      (1)
تكثّف الوعي الجمعي الارتكاسي الاستسلامي لدى الدولة الإسلامية في شخص "أبي حامد الغزالي"، فاستبصر الخراب المقبل، ومَوْضَعَهُ في كتابه الكبير حجماً الصغير فائدة "إحياء علوم الدين". فلقد أذنت شمس الحضارة العربية الإسلامية بالأفول –بعد أن كانت قد أبدعت نصوصاً باذخة في الحقول الدينية والفلسفية والعلمية، ووصلت الحلقات الإبداعية الإنسانية بعضها بعضا، وتركت لمن يريد الاستفادة مما هو ضروري لأي إبداع حضاري مقبل- لذا كتب الغزالي –مرحلة ما قبل الغروب وبدء ليل العالم الإسلامي الطويل- كتابه "إحياء علوم الدين". فالمُلاحِظ للكتاب مُلاحظةً نقدية، سيكتشف أن "أبا حامد الغزالي" قد مارس في كتابه آنف الذكر دور الوصي –وصاية العاقل على المجنون- ليس على ذهنية المُسلم من خلال تنميطه بأنماط دينية/ دنيوية جاهزة وناجزة فقط، بل وعلى مسلكياته الحياتية أيضاً؛ فكلّ ما يريد المسلم أن يفعله أو يفكّر أن يفعله، سيجد إشارة تُرشده إليه في ذلك المتن العتيد، لكي يبقى على المحجّة البيضاء التي ينبغي على المسلم المُلتزم أن يتقيّد بها بين لحظتي الميلاد/ الموت.
وإذا كان لي أن أفكّك الرؤية الكُلّية لكتاب الغزالي "إحياء علوم الدين"، فلا بد لي أن أشير إلى قضية مبدئية، مُتعلقة بالعبقرية التي استشعرها الغزالي مرحلة ما قبل كتابة كتابه هذا، رغم المآخذ على هذا الكتاب مرحلة ما بعد الكتابة. ولقد ظهرت بواكير هذا الكتاب وإرهاصاته القَبْلية في السيرة الذاتية للغزالي الموسومة بـ"المُنقذ من الضلال"؛ إذ كان قد بدأ رحلة التحوّل من "شخص معرفي يتحرّك" إلى "شخص مؤمن ثابت"، على اعتبار انبثاقة المُدونة الأخلاقية من النص الديني واليقين الإيماني الإسلامي تحديداً.
وأنا أشير إلى عبقرية الغزالي مرحلة ما قبل كتابة "إحياء علوم الدين"، لكي أؤشّر على تكثّف الروح الجمعية للأمة الإسلامية يومذاك في شخصية الغزالي؛ فتلك الدفقة الهائلة من العلوم والمعارف والفلسفات آن لها أن تجفّ وينضب معين مائها، لذا على أحد ما أنْ يعي ذلك ويُعبّر عنه تعبيراً أخيراً. فتلك الروح العربية الإسلامية الوثابة –بؤرة العلم والمعرفة والأنوار يومذاك- آن أوان تفسخّها وتهدّمها، وعلى مِعماري بارع أن يضع القياسات المُناسبة لآليات انهيار هذا المعمار الكبير، لذا كان وصف "أبي حامد الغزالي" بمثابة أصابع الديناميت التي وُضعت في أساسات تلك الروح العظيمة، وصارت تُفجّر تِباعاً، إلى حدّ سيُسوّى معه هذا البناء بالأرض، ولا يعود له من معنى –إلا في الذاكرة الإنسانية- على المستوى الحضاري.
أما فيما تعلّق بالنقد المُوجَّه إلى كتاب "تهافت الفلاسفة" لأبي حامد الغزالي، بصفته كتاباً ضد العقل؛ فهو نقد استلابي عاطفي، مُورِس من قبل أتباع المدرسة العقلانية! اجتراراً لزمنٍ موميائي، جُثثي ليس إلا. فالفلسفة لم تلفظ أنفاسها الأخيرة مع "تهافت الفلاسفة" للغزالي، بل لفظت أنفاسها من اللحظة التي بدأت تتأكسد وجودياً؛ وكل ما فعله الغزالي أنه وضع يده على هذا التأكسد وجلّى معالمه في نصّه: "إحياء علوم الدين".
                                         (2)
على الجهة المقابلة (وهنا تلتقي الحضارات المنتحرة أياً كانت شِرعتها أو منهجيتها)، كان الوعي الروسي؛ وعي العظمة الإنسانية المُتقهقرة، قد تكثّف في شخص "مكسيم غوركي" لفترة طويلة، ثم نطق به أخيراً في روايته "الأم". فقد استبصر هو الآخر الروح الجمعية الإبداعية التي آن أوان موتها واندثارها، فمَوْضعَهَا في نصّه المُتداعي (= الأم).
إن ثلاثة أجيال من الأدب الروسي العظيم: 1- جيل المؤسسين "ألكسندر بوشكين" و"ميخائيل ليرمنتوف"؛ و2- جيل الوسط، "نيكولاي غوغول" و"إيفان تورغنيف"؛ و3- جيل الرُسل العِظَام "فيدور دوستويفسكي" و"أنطوان تشيخوف" و"ليو تولستوي"، قد أُطيح بها بضربة واحدة من قبل "مكسيم غوركي" بصفته مُستبطناً لوعي جمعي كان في طريقه إلى الانتحار والموت والفناء الكبير.
كان "مكسيم غوركي" قد أبدع نصوصاً باذخة، كتجلٍّ نهائي لجيل المُؤسسين. والذي يقرأ سيرته الذاتية بجزأيها: 1- طفولتي؛ 2- يومياتي/ جامعياتي، يكتشف أن اليدّ التي خطّت هذا الكلام الإبداعي يدّ مُرتجفة وخائفة أن لا تكون بمستوى الشعور الإنساني في عموميته، لذا تنثر العالَم نثراً بديعاً في نصّ أدبي بديع، أما اليدّ التي خطّت رواية "الأم" فهي يدّ واثقة وغير مرتجفة لأنها دخلت –ويا للأسى- في طور الطمأنينة الأيديولوجية، فالخلاص لن يكون إلا عبر الخلاصة الأيديولوجية.
                                      (3)
إن استبصار الخراب الجمعي عبر ذاتٍ فردية، لا يعني بأيّ حالٍ من الأحوال انتهاء الإبداع على المستوى الفردي؛ فقد رأينا مرحلة ما بعد كتابة كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي، مبدعين في الحضارة الإسلامية أمثال "ابن خلدون" و"ابن رشد". كما رأينا مُبدعين أيضاً في الثقافة الروسية عقب رواية "الأم" لمكسيم غوركي وسيطرة الروح الأيديولوجية على الأمة بأكملها، أمثال "إيفان بونين" و"ميخائيل بولغاكوف". لكن الخطورة الكبيرة تكمن في تهدّم الروح الكُلّية لأمةٍ من الأمم، وانتقالها من طور الحاضنة للإبداع إلى طور الطاردة له. فالنموذج الذي يُحتكَمُ إليه في الترويج الزائف للإبداع، هو نموذج أحادي قهري، لذا يصير الإبداع الجمعي إبداعاً محفوفاً بالمخاطر، لأنه يخضع بشكلٍ مبدئي لأنماط من التصنيف الجاهز/ الناجز، تحت وطأة الطرد والمعاقبة والحرمان.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات