Wednesday 28th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    14-Oct-2020

فرانز كافكا وأورسون ويلز… نقرأ أولاً أم نشاهد؟

 القدس العربي-سليم البيك

 يشاهد أحدنا أكثر مما يقرأ، يصح ذلك أكثر متى حصرنا المشاهدة بالأفلام والقراءة بالكتب. سيصعب هنا الخوض، وتفصيلاً، في كل أسباب تقدم المشاهدة على القراءة، لكن يمكن لمفردات أن تشي ببعضها كالتكاسل، التسلية، الترفيه، الإتاحة، التشاركية، وغيرها.
لننقل الفكرة أعلاه إلى العالم الروائي، إلى الأفلام التي تناولت روايات، وإلى الروايات ذاتها. بحثٌ سريع (وكذلك البطيء) يمكن أن يؤدي بنا إلى حقيقة أن أحدنا (وهذا تعميم على كل حال) يعرف العنوان الذي يتناسخه الفيلم والرواية، من الفيلم، للأسباب المذكورة أعلاه في جعل هذا «الأحد» أقرب إلى الفيلم، كمصدرٍ ومصدّرٍ للحكاية والشخصيات التي تتناولها الرواية كذلك، بل أخرجتها هي إلى النور.
هنالك حالات كثيرة في تشارك الفيلم والرواية للحكاية والشخصيات، تكون في معظمها، بنسبة ساحقة، نقلاً من الكتاب إلى الشاشة، من الأدب إلى السينما، وهذا ما نسميه تكيفاً، أو أخذاً عن، أو ارتكازاً على، أو غيرها من المفردات التي تتفاوت في دقتها، والتي تشير مباشرة إلى تحويل الرواية إلى فيلم، حتى كلمة «تحويل» ليست دقيقة. أميل، دائماً، إلى مفردة «نقل» فما يفعله الفيلم هو نقل الحكاية والشخصيات وليس الرواية، ليس الأسلوب ولا الطريقة، من مجالِ تفاعلٍ أو تلق يكون الوسيط فيه القراءة، إلى مجال آخر يكون الوسيط فيه المشاهدة. فتبقى، لذلك، السينما هي الناقل الأكثر شيوعاً لأي حكاية، من الأدب، لكن ليست الأفلام سواء في ذلك.
هي ليست سواء لأن هنالك مخرجين يقدمون ما نقلوه كعمل فني يكون أفضل من المنقول عنه، لا أقول إن النسخة تتفوق على الأصل، بل تصير أصلاً آخر. فتكون الحكاية وشخصياتها مُقدمة في الفيلم الذي أخذها من الرواية، بمستوى أعلى منها في الرواية (شكلاً ومضموناً) ، وليست هذه حالةً سائدة على كل حال، لكن، لا بد أن تكون أي مقارنة، بين فيلم ورواية تشاركا الحكاية والشخصيات، أو مباشرةً أقول: بين فيلم منقول عن رواية والرواية ذاتها، حذرة. فيجب عدم محاكمة أو نقد أو تلقي أي منهما في مجال الآخر وعالمه. أن نشاهد أكثر مما نقرأ، يحمل أحدنا على التصريح، خطأً، بأن الفيلم لم يرتقِ لمستوى الرواية، إن كان قد قرأها. فالأخيرة ليست متاحة كالأولى، وهذا يجعلها، في نظر المتلقي المزدوَج (قارئ الرواية ومشاهد الفيلم) أرقى، كونها في النهاية تبقى (محفوظة) لمتلقٍ نخبوي أقلوي لا يحتاج محفزات كالتسلية والتشاركية كي يتلقى الحكاية وشخصياتها.
 
قراءة الرواية قبل مشاهدة الفيلم، ليست ضامنةً لتلق محايد وموضوعي ومستقل للفيلم، وإن كان المتلقي بذلك تفادى تدخل رؤية المخرج وخياله المتحقق، في خيال القارئ المنفلت كالحلم.
 
لا يدين النقل، من الرواية إلى الفيلم، لا السينما ولا الأدب، مهما كانت الحالة المتناوَلة، فهي تبقى مثالاً يمكن لآخر أن يناقضها ولا يقل صحةً عنها. يمكن بسهولة الخروج بعنوان فيلم تفوق على الرواية في نقل الحكاية، وبالسهولة ذاتها يمكن الخروج بمثال معكوس. الضروري في كل ذلك هو إدراك العالمَين المنفصلين والمختلفين لكل من السينما والأدب، وبالتالي ظروف وطرق التلقي وبالتالي التقييم في كل منهما.
المشهدية، الصور مقابل الخيال، وكذلك وفرة المشاهدة وندرة القراءة، هو ما يجعل أحدنا ينبه بأن لا تشاهدوا الفيلم قبل قراءة الرواية، وهذا تنبيه مُحق، فالصورة أغلب وأبقى من الخيال، هي تأتينا جاهزة مكتملة مستمرة في سياق يطول لحدود ساعتين، منسجمة متناسقة، بخلاف الخيال الهلامي الضبابي المتعرض لتعديلات لا تنتهي أثناء القراءة الممتدة لأيام وأسابيع. هذا كله يصدق على ذلك التنبيه، يرفعه إلى درجة الإنذار أحياناً، خاصة إن كان الفيلم متواضعاً أو رديئاً، وهو كذلك غالباً متى قارنا تجربة تلقيه بتجربة تلقي الرواية، متى كانت ممتعة أو ممتازة أو عظيمة تحديداً، وعندي مثال يتخطى الثنائية التي سيطرت على المقالة حتى اللحظة، وهي «المحاكمة» فيلماً ورواية.
رواية التشيكي فرانز كافكا «المحاكمة» المنشورة بطبعتها الأولى عام 1925، نقلها، بشخصياتها وحكايتها، الأمريكي أورسون ويلز إلى السينما عام 1962 إلى فيلم بالعنوان ذاته. لا أعرف مدى ألفة كل من كافكا ورواياته، وويلز وأفلامه، لدى قارئ هذه الأسطر، فقارئ كافكا قد ينحاز لرواياته، وكذلك يفعل مشاهد ويلز لأفلامه، لكنني، ولكافكا مكانة راسخة ومؤثرة في الأدب العالمي، أفسحُ لويلز المكانة ذاتها سينمائياً، فهو ليس أقل من كافكا في مجاله، ولا أفلامه أقل أهمية (في السينما) من روايات كافكا (في الأدب). كنت قد قرأت الرواية أولاً، حرصت على أن لا أشاهد الفيلم قبل القراءة. بعدها، بفترة زمنية تُقارب سنة، شاهدت الفيلم، وكان ما ذكرته أعلاه، عن المشهدية، مقلوبا، فلم أكن أستطيع إزالة الخيال الذي صنعتُه للرواية أثناء قراءتها، من ذهني أثناء مشاهدة الفيلم، الأمكنة والأجواء والشخصيات. كانت المشهدية المتخيلة في الرواية، بهلاميتها، عالية، فتوازت مع المشهدية «الملموسة» للصور السينمائية، بتناسقها.
لذلك أقول إن قراءة الرواية قبل مشاهدة الفيلم، ليست ضامنةً لتلق محايد وموضوعي ومستقل للفيلم، وإن كان المتلقي بذلك تفادى تدخل رؤية المخرج وخياله المتحقق، في خيال القارئ المنفلت كالحلم. وكذلك، قد يكون للقراءة المسبقة احتمال تدخل الخيال الذاتي الجامح على رؤية المخرج الممكنة، وبوجوه ممثليه المتداوَلة في أفلامٍ أخرى، فلن تعود المشاهدة هنا، كذلك، مستقلة. وهي الحال في عظمة كل من كافكا وويلز. فسوف يشوش، حتماً، السابق منهما على اللاحق، أياً كان، ولا حل لذلك.
كتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس «يطيب لي أن أكتب قصة بجودة الحلم. حاولت، وأحسب أني لم أفلح قط». ويصور الإيطالي فديريكو فليني فيلمه «8½» كحلمٍ نهاري. من هذا وذاك، ومن آخرين، أجدني أرى الحلم مساحةً مشتركة بين النص والصورة، بين الأدب والسينما. يقرب الكاتبَ من الصورة والمخرجَ من الخيال. لا ضرورة للحلم فيما ذكرته أعلاه من علاقة ندية بين الأدب والسينما، لكنه، الحلم، مأوى لآخرين قد لا يكونون بسطوة كافكا وويلز وطغيانهما الساحر.