Saturday 16th of December 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    02-Oct-2017

تحديث نظام المِلْل والنِحل للعيش المشترك (2) - ا.د. كامل صالح أبو جابر
 
الراي تعيش جميع المجتمعات، لا مجتمعنا العربي او الاسلامي لوحده، ازمة حضارية خانقة عمودها الفقري البحث عن هوية للتعددية التي شاءها الخالق كما وشاءتها الطبيعة للبشر، واضح ان حتى عملية الاندماج (Integration) الغربية، لا في اوروبا الغربية ولا حتى في الولايات المتحدة الاميركية نجحت في مسعاها بدليل حركات الانفصال والبحث عن هوية في اوروبا واميركا وآسيا وافريقيا النشطة على الرغم من اجواء المساواة السياسية والديمقراطية المرتكزة الى الاحتكام الى قوانين ودساتير في بعض البلدان.
 
ففي اميركا الشمالية ما زالت الاقليات المتعددة هناك تصر على تعريف نفسها بالالمان او الايرلنديين او الايطاليين او اليونانيين الاميركان، والحال اكثر وضوحا حين يتعلق الامر بذوي الاصول البورتوريكيين او ذوي الاصول اللاتينية الاسبانية (Hispanice) اما العلاقة ما بين ذوي الاصول الافريقية السود فخير دليل على سوئها هو تكرار المظاهرات والشغب وتنامي العنصرية التي تنفجر بشكل متكرر على الرغم من نصوص القوانين والدساتير التي تصر على مساواة جميع الخلق امام القانون.
 
قدمت حضارتنا العربية الاسلامية نموذجا معقولا للعيش المشترك الامر الذي سمح باستمرار التعددية الدينية والاثنية من خلال نظام المِلل والنِحل والذي استمر منذ لحظة ولادة الاسلام ووصلنا عبر قرون الحكم العثماني وهو نظام رائع من حيث قواعده الفكرية والفلسفية المستندة الى فكرة مساواة الخلق جميعا امام الخالق اولا وثانيا ان هذه المساواة امر لا جدال فيه حيث هي من صلب العقيدة لا مِنّة من هذا الخليفة او الحاكم او ذاك وثالث بسبب استنادها الى القبول بالاختلاف وحسب بل ولا بد من الترحيب فيه اذ هو آية رائعة من آيات خلق الله، من هذا المنطلق ومن هذه القاعدة تعدى الاسلام وتجاوز مسألة التسامح، فالتسامح يعني فيما يعني ان درجة المتسامح اسمى واعلى من ذاك المتسامح معه، وتفترض كذلك ان بمقدور المتسامح ان يسحب تسامحه متى شاء، وجميع هذه الفرضيات تتعارض مع روح العقيدة المستندة الى اخوة الخلق الذي يعود جميعهم الى اب واحد وام واحدة، هو ذاك الذي لا يفضل عربياً على غيره ولا ابيض على اسود اثنيا وهو ذاك الذي يتسع عقله وقلبه للايمان بجميع الاديان السماوية ولا يحكم على غيره بالكفر حتى لاولئك الذين يتبعون عقائد وافكاراً غير تلك التي وردت في تعاليم الديانات التوحيدية الابراهيمية.
 
لو كان لدى العالم مثل هذا النظام الانساني الذي يتوجب على قياداتنا الروحية والعلمية والاجتماعية تطويره ليستند الى دساتير وقوانين وضعية لما حصل ما يحصل اليوم من ظلم يصل حد البربرية الدموية في فلسطين حيث اختطفت الصهيونية السياسية روح تعاليم سيدنا موسى عليه السلام وجعلت من الدين غطاء للقتل والتدمير والاستعمار.
 
نظام المِلل والنِحل قابل للتطور والتحديث، يرتكز الى قاعدة الحرية الروحية والاجتماعية، لكل مِلة او نِحلة ان تحيا حياتها اليومية ضمن جماعتها من منطلق احترام الاختلاف لدى الجماعات الاخرى شريطة ان تلتزم بالاداب العامة المشتركة وان هويتها السياسية وانتحالها بالكامل هو للنظام السياسي وان ولاءها هو فقط لهذا النظام. حياتها الخاصة واساليبها وهويتها الاجتماعية هي لجماعتها الصغيرة ولكن هويتها السياسية للدولة.
 
انهار مثل هذا النظام عندنا مع انهيار الامبراطورية العثمانية وهو النظام الذي على الرغم من بعض اخطائه سمح ببقاء واستمرار تعددية مجتمعاتنا العربية الاسلامية ومع انهياره دخلت الفوضى حياتنا الاجتماعية والسياسية نظرا لفقدان النموذج واليقينية كذلك منذ تلك اللحظة وباستثناء الاردن وربما حتى لبنان ونحن نبحث دون جدوى عن بديل.
 
صحيح ان الامور لم تكن دوما «قمر وربيع» ولكن انهيار النظام وفشل الدولة العربية الحديثة في التصدي للتحديات الداخلية والخارجية افسح المجال لتنامي خطاب البغضاء والحقد والكراهية وساعدت الصهيونية والاستعمار الواضح والمقنع على اثارة الفتن حتى الدموية ما بين عرب وكرد وفرس وترك وسُنّة وشيعة ووفرت الاجواء لتهجير العرب المسيحيين طوعا او قسرا.
 
نظام المِلل والنِحلل قائم على قواعد روحية واثقة من نفسها تعود الى آيات ونصوص واضحة في القرآن الكريم والتي بدورها تستند الى فكر عقلاني محكم حيث يستند الى ولاء روحي اجتماعي يمتد على «امتداد الملة من جهة والى ولاء سياسي جغرافي ضمن حدود الدولة من جهة اخرى. مثل هذا النظام كفيل بادارة التعددية من منطلقات انسانية تجمع ما بين الاختلاف والوجهة في نسيج اجتماعي ممكن.
 
نتحدث احيانا عن الاعتدال وكأنه جرعة من الدواء يمكن للانسان ان يبتلعها فيصبح معتدلا، من المؤكد ان الاعتدال لا يدوم في حال الاحباط والفوضى وفي العودة الى نظام حياة المِلل والنِحل السابق مع تحديثه لا طريق الخلاص بالنسبة لنا وحدنا بل للبشرية من خلال تبنيه والدعوة له حيث لا داعي في هذه الحال للجدل العقيم حول مسألة الفصل ما بين الدين والدولة او التساؤل حول كم من الدولة نريد في الدين او عكس ذلك اذ يقوم النظام باعادة التوازن ما بين مكونات المجتمع وربما يقود الى اعتاق الدين من تسلط الدولة عليه، كما حصل سابقا ويحصل اليوم في بعض بلدان العالم.
 
قصرت المؤسسة الدينية في معظم بلدان العالم وعندنا كذلك – بحق نفسها وبحق الشعوب – عندما اكتفت بالتعاون مع المؤسسة السياسية للحفاظ على الامن والاستقرار فوق اي قيمة اخرى. مثل هذا التقصير هو ما سمح لعقائد الكراهية والعنف والتطرف والارهاب بالبقاء واحيانا بالازدهار والامر ليس مقصورا علينا في العالم العربي وانما في اجزاء اخرى من العالم والا فكيف لنا ان نفس استمرار العنصرية والفاشية والنازية في عالم الغرب او بربرية اهل بورما البوذيين تجاه مسلمي الروهينجا او ما يفعله اليمين الصهيوني الملتحف بالدين بأهل فلسطين او ما تفعله بوكوحرام بمسيحيي نيجيريا.
 
نظام مطور للمِلل والنِحل باعتقادي كفيل بالقضاء على رموز الكراهية والتعصب يجمع ما بين الحرية الدينية والاجتماعية من جهة والولاء السياسي لنظام الدولة حسب القانون ما بين المواطنة والانتماء.
 

 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات