Thursday 22nd of February 2024 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    20-Jan-2023

هل يمكن للمفكّر أن يكون فتوّة؟! عبدالرحمن بدوي والعقّاد أنموذجين للتأمّل

 الدستور-غسان إسماعيل عبدالخالق

هل يمكن للمفكّر أن يحل خلافاته السياسية مع خصومه بقبضات الفتوّات؟ لقد تطوّع المفكّر الدكتور عبد الرحمن بدوي لتقديم إجابة شافية بهذا الخصوص، وذلك في معرض سيرته الذاتية (حياتي)، وفي سياق تناوله لشخصية عباس محمود العقاد، إلى الحد الذي يمكنني أن أزعم معه بأنه قد قرأ سيرة خصمه قراءة فاحصة، ثم ضمّن سيرته هو، ما يمكن وصفه بالردّ المبرمج على أسطورة غريمه. وقد وردت تفاصيل هذا الردّ المخطّط، في تضاعيف ما ساقه من ملابسات انتمائه إلى « حركة مصر الفتاة « ذات الميول القومية المتطرّفة. ونظراً لخطورة ودقّة ما أورده عبد الرحمن بدوي، فسوف أعمد لاقتباسه حرفياً، ثم سأُتبع ذلك بالتحليل:
«في الوقت الذي كان القسم السياسي في بوليس محافظة القاهرة برئاسة الأميرالاي سليم زكي يطارد أعضاء مصر الفتاة ويعتقلهم ويلفِّق لهم التّهم، أوعز النقراشي إلى كاتب السعديين في ذلك الوقت، عبّاس محمود العقّاد، بالهجوم بقلمه. وقد كان العقّاد طوال حياته مأجوراً لحزب من الأحزاب: الوفد (حتى سنة 1935) وخصوم الوفد (من 1935 حتى 1938) والسعديين (من سنة 1938 حتى سنة 1950)، كما كان مأجوراً لبريطانيا (طوال مدة الحرب : 1939 إلى 1945 على الأقل)؛ يستخدم سلاطة لسانه، وما يزعمه لنفسه من قوة عارضة في التطاول على خصوم مَنْ يُستغل للدفاع عنهم. ثم انكفأ بعد ذلك يهاجم مصر الفتاة. فلمَّا كتب أول مقال، تشاورنا في مصر الفتاة بماذا نرد؟ فرأى (صبيح) أن يكون ذلك بالرد القاسي في مجلّة مصر الفتاة، وكتب فعلاً مقالاً بعنوان: «العقّاد جهول يريد أن يعلّم الناس ما لا يعلم». فكتب العقّاد مقالاً آخر أشدّ وأعنف. وكان من رأيي أن العقّاد يرحب بالمقالات، فلا علاج له عن هذا الطريق، بل لا بدَّ من استخدام العنف معه لأنّه لا يردعه غير العنف. وأخذ برأيي اثنان من أعضاء الحزب، أحدهما هو الذي كان قد أرهب قاضي الإحالة؛ فتربصا للعقّاد وهو عائد إلى بيته رقم 13 شارع سليم في مصر الجديدة، وانهالا عليه بالضرب والصفع والركل، وأفهماه أن هذا تأديب مبدئي بسبب مقالين ضد مصر الفتاة؛ فإن عاد، عادا إليه بما هو أشد نكالاً. وأحدثت هذه «العلقة» أثرها الحاسم، فخرس العقّاد خرساً تاماً، ولم يعد إلى الكتابة ضد مصر الفتاة».
سوف أقسم تحليلي لهذا الاقتباس الذي يمثل وثيقة خطيّة خطيرة، من شأنها التطويح تماماً بالصورة التي رسمها العقّاد لنفسه، إلى قسمين: قسم يعنى باستخلاص وتقرير التهم التي كالها عبد الرحمن بدوي لعباس العقّاد، وقسم يعنى بمناقشة مدى مصداقية هذه التهم. أما بخصوص القسم الأول، فيمكننا أن نسجّل ونستخلص ونقرّر ما يلي:
1- أن العقّاد كان يكتب بإيعاز وتكليف من وزير الداخلية، وليس انطلاقاً من قناعاته الشخصية بوصفه مفكراً أو أديباً أو صحفياً.
2- أن العقّاد كان يمثل عصبة سياسية، هي عصبة الوفديين السعديين –نسبة إلى سعد زغلول- ولا يمثل نفسه.
3- أن العقّاد كاتب مأجور على الدوام ؛ أجّر قلمه للوفديين، ثم لخصومهم، ثم للسعديين، ثم للبريطانيين طوال فترة الحرب العالمية الثانية.
4- أن العقّاد وظّف سلاطة لسانه وقوّة حجته في خدمة من يستأجره.
5- أن العقّاد يسعد بأن يُردَّ عليه لأن ذلك يمنحه الفرصة والقدرة على التألّق.
6- أن العقّاد جبان ورعديد وليس قوي البأس والشكيمة كما يدّعي، فقد لاذ بالصمت المطبق بعد أن تعرّض للضرب المبرّح، على أيدي فتوّتين من فتوّات حركة مصر الفتاة!
وأما بخصوص القسم الثاني، فيمكننا أن نسجّل الملاحظات التالية:
1- أن سلاطة لسان عبد الرحمن بدوي وقوة حجّته، لا تقلاّن شكلاً أو مضموناً، عن سلاطة لسان العقّاد وقوة حجته.
2- أن الاتهامات الخطيرة التي كالها عبد الرحمن بدوي للعقّاد لم يبد الثاني مستهدفاً بها وحده، بل جاءت في سياق ما يمكن تسميته بكشف حساب طويل وعاصف، مع جملة من أعلام الفكر والأدب في مصر مثل: طه حسين وأحمد أمين وزكي نجيب محمود، ما يدفعنا إلى افتراض موضوعيته وصدقيته ونفي تهمة التحامل الشخصي المقصود على العقّاد.
3- أن أسوأ ما اشتملت عليه اعترافات عبد الرحمن بدوي الذاتية، تمثِّل في الوقت نفسه، أفضل وأقوى الأدلّة على صدقه؛ فقد اعترف –وهو المفكّر العقلاني المعروف- دون لف أو دوران، بأنه المخطّط والمحرّض على التربّص بالعقّاد والاعتداء عليه بالضرب المبرّح! والطريف في الأمر، أن يختم هذا الاعتراف المخزي بما يشبه الاعتداد بعظمة وروعة ما خطط له وحضّ عليه فقال: وأحدثت هذه «العلقة» أثرها الحاسم، فخرس العقّاد خرساً تاماً، ولم يعد إلى الكتابة ضد مصر الفتاة!
وليت الأمر وقف بعبد الرحمن بدوي عند حدّ هز صورة العقّاد هزّاً عنيفاً، بل تعدّاه إلى هزّ كيان العقّاد كلّه، وأعني بكيانه: صورة شيخه الإمام محمد عبده وزعيمه الباشا سعد زغلول! وأما الإمام محمد عبده (مفتي الديار المصرية والمصلح الديني المزعوم)! فقد أنكر عليه عبد الرحمن بدوي صداقته الوطيدة جداً مع اللورد كرومر، الذي حكم مصر بالحديد والنار وأذاق المصريين ألواناً من المهانة والذل، ومع ذلك فقد كان الإمام يتفاخر ويتباهى بهذه الصداقة، لا بل إنه وضع قلمه في خدمة اللورد كرومر وسطر العديد من المقالات بناء على طلبه للنيل من أسرة محمد علي. ولا يدّخر عبد الرحمن بدوي وسعاً لإبداء استغرابه وتعجبه من كثرة وحماسة مريدي محمد عبده الذي تواطأ _ بزعمه _ مع طاغية الاستعمار البريطاني في مصر، والذي ليس له من الإصلاح الديني _بزعمه أيضاً _ إلا (تفاهات شكلية مثل تحليل لبس القبّعة _ وكأن هذا أمر خطير جداً به يكون المرء مصلحاً دينياً كبيراً)! لا بل ليس له أيضاً من الإنتاج الفكري الوافر ما يسوّغ وصفه بالمصلح الديني، فإنتاجه الفكري وفقاً لعبد الرحمن بدوي، ضئيل جداً لا يتعدّى كتاباً صغيراً هو (رسالة التوحيد) التي تمثّل دروساً ألقاها في بيروت بعد خروجه من مصر (وهي متن في علم التوحيد واضح العبارة، حسن الأسلوب، لكنه من حيث المادة خَجِل بسيط لا يفيد إلا المبتدئين في هذا العلم). وسوى ذلك فليس للإمام محمد عبده إلا شذرات متفرّقة تمثّل (تعليقات لغوية بسيطة على مقامات البديع الهمذاني والبصائر النصيرية للساوي ونهج البلاغة المنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب).
وأما سعد زغلول، مؤسّس حزب الوفد وزعيم الأمة المصرية كما كان يحلو لعباس محمود العقّاد أن يقول، فقد أصلاه عبد الرحمن بدوي ناراً حامية، لم تخصّه وحده فقط، بل هي عمّت حزب الوفد والوفديين جميعاً. فقوام الوفد كما يراه عبد الرحمن بدوي ليس سوى مجموعة من العائلات الانتهازية الأميّة التي أثْرَت على حساب مصر والمصريين بحكم علاقتها الوطيدة مع الحكم الإنجليزي، وحزب الوفد لم يقدّم للمصريين في كل الدورات التي قيض له فيها أن يتسلّم الحكم سوى الوعود البرّاقة فيما لم يدّخر وسعاً (لإغداق المناصب والمكاسب على الأنصار والأصهار والمحاسيب... ولم يضم واحداً من كل أهل الفكر والعلم، وزعماؤه وكبار رجاله يتسمون بالجهل وقلة البضاعة من العلم والثقافة)!
هكذا إذن، طوّح عبد الرحمن بدوي بطرفي الحبل المشدود الذي طالما سار عليه العقّاد بثقة واطمئنان، بعد أن طوّح بتمثال العقّاد شخصياً ؛ فإذا بنا أمام كاتب مرتزق مأجور جبان، وإذا بنا أمام شيخ قليل الحظ من الإصلاح والتفكير، وإذا بنا أمام زعيم ليس بزعيم ! وسواء كان عبد الرحمن بدوي قد اطّلع على (أنا) العقّاد أم لم يطّلع، فقد تكفّلت الصفحات التي سطرها في (سيرة حياته) بالإجهاز على صورة العقّاد شخصياً وفكرياً ووطنياً، وأظهرته بصورة مخالفة تماماً للصورة التي جهد في رسم ملامحها عبر مئات المقالات وعشرات السنين والكتب.