Friday 4th of December 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    14-Nov-2020

أزمة الوعي التراثي

 الدستور-د. مهند غازي الزامل

التراث الإنساني لأيّ أمة من الأمم هو ديوان فعاليتها المختلفة، ونتاجاتها المتعددة على مرِّ التاريخ، ومن المتفق عليه لدى الباحثين في عِلم تاريخ الحضارات – الأنثروبولوجيا – أنّ كل تراث من تراثات الإنسانية يتميّز بخصوصيّات مُعيّنة، في موضوعاته، وإشكالياته، وتحدّياته، وعقائديّاته، وكذلك في المزاج النفسي العام لأبناء ذلك التراث، وتلك الحقيقة هي التي تجعل من تراث الأمة مقياسَ وجودها الإنسانيّ المتميّز، وعلامة تقرير هويّتها التاريخية كأمّة.
وتراثنا الثقافيّ؛ الذي أفرزته حضارة الإسلام وفعاليات الإنسان على مدار بضعة عشر قرْنًا هو – من غير كثيرِ تكلُّفٍ أو ادِّعاءٍ أو نرجسية – أحدَ قطبيّ الإنسانية المحوريين، وهما : التراث الإسلامي والعربي، والتراث الأوروبي. فهذان القطبان هما اللّذان تميّزا بصفاتٍ وخصائصَ، جعلتْ منهما نِدَّيْنِ، ومحورين تدور حولهما المسيرة الإبداعية في التاريخ الإنساني الحيّ، ولعلَّ في مقدمة تلك الخصائص؛ ما اتّسَمَ به كلاهما من عالمية ِالتأثير والعطاء، الذي يتعدّى الحدود القومية أو الوطنية أو اللغوية، وما تميزا به – كذلك – من روح الإنفتاح والتجاوب والتفاعل مع التراثات الإنسانية الأخرى، على خلافٍ في النِّسبة بينهما، إضافة لما اختصَّ به كُلّ منهما من استعلاءٍ حضاريّ وسياسيّ وعسكريّ شامل، في فتراتٍ طويلة من التاريخ الحيّ، كانت الأدوار فيها تتبادل بين بنائيهما الحضاريين من غير نزاعٍ من أيّ طرفٍ ثالث.
إنّ تراثنا هو وجودنا، ولا توجد أمّة تزعُمُ أنّها أمة، ذات حضور إنساني مُتميّز، دون أن يكون لها تراثها الخالد والفاعل والمتميز في التاريخ، وإنه لمن الظلم لحاضر أمتنا ومستقبلها، ولأجيالنا الجديدة، أن نتعامل بمثلِ هذا العبث مع تراثنا الكبير، والذي هو – كما قدّمنا – أحد قطبيّ الوجود الإنسانيّ العالميّ المستنير والفاعل على مرّ التاريخ.
وإذا أردنا أن نقرأ في تراثنا أو نكتبَ فلنقرأ كأبناءٍ له، وأمناء عليه، ومستخلفين فيه، بحيثُ تحْمِلُ ضمائرنا همًّا متجددًا، يُحيي فيها روح الجِدِّ، ويُنمّي فيها الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية الرّسالية، أما أن نقرأ في تراثنا ونكتب كغرباء، أو حتى محايدين؛ فسوف نّزِلُّ ونَضِلُّ؛ لأنّ الغُربة مِظنّة الجهل، وسبيلُ الجفوة، كما أنّ المحايدة دعوى باطلة في هذا المجال، ومجرّد خدعة نخدعُ بها أنفسنا عندما نُضمِرُ في نفوسنا أمرًا، ونُبيِّتُ موقفًا من ذلك التراث..