Wednesday 27th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    25-Dec-2020

«البازل» في لعبة السرد.. قراءة في «دفاتر الورّاق» لجلال برجس

 الدستور-زهير كريم/ العراق

من المؤكد ان القارئ هو شريك فعلي في العمل الأدبي، فلا يكتمل معمار النص دون وجود هذا الشريك، لعبة يشترك فيها الكاتب والنص والقارئ، وهي بهذا نوع من الدراما التي يتخللها التحليل النفسي، والذي يعتمد توافقات الأطراف الثلاثة للاقتراب من مقاصد العمل. في رواية دفاتر الوراق الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2020، يعتمد جلال برجس على هذا المعمار السرديّ التفاعلي، والذي يشبه إلى حد ما لعبة (البازل) قصاصات لا يمكن تبين الخيوط بينها في جزء كبير من السرد، حكايات تبدو كأن لا رابط بينها، لكن الكاتب في منطقة من النص محسوبة بعناية، يبدأ بدعوة القارئ لمشاركته بتجميع قصاصاته، دفاتره المنثورة لتشكيل الصورة النهائية، وهي الباعث الرئيس، والمقصد النهائي الذي لابد من تحققه عند نهاية الزمن السردي، والذي يعادل 370 صفحة، حيث تعاضد الفضل في استعراض السيرة المخبوءة في دفاتره، مع خصوبة الوقائع في إحداث الصدمة، والتي اختصرها جلال برجس بالكابوس، كابوس الوجود بالتحديد.
يرد في أحد فصول الرواية اقتباساً لفرويد صفحة 119، يفتح لنا الكاتب من خلاله نافذة على منطقة مهمة من العمل، فجلال برجس في النهاية لم يكن معنياً بالزخرف اللغوي بقدر اهتمامه بدفع السرد الى منطقة يمكن للقارئ في تضاريسها المواصلة من دون مطبات، يقول فرويد: (المشاعر المكتومة لا تموت أبدا، إنها مدفونة وسوف تظهر لاحقا بطرق بشعة) وهذه الجملة بالفعل هي نافذة كان موقعها في النص مناسباً، فهي أطلت على المشهد الواسع التي تحركت فيه الشخصيات، ما سبق من وقائع وما سوف يأتي، فالجميع في هذه الرواية يعانون من أزمة في وجودهم، ضغطت عليهم تفاصيل سيرتهم الشخصية، فظهروا في حالة اضطراب. جلال برجس، وفي هذا المعمار السردي كان ناحجاً، المعمار والذي بناه بالاعتماد على دفاتر عديدة، دفتر ابراهيم، السيدة نون، الصحفية، جاد الله الأب، السيدة إيميلي التي هي صاحبة دفتر الدكتور يوسف، واياد نبيل الغني المتنفذ الذي تخلى عن ابنة يوسف، وهو الذي استولى على كشك الوراق، وناردا التي يحبها ابراهيم والتي تكتب مسلسلا هو في الحقيقة دفتر إبراهيم العائلي، دفتر ليلى الخارجة للتو من الميتم، مريم واسماء الذاهبات في طريق مظلم. ولم يكن في النهاية أمام الكاتب سوى التحضير لإنهاء لعبته، جمع كل قطع البازل لنظهر لنا الصورة الكاملة، حيث تلاشت الحدود بين الشخصيات المتباعدة، فحضرت كلها في لقطة نهائية كانت متشابكة الوقائع، سماها دفاتر الوراق.
ومن جهة اخرى، اعتمد الكاتب على التناصات، الذريعة السردية التي تتعلق ببناء شخصية إبراهيم، الشخصية المضطربة، لقد تتقمص أرواح شخصيات الروايات التي قرأها، فكانت هناك اقتباسات وإشارات الى أعمال أدبية تحمل في إحالاتها بعدا نفسيا مرتبطاً بتطور البناء النفسي للشخصية: نجيب محفوظ في اللص والكلاب، همنغواي، ودستويفسكي ، بوريس باسترناك، في الدكتور زيفاكو، موسم الهجرة للشمال، هذه الأعمال كانت المحرض على عقد إبراهيم مع الشيطان. بعد مقاومة طويلة فشل في النهاية، في إشارة لفاوست في عقده مع الشيطان.... حيث يظهر إبراهيم وهو يتقمص الشخصيات التي قرأها، في تناصات وتقمصات آخرها شخصية عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ، والذي كان يرتدي ملابسه وهو يسطو على منزل السيدة ايميلي.
والحقيقة ان قراءة هذا العمل ليست سهلة إطلاقا، فاللعبة السردية اعتمدت الغموض الذي يرافق عادة الشخصيات المضطربة نفسياً، إبراهيم الذي كان في صراع مع الشيطان الذي في داخله، وكان طوال الزمن الروائي، يقاوم دعواته المستمرة للذهاب بعيدا في مساحة الجريمة، استسلم في النهاية، لينتهي العمل باكتشافنا ان الدفاتر هي عبارة عن كوابيس، كوابيس الناس، والمدينة، بل وتجربة الوجود المليئة بالألم، حيث تظهر الشخصيات هشة، محطمة، ترافقها الانكسارات. كائنات عانت من تجربة وجودها، وتدخلت في صناعة هذه المعاناة، السياسة والإيديولوجيا، الأعراف الاجتماعية، والفوارق الطبقية، حيث كانت هناك اشارات كثيرة مبثوثة في العمل، تتعلق بجرائم غسل العار، الاعتقالات السياسية، الحروب الوهمية، وأيضا الفساد الحكومي والذي جعل عمان مدينة الفوارق الطبقية المرعبة.