الجامعات الأردنية على المنصات.. حضور كلاسيكي أم تفاعل رقمي؟
الغد - غادة الشيخ -
رغم الحضور المتزايد للجامعات الأردنية على مواقع التواصل الاجتماعي، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الدور الذي تؤديه هذه المنصات في عملها المؤسسي.
فبينما تحولت وسائل التواصل في الجامعات العالمية إلى أدوات للتسويق واستقطاب الطلبة وتعزيز السمعة الأكاديمية وإبراز الإنجازات البحثية، يرى مختصون أن جزءاً كبيراً من المحتوى المنشور عبر حسابات الجامعات الأردنية ما يزال يتركز على تغطية الفعاليات الرسمية والاجتماعات والزيارات والاتفاقيات، في نمط أقرب إلى النشر الإخباري التقليدي الكلاسيكي منه إلى التسويق الرقمي الحديث.
ويظهر رصد لحسابات الجامعات الأردنية على مواقع التواصل الاجتماعي أن مؤسسات التعليم العالي باتت تمتلك حضوراً رقمياً واسعاً ومتنامياً، إذ تضم قائمة الجامعات الأكثر متابعة على منصات التواصل جامعات حكومية وخاصة نجحت في استقطاب عشرات الآلاف من المتابعين، فيما تجاوز عدد المنشورات في بعض الحسابات عدة آلاف.
كما تحظى بعض الصفحات الرسمية على فيسبوك بمئات آلاف المتابعين، ما يعكس اهتمام الجامعات بتعزيز وجودها الرقمي والتواصل مع جمهورها، إلا أن مختصين يرون أن التحدي لم يعد يتمثل في عدد المتابعين أو حجم النشر، بل في نوعية المحتوى ومدى قدرته على تحقيق التفاعل وبناء صورة ذهنية إيجابية لدى الطلبة الحاليين والمحتملين.
الجامعات الأكثر حضورا
ووفق تصنيفات UniRank لعامي 2025 و2026، تضم قائمة الجامعات الأردنية الأكثر حضوراً على إنستغرام جامعات مثل "آل البيت"، و"العلوم والتكنولوجيا"، و"عمان الأهلية"، و"الشرق الأوسط"، حيث يتجاوز عدد متابعي حساباتها عشرات الآلاف.
فيما تجاوز عدد المنشورات في بعض الجامعات ثلاثة وأربعة آلاف منشور، كما تحظى الجامعات الأردنية بحضور لافت على فيسبوك، إذ تجاوز عدد متابعي بعض الصفحات الرسمية مئات الآلاف، فيما تتصدر جامعات مثل "العلوم التطبيقية" و"اليرموك" و"الأردنية" و"عمّان العربية" قوائم المتابعة على المنصة، أما على منصة "إكس"، فتواصل الجامعات نشر محتوى دوري يتراوح بين الأخبار الأكاديمية والفعاليات والبيانات الرسمية.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الجامعات الأردنية لم تعد غائبة عن الفضاء الرقمي، بل نجحت في بناء قواعد جماهيرية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن التساؤل الذي يطرحه مختصون لا يتعلق بحجم الحضور أو عدد المتابعين بقدر ما يتعلق بطبيعة المحتوى المنشور ومدى نجاحه في التحول من مجرد نشر الأخبار والأنشطة التقليدية إلى أداة فاعلة للتسويق وبناء السمعة الأكاديمية واستقطاب الطلبة محلياً ودولياً.
الحضور الرقمي
وبينما تؤكد الأرقام أن الجامعات الأردنية حققت حضوراً رقمياً لافتاً خلال السنوات الماضية، يرى مختصون تحدثوا لـ"الغد"، أن التحدي الحقيقي لم يعد في التواجد على المنصات الرقمية، وإنما في توظيفها بصورة إستراتيجية تعكس هوية الجامعة وتعزز سمعتها الأكاديمية وتدعم قدرتها على المنافسة في بيئة تعليمية باتت أكثر ارتباطاً بالعالم الرقمي من أي وقت مضى.
وفي هذا السياق، يرى الخبير في التسويق الرقمي علاء مسمار أن غالبية الجامعات الأردنية لم تنتقل بعد إلى مرحلة التسويق الرقمي الفعّال، رغم امتلاكها حسابات نشطة على مختلف المنصات.
ولفت إلى أن المشكلة لا تكمن في غياب المنصات أو قلة النشر، بل في طبيعة المحتوى نفسه، إذ ما يزال يركز بصورة كبيرة على الأخبار الرسمية والأنشطة البروتوكولية وتغطية الاجتماعات والاتفاقيات والزيارات، وهي مواد مهمة من الناحية المؤسسية، لكنها لا تشكل المحتوى الذي يبحث عنه الطلبة أو يتفاعل معه الجمهور المستهدف.
ويضيف مسمار أن الجامعات العالمية تنظر إلى منصات التواصل باعتبارها جزءاً من إستراتيجيتها التسويقية وبناء سمعتها الأكاديمية، بينما تتعامل بعض الجامعات العربية معها بوصفها لوحة إعلانات إلكترونية لنشر الأخبار.
ويشير إلى أن الطالب الذي يبحث اليوم عن جامعة لا يهتم فقط بعدد المباني أو الاتفاقيات الموقعة، بل يريد التعرف إلى البيئة الجامعية وفرص التدريب والتشغيل والأنشطة الطلابية والإنجازات البحثية التي يمكن أن يكون جزءاً منها.
تحسن طفيف
في المقابل، يرى الخبير في التسويق الرقمي موسى أبو عرقوب أن المشهد ليس سلبياً بالكامل، إذ شهدت الجامعات الأردنية خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في حضورها الرقمي مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن.
وأشار أبو عرقوب إلى أن العديد من الجامعات باتت تستخدم مقاطع الفيديو القصيرة والبث المباشر والمنصات المتعددة للوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور، كما بدأت بعض المؤسسات الأكاديمية بإبراز قصص النجاح الطلابية والإنجازات البحثية بصورة أكثر جاذبية.
ونوه بأن المنافسة المتزايدة بين الجامعات على استقطاب الطلبة، سواء المحليين أو الدوليين، دفعت العديد من المؤسسات إلى إعادة النظر في إستراتيجياتها الإعلامية، وأصبحت أكثر وعياً بأهمية الصورة الرقمية في التأثير على قرارات الطلبة عند اختيار الجامعة، فغالبية الطلبة اليوم يبدأون رحلة البحث عن المؤسسة التعليمية عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي قبل زيارة الموقع الإلكتروني أو الحرم الجامعي.
فرصة حقيقية للاستقطاب
من جانبها، ترى خبيرة المحتوى الرقمي رؤى أبو هديب أن الجامعات الأردنية تقف اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة تعريف علاقتها مع جمهورها عبر المنصات الرقمية، مؤكدة أن نجاح المؤسسة التعليمية على مواقع التواصل لم يعد يقاس فقط بعدد المتابعين أو المنشورات، بل بقدرتها على بناء مجتمع رقمي متفاعل يشعر بالانتماء للجامعة ويشارك محتواها ويثق برسالتها.
ونبهت أبو هديب إلى أن الأجيال الجديدة تتعامل مع المحتوى الرقمي بطريقة مختلفة عن الأجيال السابقة، إذ تبحث عن المحتوى السريع والبصري والتفاعلي، ما يتطلب من الجامعات تطوير أدواتها الاتصالية والابتعاد عن اللغة الرسمية الجامدة، لافتة إلى أن قصص الطلبة والخريجين، والابتكارات البحثية، وفرص التدريب والتشغيل، والحياة الجامعية اليومية، تعد من أكثر أنواع المحتوى قدرة على جذب التفاعل والتأثير في قرارات الطلبة.
وأضافت أن بعض الجامعات ما تزال تنظر إلى منصات التواصل الاجتماعي باعتبارها قناة لنشر الأخبار بعد وقوعها، بينما تنظر إليها الجامعات المتقدمة باعتبارها أداة لبناء السمعة المؤسسية وصناعة التأثير والتواصل المستمر مع مختلف الفئات المستهدفة.
وشددت على أن المرحلة المقبلة ستفرض على الجامعات الاستثمار بشكل أكبر في المحتوى الإبداعي والتحليل الرقمي وقياس التفاعل، خصوصاً مع تصاعد المنافسة الإقليمية والدولية على استقطاب الطلبة.