Wednesday 28th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    15-Oct-2020

حركةالترجمة والنقل في العربية: المراحل والمنهجية

 القدس العربي-خالد بريش

لم تكن للعرب قبل الإسلام عناية بالقراءة والكتابة. ولم يعرفوا العلوم والمعارف المختلفة، بطريقة معمقة، كغيرهم من الأمم التي سبقتهم. ولم تبدأ عنايتهم بالكتاب والكتابة والترجمة، إلا بعد خروجهم من رحمهم، وسط الجزيرة العربية. واحتكاكهم فعليا بمن حولهم، ومعايشتهم لهم. وأول حدث ذكره المؤرخون في ما يخص موضوع الترجمة، يعود إلى أكثر من نصف قرن على ظهور الإسلام، عندما طلب الخليفة الأموي مروان بن الحكم من طبيبه ماسرجويه، ترجمة كُنّاش الطبيب أهرن بن أعين الإسكندراني في الطب. وقد جعله في خزانة كتبه الخاصة، مخافة من العوام، كونه يحوي مقالة مفصلة في التشريح. إلى أن أتى الخليفة عمر بن عبد العزيز، وأخرج الكتاب من الخزانة الخاصة، وجعله في متناول يد القراء، ومحبي الاطلاع، معتبرا أن العلم يجب أن لا تتحكم فيه غوغاء العوام، ولا أن يخضع لأهواء الفقهاء، طالما أن دعوة القرآن للعلم والتعلم واضحة، لا لبس فيها، ولا قيود.
ويذكر بعض المؤرخين أن ابن أسال، طبيب معاوية بن أبي سفيان ترجم له أكثر من كتاب في أقوال السابقين، وحِكَمِهم، وتاريخ الأمم السابقة. وتابعت الترجمة مسيرتها في تلك الفترة ما بين رسالة هنا، وكتاب هناك، بدون أهمية تذكر. وبدون أن تكون حركة منظمة، حتى كان زمن أبي جعفر المنصور، الذي استدعى جورجيس بن جبرائيل بن بَخْتَيَشُوع شيخ الأطباء في جُنْدِ يسابور. لعلاجه من اسْتِمْراء في مَعِدَتِه، ويُبُوسَة في بشرته، فاطلع الخليفة المنصور يوما، على بعض الكتب التي كانت بحوزته. فأعجب بها. وطلب منه ترجمتها إلى العربية، ليستفيد منها طلاب العلم والعلماء. وكان قد تُرْجِم قبلها «كتاب كليلة ودمنة » لابن المقفع، ولقي إقبالا وشهرة. ولم يكتف الخليفة بذلك، بل أرسل إلى ملك الروم الهدايا النفيسة، مرفقة برسالة، طلب فيها بعضا من كتبهم العلمية، فكان له ما أراد، وقام جورجيس بترجمتها. فكانت البداية الفعلية لحركة ترجمة شبه منظمة، تبنتها الدولة متمثلة في الخليفة.
وشهدت الترجمة في ما بعد، نقلة نوعية كبرى، أيام الخليفة المأمون، الذي أنشأ «دار الحكمة»، التي كان لها دور ريادي وثقافي معرفي. يُعْتبر الأهم في حياة العرب والمسلمين خاصة، وفي الحضارة الإنسانية عامة، الذي طلب من ولاته أن يرسلوا له كتب السابقين العلمية والفلسفية، التي يجدونها في بلادهم، وكذلك أرسل الوفود والبعثات العلمية لتبحث وتفتش عن الكتب العلمية والفلسفية، وتحملها إلى بغداد كي تُترجم. ويستفيد منها الطلاب والعلماء على السواء. ونستطيع القول، إن عملية الترجمة والنقل إلى العربية مرت بمرحلتين:
الأولى: وهي مرحلة غير منظمة، تُرْجمت فيها بعض الكتب، بناء على رغبة بعض الخلفاء، أو الوزراء، ولم يكن يشرف عليها مسؤول، ولا توجد لها مؤسسة، ولا مدرسة. وأحيانا تمت بوازع شخصي من بعض العلماء، أو الفلاسفة، أو الأطباء. وبقيت هذه الترجمات من خصوصيات من طلب ترجمتها، أو قام بها، ولا تخرج أحيانا للناس ليستفيدوا منها.
الثانية: وهي المرحلة التي غدت فيها الترجمة عملية منظمة، لها ديوانها الخاص، ومدرستها، والمشرفون عليها. وأصبح لها جيش من المترجمين. يتبارون في ما بينهم من أجل إخراج نفائس الكتب، في مختلف أنواع العلوم والمعارف، وقد تمت تهيئة كل مستلزماتها التي تساهم في دعمها وتطورها؛ من مصانع ورق، ونساخ، ومزوقين، وخطاطين، وخلافهم. لتمتد حركة الترجمة أيضا إلى خارج بغداد، وتشمل مدن وأمصار دولة الخلافة، التي تنافس ولاتها في بذل الأموال من أجل إنشاء المدارس، ودور العلم والمكتبات.
 
أجواء علمية مشجعة
 
وقد لعب تشجيع الخلفاء والوزراء والولاة، دورا مهما في تطور العلوم عموما، وحركة الترجمة خصوصا، ودفعها إلى الأمام، فكانت العطايا والمكافآت تتجاوز أحيانا حد المعقول. وكانت الكتب المترجمة أو المؤلفة، توزن أحيانا بالذهب والفضة، وترفع أيضا من مكانة صاحبها، وتقربه من الخليفة أو وزرائه وولاته، وكذلك أسهمت الأجواء السياسية والاجتماعية، وما شاع من أمن وأمان، وحريات، في تطور العلوم، والسير قدما في عملية الترجمة. ومما كان له أثر كبير لا يقل أهمية عن العامل المادي، هو فتْحُ الباب للعمل في ميدان الترجمة لكل المؤهلين لذلك، الذين كان يؤتى بهم من مختلف الأقطار لسمعتهم، ومقدرتهم العلمية، ولمعرفتهم في اللغات المختلفة، وتملكهم لناصيتها، بدون النظر إلى عامل الدين، أو الانتماء العرقي، فقد كان من المترجمين من هم نصارى، مثل إسحاق بن حنين. ويهود، مثل ابن النرجيلة. ومجوس، كابن نوبخت. وصابئة، كثابت بن قرة. وشعوبيون فرس، يكنون للعرب الكره، مثل علان الوراق. وهنود، كابن منكّه. ويونانيون، مثل نظيف القس الخ… وقد خرجت من بين أيدي المترجمين في تلك المرحلة، مجموعة ضخمة من الكتب العلمية، في مجالات العلوم النظرية والتطبيقية المختلفة. شكّلت حجر الأساس في الحضارة العربية والإنسانية. التي ما زلنا ننام على أمجادها حتى يومنا هذا.
ولا شك في أن العلماء والمفكرين حينها، ذهبوا بعيدا جدا في فهمهم لكلمة «لغة»، الواردة في الحديث الشريف «من تعلم لغة قوم أمِنَ مَكْرَهُم»، حيث أنهم لم يحصروها في اللغة المنطوقة والمكتوبة والمقروءة، بل تعدى فهمهم لها إلى المعرفة بمفهومها المطلق، والفكر نفسه. وإلى مجمل العلوم والثقافة بشكل عام، وفهموا ذلك أيضا، على أنه دعوة غير مباشرة للانفتاح على الثقافات المختلفة والعلوم والحضارات الأخرى، وهو الأهم بلا شك.
 
واجه الرعيل الأول من المترجمين، مصاعب كثيرة أهمها؛ وجود كم كبير من المصطلحات في العلوم النظرية والتطبيقية، التي يتم نقلها إلى العربية لأول مرة. ولا يوجد لها مقابل في العربية. فعمل المترجمون حينها على نحت المصطلح العربي المقابل وابتكاره.
 
طبقات المترجمين
 
لم تكن تلك الترجمات التي أنتجها ذلك الرعيل الأول من النقلة والمترجمين على المستوى اللغوي نفسه، ولا تتساوى أيضا من حيث الأسلوب الإنشائي، وقوة الصياغة، بسبب طبيعة المواد التي كانوا يترجمون لها. والتي غلب على أكثرها الطابع العلمي، الذي من خصائصه اللغوية الجفاف في طبيعة المصطلحات، وانتفاء الشاعرية عن التعابير. وهذا التفاوت ليس محصورا في الأسلوب والصياغة، بل يتعداه إلى صحة ودقة بعض المواد العلمية المترجمة. ويعود ذلك في الأساس إلى كثرة العاملين في الترجمة ومساعديهم، أو تلاميذهم. ويمكننا حصر المترجمين حينها في ثلاث طبقات:
الطبقة الأولى: مترجمون متمكنون من اللغة العربية، وقواعدها صرفا ونحوا، واللغة التي يترجمون منها، بالإضافة إلى تمكنهم من العلوم المختلفة، التي يترجمون كتبها نظريا وعمليا، وهؤلاء خرجت الترجمات من بين أيديهم في غاية الإتقان والدقة، قوية الديباجة اللغوية، ونادرة الأخطاء علميا ولغويا على السواء.
الطبقة الثانية: مترجمون متمكنون من العلوم التطبيقية، التي يترجمون كتبها، ولكن معرفتهم باللغة العربية وقواعدها وأساليبها، محدودة نسبيا. وهؤلاء كانت ترجماتهم جيدة من الناحية العلمية، ولكن تكثر فيها الأخطاء اللغوية، وغالبا ما تكون جافة الأسلوب، صعبة القراءة، تستغلق على القراء.
الطبقة الثالثة: وهؤلاء بلغوا معرفة جيدة في اللغتين؛ المنقول منها، وإليها. غير أن معرفتهم العلمية في المادة التي يترجمونها كانت محدودة، فكانت ترجماتهم جيدة من الناحية اللغوية، ولكنها حملت كثيرا من الأخطاء العلمية والتطبيقية. وكان جُلُّ هؤلاء من طلاب العلم.
وكانت الترجمة تخرج من بين يدي مترجمها أحيانا بدون أن تنال الرضا المطلوب من قبل المشرف عليه، فلا تُعْتمد الترجمة، ويقوم آخر بالعمل نفسه مرة أخرى، وأحيانا كان المشرف يطلب من مجموعة من الطلاب القيام بترجمة كتاب بعينه، كل على حدة. وأحيانا كانت تتم الترجمة في اتجاهين، بأن تتم إلى العربية بشكل مباشر، في الوقت الذي يقوم بعض المترجمين بترجمة الكتاب نفسه إلى السريانية، أو الفارسية، ومن ثم إلى العربية. وأحيانا بالعكس. وهو ما أدى بالتالي إلى وجود عدد لا بأس به من النسخ المخطوطة للكتاب الواحد، تتفاوت من حيث الجودة والرداءة والأخطاء.
 
مصاعب وإبداعات
 
واجه الرعيل الأول من المترجمين، مصاعب كثيرة أهمها؛ وجود كم كبير من المصطلحات في العلوم النظرية والتطبيقية، التي يتم نقلها إلى العربية لأول مرة. ولا يوجد لها مقابل في العربية. فعمل المترجمون حينها على نحت المصطلح العربي المقابل وابتكاره، بدون أن يكون لذلك المعنى أي علاقة باللفظ المترجم، وذلك مثل؛ الوريد الأكْحَل، والأخْدَعَين، والأبْهَرَين، والأبْجَلين. وهي مفردات لأوردة وأوعية دموية، لا تزال إلى يومنا هذا، تحتفظ بمُسمياتها التي نحتها المترجمون الأوائل. وكان عمل المترجمين حينها يتم في اتجاهين في آن معا، حيث كان عليهم بالإضافة إلى ترجمة الكتب، أن يقوموا بوضع المصطلحات التي ينحتونها ويجترحونها في قوائم. لكي تكون هي المُتَّبعة والمُعْتمدة في كل الترجمات الأخرى، وشكلت هذه القوائم في ما بعد قواميس علمية، استخدمها الأطباء، والفلكيون، والرياضيون، والفلاسفة على اختلاف عصورهم، وكثير من هذه المصطلحات التي أبدعوها حينها، دخلت اللغات الغربية وقواميسها، ولا تزال مستخدمة لديهم حتى أيامنا هذه. وقد تجلت براعة بعض المترجمين مثل إسحاق بن حنين، والحجاج بن مطر، وقسطا بن لوقا البعلبكي، وإبراهيم بن الصلت، وبقية جيش المترجمين من خلال مقدرتهم على تطويع الألفاظ والمصطلحات ونحتها وابتكارها، وتملكهم ناصية اللغة. فبرهنوا من خلال ترجماتهم، على أن اللغة العربية لم تكن يوما لغة عقيمة جامدة، بل هي لغة حيَّة، تتقبل التطور، وتستوعب المصطلحات العلمية، والفكرية، حتى إننا نلاحظ أن قراءة كتاب ترجم حينذاك، وخرج من بين أيدي ذلك الرعيل في الطب، أو الفلسفة، أو المنطق، أو الفلك، يحس فيه القارئ سلاسة أدبية، وحبكة لغوية، أكثر مما يجده في بعض الروايات، وكتب الأدب الحديثة، وحتى دواوين الشعر في هذه الأيام.