Thursday 21st of September 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-Aug-2017

الفصل الثّاني من قصّة الرّهبان* سيدة عشتار بن علي
أنتلجنسيا للثقافة والفكر الحر
 
الرّهبان (2)
 
الفصل الأوّل 
 
كبر المكّي وبلغ الثّامنة من عمره  وكبرت معه  مأساته ..كان يتحاشاه كل الأطفال بتوصيات من أمّهاتهم وآباءهم ..كان يحاول ان يتقرب منهم بكلّ السّبل لكن محاولاته جميعها تبوء بالفشل ..انهم يخشونه وتقشعرّ أبدانهم منه لمجرد رؤيته عن بعد أمّا الشّجعان من أبناء قريته فقد كانوا يضربون عرض الحائط بتوصيات آباءهم وعوض أن يتحاشوه كانوا يطاردونه لما سمعوه ممّا تتناقله الألسن أنّ الرّهبان لديه قدرات خارقة على كشف ماهو مخبوء تحت الأرض من كنوز خلّفها الأجداد الأوّلون وقضوا قبل أن تسعفهم الحياة بالبوح عن مكانها وتسليمها لورثائهم بل ان الطّمع في أن يكون المكّي هو الدّليل الى الكنوز المخبوءة لم يكن يقتصر على بعض الأطفال ذوي الجسارة والجرأة فقط فاالكثير من الكبار الميالين الى عالم السحر والشّعوذة كانوا أيضا يطمعون في الوصول الى الكنوز عن طريقه لكن الفرق هو أن الأطفال كانوا يركضون خلفه مهدّدين متوعّدين وهم يقذفونه بالحجارة كي يمتثل لأوامرهم أمّا الكبار فقد كانوا يخاتلونه في محاولة لاستدراجه الى أماكن بعيدة عن القرية والى أعالي الجبال والكهوف الّتي يتداول الناس اخبار وجود كنوز فيها …كان يوم لا ينسى حين قام أحد الخبثاء بالتحايل عليه واستدراجه مستغلا سذاجته الطّفوليه ..انّه رمضان راعي الأغنام الّذي استأجره عمّه لرعاية أغنامه .كان يلاطفه ويتقرّب منه فيمنحه بعض قطع من حلوى الشّاميّة والحلقوم حتى بات يطمئنّ اليه وأحبّه الى درجة الادمان وافتقاده  ان غاب عنه ..كيف لا وهو المحروم من حنان الأب ومن الاحساس بالأمان بين أفراد قريته ..كيف لا وهو المنبوذ المطارد الملقوم بالحجارة لذلك فان رمضان نجح في جعل المكّي يأمن له ..كان رمضان يحدّثه عن أعشاش الطّيور بأنواعها في أعالي الاشجار ..هناك حيث يرعى الاغنام ويُسيل لعاب الصّغير  بالحديث عن خلايا النّحل البرّي فيها وفي ثقوب جدران الكهوف القريبة حيث قطع الشّهد العملاقة الّتي يتقاطر عسلها وكان من حين لآخر يكرمه بأصداف العسل الّتي كان يسميّها العسّول وعرف المكّي من حكايات رمضان أن النّحلة حين تتوه عن مجموعتها ولا تجد مكانا تضع فيه عسلها تلجأ الى أصداف الحلزون المهجورة فتضع فيها عسلها ثم تقوم باغلاقها باحكام مستخدمة أعشاب زكيّة الرائحة كالزعتر والاكليل ثم تتركها لتواصل رحلة بحثها عن مجموعة الخليّة الّتي تنتمي اليها..استبدّ الطّمع بالمكّي في الحصول على أحد اعشاش فراخ الطّيور على أمل الاعتناء بها حتّى تكبر وترفرف بأجنحتها داخل كوخهم مغرّدة بأصواتها العذبة رغم أنّ التّجربة سبق وأن فشلت حين أحضر اليه رمضان الرّاعي عشّا به ستّة أفراخ حرص المكّي كلّ الحرص على اطعامها والاعتناء بها فكان يصطاد لها الدّيدان من الوادي القريب من كوخهم ويغمس لباب الخبز في اللبن ثم يقوم باطعامها والأفراخ كانت تستقبل القادم من أصابعه فاتحة مناقيرها الصّغيرة ..ثلاثة أو أربعة ايام فقط مضت على سعادته بربيبته الجديدة ليصحو ذات صباح فلا يجد لها أثرا ممّا جعل الرّعب يستبدّ بأمّه والحزن به ..لا تفسير لاختفاء الأفراخ من أعلى سقف الكوخ الا وجود ثعبان يقطن معهما …ليس لدينا قطط ولا يوجد منفذ يمكن أن تتسلّل عبره من الخارج ….يبدو أنه ثعبان حذر جدّا لدرجة عدم التفطّن اليه ولو لمحا في النهار وحسب تخمين الأم فان الثعبان يتسلّل ليلا من جحره ليصول ويجول داخل الكوخ يزدرد ما يعترضه من طعام ويشرب ما أتيح له من ماء وليس هناك من حلّ غير تشديد الحراسة والمراقبة لليلة كاملة على الأقل سوف تقاوم الأمّ النّوم خلالها بكلّ السّبل حرصا على سلامتها وسلامة ابنها. ولمّا جنّها اللّيل تسلّحت بمعول وانتبذت ركنا من الكوخ بينما استغرق ابنها في نوم عميق وعلا شخيره..كانت بين الحين والاخر تداهمها غفوة لكنها تنتفض فزعة في كلّ مرّة كما عزمت الى أن تناهى الى سمعها فجأة صوت كنقنقة الدّجاجة ينبعث من أعلى سقف الكوخ وتحديدا من سلّة مصنوعة من سعف النّخيل كانت الأم ّتستعملها لابنها المكّي حين كان رضيعا كمهد تضعه فيه وتربطه بحبال الى أعلى السّقف وتهدهده بامالة السّلة يمنة ويسرة حتى يأخذ منه النّعاس …احتارت الأمّ لذلك الصّوت ..أيعقل أن تكون هناك دجاجة جعلت من السّلّة مكانا تضع فيه بيضها و ترفرف الى أعلى السّقف كلّ مرّة  في غفلة منها لتستقر بداخلها لكن من ازدرد العصافير وحتى وان كانت الدجاجة من آكلي اللحوم لن تتمكّن خلال ليلة واحد من التهام ستّة فراخ مرّة واحدة ..يجب أن يستغرق منها ذلك يومين من النّقر على الأقل وبينما الأمّ تحاور نفسها في حيرة من أمرها اذ برأس بحجم بيضة الدّجاجة الرّومية يطلّ من السّلّة وعينان تشتعلان كقبس من نار.. .قامت باشعال شمعة لتتّضح لها الرّؤيا أكثر ويا لهول ما رأت ..انّه رأس ثعبان لكنّه ليس ثعبانا صغير الحجم كما توقّعت بل هو من أخطر الأنواع ..يسمّونه العفريت وتذكّرت الأم ّ ممّا تعرفه من حكايات أن أنثى الثّعبان حين تضع بيضها تصدر صوتا كصوت الدّجاجة والويل كلّ الويل لمن تسوّل له نفسه الاقتراب منها في هذا الموسم تحديدا فهي ككلّ اناث الكائنات لا أشرس منها ولا أخطر أذا تعلّق الامر بالدفاع عن الجراء أو البيض ولم يعد هناك من شك أن بالسّلة يوجد ثعبانة أنثى مع بيضها ..لم تستطع الأم الصّبر حتى طلوع الفجر فسارعت الى ايقاظ ابنها الوحيد وهرعت به خارج الكوخ وتوجّهت مباشرة نحو بيت سلفها عمارة الّذي لم يكن يقطن بعيدا عن كوخها والمكّي يتبعها متعثّرا في الظّلمة وهو نصف نائم وحين وصلت نادت بأعلى صوتها مستنجدة :يا عمارة ..يا عمارة وخي ..العفريت باش ياكلنا …كان صوتها فزعا وعاليا الى درجة جعلت الكثير من سكّان الأكواخ والبيوت الرّثّة المتناثرة في أرجاء الدّوّار يستيقظون ويهرعون لاستطلاع الأمر ..خرج سلفها عمارة أيضا وقد احمرّت عيناه وصار صوته أكثر غلظة وقبحا بسبب النّوم وانفجر في وجهها غاضبا مهدّدا :اشبيك انت ديمة بمشاكلك وفضايحك ..اجابته ذليلة بأن هناك عفريت في كوخها وسوف يلتهمها هي وأبنائها فاذا بالفزع يتملّكه ويصرخ في وجهها ملوّحا بيمناه ..مستعدّا لصفعها :ما عندي ما نعملّك …..تحبّي تقضي علي ….تحبّي تيتّمي صغاري …هكذا هو عمارة جبان ووغد منذ نعومة أظافره
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات