Tuesday 7th of July 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-Jun-2020

أبعاد الرؤية في رواية «كتاب المسافر»

 الدستور-فوزي الخطبا

 
تعدّ الترجمة فعلًا إنسانيًا جماليًّا أصعب من التأليف، وهي فنٌّ مستقلٌّ بذاته، حيث إنه يعتمد على الإبداع، والحسّ اللغوي، والثقافة الواسعة، والقدرة على تقريب الحضارات وتواصلها. وهو يمكّن البشرية جمعاء من التواصل والاستفادة من خبرات بعضهم بعضًا، فهي فن قديم قدم الأدب المكتوب، ولها جذور في حضارتنا العربية الإسلامية. وقد تَرجم علماءُ المسلمين مختلفَ علوم المعرفة العلمية والأدبية من اللغة الفارسية والهندية والرومانية إلى اللغة العربية، كما تُرجمت أجزاء من ملحمة جلجامش السومرية، وهي من أقدم الأعمال الأدبية المعروفة، إلى عدة لغات آسيوية.
 
ولا تُعدّ الترجمة أمرًا سهلًا أو بسيطًا، بل هي عملية معقدة، حيث يجب أن يكون لدى المترجم القدرة على القيام بالترجمة الدقيقة والصحيحة، ولكي يتحقق هذا الأمر يجب أن يكون قادرًا على إجادة اللغة التي يريد الترجمة إليها قدْر إجادته لغته الأم، كي يتمكن من فهم المعاني والكلمات والمصطلحات التي يقوم بترجمتها، بالإضافة إلى فهم الثقافة والحضارة المترجم إليها. ولهذا كله جاءت ترجمة الدكتورة ربى أبو علي لرواية «كتاب المسافر الأكثر مبيعًا» للروائي الأميركي (ريك إنكورفيا). لقد ألّف الكاتبُ العديدَ من الروايات، وأول رواياته عنوانها (طموح متهور)، والثانية (بعد الرحيل)، والثالثة (المِنحة)، والرابعة (في أحلامكَ)، والخامسة (كتاب المسافر الأكثر مبيعًا). أمّا السادسة وشيكة الصدور فهي (الجانب الخاطئ من الزجاج).
 
أحداث رواية «كتاب المسافر» حول شخصية محورية ومركزية، هي (تيم بيريغرين) -مدرِّس مادة التاريخ في مدرسة ثانوية في إحدى ضواحي أوهايو- الذي يصاب بالسرطان من المرحلة المتقدمة. وفي معرِض بحثه عن إجابات لما ألمّ به، يقع على أحد المواقع الإلكترونية التي تعِدُ مرتاديها برحلاتِ محاكاة للواقع الافتراضيّ أقرب ما تكون إلى الحقيقة، حيث يتسنى «للمسافر» في هذه الرحلات لقاءُ أيّ شخصية تاريخية من الماضي يقع اختياره عليها. بالنسبة لأستاذ تاريخ يقضي أيامه الأخيرة، فإنّ هذا الأمر يُعتبَر حُلمًا يتحقق. يختار (تيم) ثلاثَ شخصيات ليلتقيَها، من حقبٍ زمنية مختلفة، وهي (جورج واشنطن)، وكليوباترا، و(فولغانغ أماديوس موزارت).
 
يبدأ الأمر بصراع داخليّ بين المدرس ونوازعه كما هو متوقع من شخص يُحتضَر، ويَستغرق في تفاصيل الأسفار، كي يعود بعد كلّ واحدة من هذه الرحلات إلى غرفته الصفية ليشارك تلاميذَه تفاصيلَ المغامرات، ويوقدَ جذوة شغفهم للتعلم والحياة. في نهاية الأمر، تتعلق المسألةُ بالكِتاب النابض بالحكمة الذي يؤلّفه (تيم- المسافر) في خاتمة رحلاته. هذه الرواية التي تَجمع بين الأدب التاريخيّ والخيال العلمي والتشويق، هي تذكيرٌ لنا جميعًا بأنْ نعيش حياتنا من دون أن يجلّلها الخوفُ وعدم الأمان والقلق مما قد يظنّه الآخرون بنا، كما أنّها ومضةٌ تُلْمِح بأنّ ما يجمعنا كبشر يفوق فوارقَنا الشكلية والعرقية والجغرافية والمذهبية. وسوف يَجدُ التلاميذُ، والمدرِّسون، والآباء، وكلّ مَن يقاسي آلامَ المرض أو الفقد في هذه الرواية مفرًّا آمنًا للتفكر في معنى الحياة وهدفها، وفي القدرة على السعي وراء الحلم بعزيمة وشغف.
 
لقد أبدعت الدكتورة ربى أبو علي في ترجمتها الدقيقة، مدركة فهم احداث الرواية لغةً وبناءً فنيًّا، واستطاعت أن تنقل سرد هذه الرواية بشعورِ وإحساسِ وروح كاتبها، وكأنك تقرأ النص الروائي بلغته الأم، وتعيش أحداثها بكل سلاسة وأمانة في ترجمة النص الأصل. وقد صاغتها صياغةً أدبية إبداعية. وهي صاحبة إحساس مرهف، تؤمن بأنّ الترجمة جسر ثقافيّ معرفيّ إنسانيّ. ولا ننسى أنّ الدكتورة هي امتداد لوالديها الدكتور محمد بركات أبو علي والدكتورة ليلى سعد الدين اللذَيْن عَمِلا في الجامعة الأردنية أستاذين للغة العربية وآدابها لمدة تزيد عن ?? عاماً ومن خلالهما كان شغفُها باللغة العربية.
 
عند جماليات ترجمتها من لقاء (كليوباترا) القائدَ «بومبي» في «روما»: جالَتْ (كليوباترا) بِبَصَرِها في الغُرفةِ، ورَأَيتُها تَتَحوَّلُ أمامَ عَينَيَّ مِنْ يافِعَةٍ لها مِنَ العُمرِ أَربعةَ عَشرَ عامًا إلى امْرأةٍ. «سيِّدي»، بَدَأتِ الحَديثَ باللَّاتينيَّة: «أنا (كليوباترا)، مَلِكَةُ النِّيل، والابنَةُ الثَّالثةُ لِلمَلِكِ وفِرْعونَ مِصْرَ. الرَّجُلُ الَّذي أَهَنْتَهُ بِقَسوةٍ هُوَ والِدي». ارْتَجفَ صَوتُها في البدايةِ، ثُمَّ ما لَبِثَ أنْ غَدا ثابتًا. استَحالتِ ابتسامةُ (بومبي) إحراجًا معَ استمرارِها في الكَلامِ، وخيَّمَ الصَّمْت على رَفِيعِي المَقامِ والجُنودِ. وبدَأَ وَجْهُ (توليمي) الأَحمَرُ وجِسْمُهُ المُرْتَخِي بالتَّماسُكِ، وعَلَتْ مُحَيّاهُ ابتسامةٌ، ولَمْ يَكُنْ يَفهمُ ما قالَتِ ابنتُهُ باللَّاتينيَّة، لكنَّهُ فَهِمَ نَبْرتَها.
 
وتابَعَتْ: «أيُّها اللِّواءُ (بومبي)، نَقِفُ أَمامَكَ هُنا بِتَواضُعٍ طالِبِينَ عَوْنَكَ، ولكنْ ليسَ كحَمْقى، فإنْ كانتْ هذهِ الأُمسيةُ تَسلِيَةً بالنِّسبةِ لكَ ولِسَعادينِكَ، للاستهزاءِ بالعائلةِ المَلَكِيَّةِ المصرِيَّة، التي تَمتَّعَتْ دَوْلَتُكُمْ بِعَلاقاتٍ تِجاريَّةٍ كثيرةٍ مَعها لِسَنواتٍ، فما عَليكَ إلّا أنْ تَقُولَ، وما عَلَينا إلَّا أنْ نَعُودَ إلى الإسكندريَّةِ على الفَوْر، ولنْ نُسَبِّبَ لكَ مَزيدًا مِنَ الإزعاج».
 
وتَحَسَّسَتْ يَدِي سَيْفيَ الذي أَحْكَمْتُ قَبْضَتِي عليه ثانيةً، ولاحَظَ (بومبي) ذلك، وتَغيَّرَتْ نَبْرَتُهُ ونَظْرَتُه، واعْتَرى وَجْهَهُ تَعبيرٌ أَكثرُ تَواضُعًا حينَ وَجَّهَ نَظَرَهُ مِنْ جَديدٍ إلى (كليوباترا). «لا، في الحَقيقةِ، سُمُوَّ الأَميرة»، قالَ بِصَوتٍ خَفيضٍ يَسْمَعُهُ ثَلاثَتُنا فَقَط: «أنتِ لَستِ حَمقاء». رَفَعَ صَوْتَهُ مِنْ جَديدٍ، وَوَجَّهَ حَديثَهُ إلى الحُضور: «هَلُمُّوا. دَعُونا نَتَناولِ الطَّعامَ والشَّرابَ».
 
وما إنْ سَحَبَ اللَّيلُ ذَيْلَهُ، حتَّى كانَ المَلِكُ في سَرَفٍ مِنَ الثَّمَلِ والإعياء، وأخرَجَ نايَهُ يُحاوِلُ العَزفَ، ممّا أثارَ فزَعَ (كليوباترا). وتَبادَلَ (بومبي) و(توليمي) التَّجَشُّؤَ كَنَوعٍ مِنَ الإطراءِ، في إشارةٍ إلى جَوْدَةِ الطَّعامِ والشَّراب. وحينَ أَطفأَ العَبيدُ أخيرًا المصابيحَ، إيذانًا بانتهاءِ الوَليمة، تَنَفَّسَت (كليوباترا) الصُّعَداءَ، إذْ لا مَزيدَ مِنَ الحَرَجِ في تِلكَ اللَّيلةِ التي آذَنَتْ بالمَغيبِ».
 
لقد كشفت هذه الرواية عن ذائقة الأديبة المترجِمة الرفيعة، وعن قدراتها وثقافتها العميقة ورؤيتها لرسالة الأدب في الحياة، وعن مهارتها وخبرتها ودرايتها في فهم النصوص، التي جمعت فيها بين المستويين التعبيري واللغوي، وبين الفكرة والمعنى والأسلوب واللغة. ويتطلب هذا الأمر الاطلاعَ الواسع على الإبداع الأدبي المترجم منه والمترجم اليه.
 
وحسبما ترى الدكتورة ربى أبو علي فإنّ «الأدب العالمي زاخر بالدّرر التي تستحق سبر غورها وترجمتها إلى العربية»، وأضافت: «أتمنى أن تكون الترجمات جميعها- وليس ما أُترجم فقط- حصيلة شغف وإخلاص وحب، حتى نرى الآخَر ونفهمه لكنْ بلغتنا العربية. وأتوق إلى أن ترتقي الترجمةُ العربية بذائقة القراء، بعيدًا عن الترجمات التجارية التي قد تكون ركيكة في بعض الأحيان- للأسف. لغتنا الأم منجم ثريّ وله مكامِن جَمال تستحق أن نتشبث بها، ونعيد أبناءَنا والأجيال اليافعة إلى القراءة بالعربية والاعتزاز بها. وفي السياق نفسه، فقد كان الدافع وراء ترجمتي الأولى لرواية اليافعين (بعد الرحيل) هي أنني أردتُ لأبنائي أن يقرؤوها... بالعربية، فهم متمكنون باللغة الإنجليزية، لكنهم يستمتعون بالمطالعة بلغتهم الأمّ).
 
وخاتمة القول، فقد أحسنتْ د. ربى في اختيارها ترجمة روايات الروائي ( ريك انكورفيا)، الذي يتصف أسلوبه بالسهل الممتنع، وإشراقة المعنى، وجمال السرد، وخفة الروح. وتجد في رواياته متعةً، ولذّة، وجمالًا، وتشويقًا.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات