Friday 22nd of June 2018 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    04-Jun-2018

الحياة كسياسة في الشرق الأوسط - حسن أبو هنية

الراي - تعتبر نظرية الحركات الإجتماعية أحد أهم المقتربات التفسيرية في فهم وتحليل ظاهرة الحياةكسياسة، ضمن سياق التحولات وعلاقة السلطة بالمقاومة وبروز الثورات والاحتجاجات، وتعنى نظرية الحركة الاجتماعية بالظواهر السياسية الاجتماعية عموما، وتركز على حركات المعارضة المطلبية ذات الإنتشار الواسع التي

يصعب ربطها بحزب أو جماعة واحدة أو طبقة أو فئة محددة خصوصا، وقد طرأ على النظرية تعديلات عديدة لفهم تعقيدات الوضع الاجتماعي السياسي في بيئات وأنظمة مختلفة، وفي هذا السياق تقدم كتابات آصف بيات، الباحثالأمريكي من أصل إيراني، منظورا مختلفا للحركات الاجتماعية في المنطقة العربية والشرق الأوسط؛ حيث يستكشف في تحليلاته اللصيقة بالواقع أشكالاً جديدة من الحراك الاجتماعي ليست في العادة مرئية ومفسرة جيداً لمن ينطلق من التصورات التقليدية للحركات الاجتماعية التي تستلهم من تجارب تاريخية أخرى مختلفة الظروف.
لا جدال أن آصف بيات كغبره من المنظرين الاجتماعيين والسياسيين ينطلق في فهمه للسلطة والمقاومة
من تعريف ومساهمة ميشيل فوكو التي تتمتع بحضور لا يمكن تجاوزه نظرا لعمق وشمول رؤيته وتخطيها
للمنظورات الماركسية والليبرالية لمفهوم السلطة، باعتبارها متغلغلة وموجودة في كل مكان، وكونها
منتجة للأفراد كاشياء وكذوات بطرق مختلفة في الميدان الاجتماعي، فالسلطةليست امتلاك متفرد لا من
الدولة ولا من طبقة أو فئة معينة في المجتمع؛ ولا تنشأ العلاقات السلطوية داخل المجتمع خارج العلاقات
السياسية والاقتصادية والمعرفية والجنسية، إنما تكون محايثة لها وناتجة منها؛ فالمصدر الحقيقي
للسلطة هو أسفل القاعدة الهرمية للمجتمع، وليس قمته؛ كما أن السلطةليست سلطة الدولة التي
تمارسها أجهزتها المنتشرة في الجسد الاجتماعي، بل الدولة نتاج وأثر مجموع العلاقات السلطوية في
المجتمع؛ وأخيرا حيث تكون السلطة، يجب أن تكون المقاومة، إذ يقدّم فوكو المقاومة بوصفها نموذجًا
معرفيًّا بديلًا لنموذج السلطة يتحرك الأفراد من خلالهِ ويناضلون ضد خطاب الحقيقة الذي تقدّمه السلطة.
ثمة انتقادات عديدة على مقاربة بيات وفي مقدمتها اهمال البعد الذي لا تبدو فيه تقنيات السلطة, وقدرة
الدكتاتوريات على قمع الاحتجاجات وإعادة انتاجها، وهي رؤية تتماهى مع أطروحات فوكو البنيوية قبل
تعديلها، ولذلك عمد بيات لاحقا إلى إعادة النظر في بعض منظوراته السابقة، ومع ذلك فإنمساهمة بيات
حول دور اللاحركات قد أثبت نجاعته الاجتماعية كما بدى في احداث الربيع العربي، وقد طهرت رؤيته ابتداء مع
كتابه ذائع الصيت والانتشار والذي نشر عام 2007 بعنوان «جعل الإسلام ديموقراطيا: الحركات الاجتماعية
والانعطافة مابعد الإسلاموية»،حيث قدم بيات مناقشاته النظرية الدقيقة عن طبيعة الحركات الاجتماعية
وديناميكيتها في الشرق الأوسط تحديدا. فهو يؤكد -وعلى خلاف بعض النماذج الغربية- أن الدولة والمجتمع المدني لا ينبغي أن ينظر إليهما كمساحتين منفصلتين كلياً حسبأحمد العوفي، حيث يبين عملياً من خلال دراسة حالتي إيران ومصر كيف أن الأنظمة تدخل في تنافس مع لاعبين أخرين في تشكيل الحياة العامة والممارسات اليومية للمواطن. إن توليد القوة في المجتمع لا يتم عبر المؤسسات الرسمية أو الأفعال السياسية المباشرة فقط بل يكمن أيضا في قدرة الحركات الاجتماعية والفاعلين المختلفين على خلق ثقافة بديلة وتنظيم الأنشطة الحياتية حولها. وهنا يطرح مفهوم «سياسة الحضور» أو «فن الحضور» أي كيف يمكن لأفراد عاديين غير مترابطين بالضرورة أن يغيروا معالم الواقع السياسي ليس من خلال مواجهات سياسية جمعية مباشرة يمكن قمعها بسهولة إنما عبر ممارستهم لحياتهم اليومية في الفضاء العام بشكل يعبر ذاتيا عن موقف.
عمل آصف بيات على تطوير مقاربته السابقة وتوسيعها من خلال العديد من الدراسات التي نشرها بين
عامي 2001 و2009 والتي جمعت لاحقا في كتاب بعنوان بـ»الحياة كسياسة: كيف يقوم الناس العادييون بتغيير
الشرق الأوسط» والذي نشرت طبعته الأولى عام 2010 ،وقد ترجمه إلى العربية 2014الدكتورأحمد زايد وصدر عن المركز القومي للترجمة، تحت عنوان»الحياة سياسة.. كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط»،وقام بيات
بتطوير مفهوم سياسية الحضور وتقديم أطروحة نظرية أكثر تماسكا حول أنماط الحياة اليومية التي تهمل
دراسات الحركات الاجتماعية قدرتها على انتاج واعادة توزيع القوة في المجتمع.
لا يقلل بيات من شأن الحركات الاجتماعية التي تتبلور في بنى واضحة إلى هذا الحد أو ذاك وتوجه الفعل
السياسي الجمعي بشكل مباشر و واعي حسب العوفي، إلا أنه يؤكد على صنف آخر من الظواهر لايكون
مرئيا للكثير ولا تقدر قوته التحليلية قدرها وهو ما يطلق عليه «اللاحركات الاجتماعية»،والتي تعتبر الأثر
الجمعي لعدد كبير من الفاعلين الذين لا يعملون بشكل جمعي. فعندما يقوم أفراد عاديون منتشرون
وغير مترابطين بممارسات يومية متشابهة لا تتوافق مع النظام العام لكنها لا تأخذ طابع التحدي والمواجهة
فإنهم ينتجون حالة ضاغطة لا يستهان بقدرتها على تغيير الواقع السياسي والاجتماعي. إنها الزحف الهادئ
الذي يضع الأنظمة والقوى التقليدية في مأزق ؛ فاللاحركات الاجتماعية ليست هدفا معاديا يمكن تبرير قمعه
ولا كيانات منظمة ذات قيادات محددة يمكن تحجيمها وامتصاصها إنما هم الناس العاديون وهم يمارسون حياتهم فحسب.
تكمن خطورة هذا الشكل من أشكال التغيير السياسي الصامت في أنه يشرعن ويطبع الواقع الجديد الذي
يصنعه الناس بممارساتهم ويغير القيم والمعايير السائدة، انه يهدد منطق القوة ذاته، أي قابلية الفرد لأن
يُحكم وأن يكون عنصرا طيعاً . يقدم آصف في الكتاب عدداً كبيراً من الأمثلة من واقع الحركة النسويةوحركات الشباب وكذلك تحدي الفقراء لواقعهم في المناطق الحضرية.
رغم أن بيات يميز بين الحالة الثورية «الاستثنائية « المؤقتة وبين حالة الحياة «العادية»، إلا أنه حسب العوفي
يشير أن ثمة اتصال مهم بينهما. اللاحركات الاجتماعية التي تمخضت عن حالة غير منظمة -حيث حل «الفعل
الجمعي» محل «الفاعليين الجمعيين» وعن مناخ يضع حياة الأفراد خارج تنظيم وتحكم الدولة شكلت أرضية
خصبة لحلول اللحظة الثورية. هذه اللحظة التي لا تلبث أن تتبدد بالضرورة وتُتبع بحالة عادية أخرى. إن الثورات
-كما يقول آصف- هي لحظات استثنائية في التاريخ يتكثف فيها التضامن وتتصاعد الطموحات ويخرج
نظام القوة من طوره الطبيعي. فكما أنه لا يعود هذا النظام إلى ما كان عليه قبلها إلا أنه لا يستمر وفق
منطق الثورة. فلا يمكن تحقيق آمال الثورة إلا من خلال حركات أو لاحركات اجتماعية مستمرة تقوم بتشكيل
العادي واليومي والمستقر. إذ أن التشكيلات التي تخلقها الثورات سريعا ما تختفي وتعود القوى والتحالفات
القديمة إلى السطح لتأخذ مواقعها في واقع جديد.
يعد كتاب الحياة كسياسةلآصف بيات، حسب إسلام محمد أحد الأدبيات المعاصرة المهمة التي سعت إلى
رصد أكثر تفصيلًا وتحليلًا للمنطلق الثوري شرق الأوسطي، في محاولة لقراءة نقدية لعملية التغيير في المنطقة. ففي ثلاثة أبواب وعبر أربعة عشر فصلًا يسعى الكاتب لاستعراض مفصل لصور النضالات في الشرق الأوسط من أجل العيش والتكيف مع السياق المجتمعي الحضري، ومقاومة الاستبداد السياسي في
العقود الأربعة الماضية.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات