Friday 4th of December 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    06-Nov-2020

رواية «دفاتر الورّاق» عمق الرؤيا وهشاشة الواقع

 الدستور-د. عماد الضمور

 
تكشف رواية «دفاتر الورّاق» للروائي الأردني جلال برجس ـ الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2020م ـ عن حضور لافت للمكان ببعديه المادي والمعنوي، إذ ينهل من عالم مدينة عمّان الرؤى والأحداث، حيث تمارس الشخصية الرئيسة (إبراهيم الورّاق) سلطتها السرديّة، بوصفها شخصية مركزية رسمها جلال برجس بعناية. إذ تكشف الرواية عن تشابك العلاقات والأمكنة داخل فضائها، ممّا سمح بتدفق الخيال الذي يصيغ الرؤى بقالب فني مبدع.
 
الروائي بتوصيف المكان بمكر سرديّ، وشغف فنان، ووعي واضح قادر على بيان أثر المكان في الشخصيات ورفدها بالرؤى الخصبة، والأمزجة المختلفة. ذاكرة متّقدة، وبراعة في التوصيف أفرزت حواس متيقظة لعمّان التي باتت موجّهة لسلوكيات الشخوص، ومؤثرة في فعل القراءة لمجريات الأحداث في الرواية وبشكل لامس روح عمّان الحيّة، وتأهبها الجمالي لسرد مزيد من الحكايات، فضلاً عن قدرتها المدهشة في صقل الشخوص بحالات نفسيّة متباينة من حيث الفرح أو الحزن.
 
اشتغل جلال برجس في روايته «دفاتر الورّاق» على مدينة عمّان اشتغالاً هندسيّاً من وجهة نظر الفنان الذي يرصد حركة الشخوص في المكان، وطبيعة انفعالاتها، ومصائر أحلامها بكثافة أحزانها، وضآلة فرحها، وهزائمها المتتالية.
 
هذا النحت النفسيّ لشخوص عمّان انعكاس لرصد التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تركت أثرها في نفوس ساكنيها، كل هذا الرصد الجمالي جاء بلسان فصيح، ولغة متدفقة، وتمكّن سرديّ منتج للحكاية التي لم تغب في مجمل روايات جلال برجس المفعمة بالحركة، والمعنى السامي الذي ينحاز للإنسانية بعيداً عن قسوة السلطة، وترف المدينة الزائف.
 
خلّص جلال برجس روايته» دفاتر الورّاق» من سطوة البطل الوحيد؛ ليبعث البطولة في شخوص أخرى مثل (ليلى) ابنة الملجأ وإحدى ضحايا المدينة، حيث تمثّل شريحة واسعة من المشردين والمعنفيّن أُسريّاً،فمثل هذه الشخوص تعيش حالة اغتراب قاسية مبعثها تشابك العلاقات في المدينة، وما تعززه أحياناً من مشاعر سلبية.
 
في رواية « دفاتر الورّاق» مدينة واقعية ذات طبيعة ملهمة في أحيائها العتيقة وأمكنتها المدهشة التي تبدّت في الرواية من خلال عمّان الشرقية: جبل الجوفة، ووسط البلد، وجبل اللويبدة، هذه الأمكنة كانت أسرة لقلوب ساكنيها، ورفيقة بها. استدعى جلال برجس عمّان بلغة روائية في غاية الجمال، وبصورة واقعية خالطها جانب تخييلي، حاكه بلغة فنية ذات منحى سردي مبدع، ومن رحم عمّان ولدت شخصية إبراهيم الورّاق الشخصية المثقفة الواعية لما يجري حولها، يعيش في أحد أحياء عمّان الشعبية، ويعمل في تجارة الكتب في قلب عمّان النابض بالحياة، وهي منطقة وسط البلد، حيث مال إلى الانعزال عن الآخرين، يبحث عن ذاته، بعدما كبله والده منذ نعومة أظفاره بقيود كثيرة شكلت جانباً مهماً من شخصيته المأزومة.
 
إبراهيم الوراق مثقف بشكل أصبحت فيه الثقافة عبئاً عليه، بعدما أنتجت المدينة بهرجاً ماديّاً، تراجعت فيه الثقافة، وازداد معها الاهتمام بالمادة بوصفها إحدى متطلبات حياة المدينة وركيزة مهمة فيها.
 
رواية « دفاتر الورّاق» عن حضور لافت للمكان الذي ينهل من عالم المدينة (عمّان، مادبا، موسكو) الرؤى والأحداث، حيث تمارس الشخصية الرئيسة (إبراهيم الورّاق) سلطتها السردية بوصفها شخصية مركزية رسمها الروائي بعناية.
 
من عنوان الرواية (دفاتر الورّاق) بدأ فعل السرد، إذ شكّل العنوان جملة استهلاليّة لممارسة فعل الحكي، والانطلاق من المسكوت عنه إلى المصرّح به، حيث الولوج إلى عالم الحكاية بشخوصه وأحداثه المختلفة.
 
إنّ جلال برجس في روايته انطلق من التراث بدلالته العميقة، وثباته على مرّ الأيام؛ فالدفاتر تحمل دلالة القدم والثراء المعرفيّ، وهي نتاج الرصد والكتابة، فضلاً عن كونها ضرورة من ضروريات حياة الإنسان، ومبتدأ الحضارة الإنسانية، بعدما شكّل الورق ثورة مهمة في عالم الكتابة. أمّا الورّاق فهو الشخص الذي يمتهن صناعة الورق والتجارة به، والنسخ عليه، والتأليف بواسطته، ممّا يكشف عن منحى فكريّ عميق، لذلك ظهر الورّاق إبراهيم في الرواية سارداً معبأ بالتفصيلات، يمتاز بالثراء المعرفيّ، وقوة البيان، وهو صاحب رؤيا ومنطق معاً، لكنه في النهاية مأزوم بما يشاهده يوميّاً من تناقضات في الواقع، وضآلة عالم الروح مقابل تزاحم المادة الهشة، والأفكار البالية.
 
امتلك العنوان» دفاتر الورّاق» وظائف متعددة أعانت الروائي منذ البداية على تدشين فعل السرد، وإخصابه بالأحداث والأفكار ؛ فالورّاق يبدأ الحكي، ويؤسس للأحداث، يحضر بوقاره وثباته؛ ليقابل بغناه الروحي عالم الفوضى والاختلاف، فقد انتصر إبراهيم الورّاق على الشر الذي بداخله وقاوم صوت الانتقام الصادر من أعماقه، بعدما أدرك أن وجوده في الحياة يجب أن يكون فاعلاً يتكئ إلى علم ومعرفة، حيث يتعاطف مع المهمشين من مجهولي النسب والفقراء وعامة الناس.
 
يخرج القارئ للرواية منذ عنوانها بأنّها أقرب إلى الحكاية منها إلى الرواية ؛ لما تعكسه الدفاتر من دلالة الحكايات المتتابعة، لكن سرعان ما يتلاشى هذا الشعور لدى القارئ عندما يلج صفحات الرواية التي تجعل من الحكاية بنية عميقة يقوم عليها السرد الروائي، حيث تحضر الرواية بلغتها الفنية، وسردها المحكم ، وواقعيتها المقبولة، وخيالها المقنع، وتماسكها المذهل، فيلتقي أبطال هذه الحكايات عند نقطة واحدة، تعكس الأزمة الحقيقية التي تحياها الشخوص مع واقعها، إذ امتلك الورّاق فعل السرد منذ الجملة الأولى في الرواية:» كنت مثقلاً بالحزن كقطعة إسفنج أُشبعت بالماء..» (الرواية ص9).
 
انتقل الروائي بهذه الفقرة من التعبير الشفوي إلى المكتوب؛ ليلفت انتباه القارئ إلى ما سيقرأ في الرواية، وما ستكشف عنه المسرودات من رسائل يريد الروائي إيصالها إلى المتلقي.
 
إبراهيم الورّاق بسرد معاناته منطلقاً من مكان إقامته (جبل الجوفة) هذا الحي الشعبي الفقير من أحياء عمّان القديمة، حيث يختار الروائي أسلوب القص الإخباري؛ ليتمكن من سرد تفاصيل حياة إبراهيم الورّاق في مدينة عمّان وما تعرض له من تحول اجتماعي وثقافي أفرز شخوص الرواية وشكّل جانباً مهماً من تطورها الحضاري.
 
الروائي لشخصية الورّاق بعناية، إذ نقرأ منذ البداية هذا التنوّع في مصادر ثقافته، وهو تنوّع أعان القارئ في تعليل التناقض الذي تعانيه شخصية الورّاق الذي يقول:» أرى العالم عبر نافذتين : الأولى وفرها لي العدد الكبير من كتب قرأتها في كشك الورّاق بعد أن صار ملكاً لي إثر موت والدي، والثانية الإنترنت الذي مع مرور الأيام صرت خبيراً به إلى درجة أن بإمكاني اختراق أيّ حساب الكتروني. عالم موازٍ للعالم الذي نعيش فيه بل إنه سيصبح ذات يوم عالمنا الوحيد، والذي سنتحول فيه إلى كائنات رقمية توجهنا كما الأغنام في المرعى أيادٍ لا نعرف إلى مَنْ تعود» (الرواية، ص 13).
 
ولا يلبث الروائي في العودة إلى أسلوب القص المشهدي التصويري الذي أعانه في كشف عوالم إبراهيم الورّاق ومعاناته، وهي ـ في الوقت نفسه ـ تعكس التكوين الثقافي، والحالة الاجتماعية لسكان الأحياء الشعبية في عمّان:» عدَّلتُ من وضع الوسادة أتهيأ للنوم، وأنا ما أزال أحدق بالسقف. ثمة أصوات متداخلة تجيء من الخارج: صوت لامرأة تشتم ابنة لها لم تعاونها في عمل البيت، وتسب الانترنت الذي سرق الناس حتى من أنفسهم، وصوت آخر لرجل يردد أغنية تحكي عن الشوق، إلى جانب أصوات أخرى تأتيني من البيوت ترافقها رائحة ثوم مقلي، ورائحة حاوية قمامة» (الرواية ص ص 13 ـ 14).
 
متضاربة تتداخل في نفس الوّراق، جعلته يحيا حالة نفسيّة لا تقل ألماً عن معاناته الاجتماعية، بعدما وجد نفسه مثقلاً بأعباء الماضي، وتداعيات الحاضر، لا يستطيع الفكاك منها، فالبطل مأزوم منذ البداية يتسلّح بمخزونه الثقافي حتى لا يقع في المحظور، كما في ذلك الصوت الشديد الذي جاءه في منامه:» ـ كان عليك أن تقتل مَنْ تسبب بالذي أنت فيه الآن، ابتداء من زمن القرية وانتهاء بزمن المدينة، الذين آذوك كثر، وأصواتهم ما تزال عالقة حتى في شعر أذنيك، لكنك أجبن من أن تفعلها؛ لهذا سأقتلهم بطريقة وحشية. أنت لا تعرف معنى لهذه المفردة، ولا تعرف أنك يمكن أن تصير وحشاً، الوحشية نقيض الحبّ، واليد المحبة التي تمنح لمسة دافئة يمكن أن تستحيل إلى يد تجز رأساً، الصعوبة دوماً في بداية ما نفعل فقط» (الرواية، ص 27).
 
تحول الورّاق إلى (حمل شرير) ظهرت ملامحه في حواره مع الطبيب النفسي، ثم مع ضابط المكتب (4) والأهم من ذلك مع نفسه القلقة المقلقة، وفقدان الثقة بالآخرين، وبعد ذلك مع إمام المسجد، لكنه بقي حبيس عزلته، ورهين محبسه الإجباري الذي ورثه من والده. وهذا ما جعل إبراهيم الورّاق يواجه الإحساس القاتل بأنه بعيد عن ذاته، ممّا سمح لجلال برجس ومن خلال شخصية الورّاق تناول القضايا الإنسانية المؤثرة بكلّ دقة بعيداً عن صخب الشعارات أو الخطابة الجوفاء.
 
وهذا قاد إلى انتماء شخوص الرواية إلى طبقات اجتماعية مختلفة تتباين فيها الثقافة، وتتعدد معها الأفكار، فهذا الطبيب الذي يُعالج بنظريات (فرويد ) وهذا المحقق الذي يقتنص المعلومة الأمنية، وذاك رجل الدين الذي يُعالج بآيات القرآن الكريم. هذا المزيج من الحكايات ذات الخيط الفكري الواحد أبرز ثنائية الآخر المستبد والأنا الضحية، ممّا أسهم في بناء رواية متماسكة يمتد فيها السرد، وتشتد معه معاناة الشخوص، حيث تظهر شخصية ليلى بوصفها مثالاً للمهمشين في المجتمع، فنجدها تعيش في الملجأ بنسب مستعار وأسماء وهمية ؛ لتخرج بعد ذلك إلى المجتمع ضحيّة مستباحة، تعاني قسوة الآخر؛ لتجد نفسها تعيش مع صديقتيها: أسماء وماجدة في بيئة تتلاشى فيها القيم والأخلاق، حيث معاناة القهر والتحرش بكافة أنواعه، كما حدث مع سلام ونور ورائد وعدي وغيرهم من المهمشين الذين سلّط الروائي الضوء على معاناتهم.
 
الرحلة من عمّان إلى العقبة؛ لتحرر الورّاق من رغبته في الانتحار بعدما التقى بتجربة إنسانية، ومعاناة أخرى مشابهة لمعاناته وذلك من خلال شخصية (السيدة نون) فكانت نقطة التحوّل في حياة الورّاق، وبدء تحرره من سطوة الماضي بكلّ متعلقاته: الأب، وحياة البؤس والشقاء، وتناقضات الحياة الاجتماعية.تظهر شخصية محمود الشموسي بانتقال الروائي إلى فضاء مدينة مادبا الخصب، حيث التحوّل في لغة الرواية؛ لتتناسب مع الثقافة الجديدة، حيث الزراعة وحياة الرعاة ولغة الأرض التي لا تعلو عليها لغة، إذ يستطيع قارئ الرواية التمييز بين أكثر من مستوى لغوي في الرواية، وهذا يظهر في لغة السرد ولغة الوصف حيث اختلاف المستوى الثقافي للشخوص، فكانت لغة الراوي مناسبة للبيئة الجديدة:» بعد أسبوع من ولادة جاد الله وعند الظهيرة رأى الشموسي (أبا جريس) على فرسه ييمم شطرهم، كانت الرياح شديدة تذري الغبار، وبقايا حشائش جافة تطوف بالفرس، وتدفعها يميناً وشمالاً إلى أن وصل بيت الشعر الذي كان هو الآخر عرضة لريح مجنونة في ذلك النهار تأخذه إلى كل الجهات، وكلما أوشك على أن يستسلم للريح؛ يهرع علي متطوحاً غير قادر على المشي باستقامة يشد الجبال، ويضع مزيداً من الحجارة على أطراف البيت، بينما أمينة تمسك بعامود يتوسطه بيد، وبالأخرى تحمل طفلها الوليد خشية أن يسقط عليه، وتردد جملتها الأثيرة: (نوح وانحى)» (الرواية، ص 109).
 
الرغبة في الموت والخلاص من المعاناة قاسم مشترك يجمع شخوص رواية « دفاتر الورّاق» فالبطل إبراهيم الورّاق وجارته أنيسة التي تشاركه البؤس والفاقة، كذلك ملهمته السيدة نون مأزومة تنتظر مصيرها المحتوم بكل ّ شغف.
 
ظهر المكان ممثلاً بعمّان في الرواية بوصفه وطناً يلوذ إليه البطل كلما اشتدت معاناته، فهو مولده ومستقره معاً، وهو روحه التي تمدّ جسده بالحياة؛ وتبعث في وجدانه شعوراً إنسانياً لا يمكن وصفه، فرغم أنه يميل إلى الانطواء والعزلة إلا إنّه يجعل من اللويبدة رفيقاً حنوناً وبيتاً أليفاً:» كانت شوارع اللويبدة تهبط بي مرة وتصعد أخرى وعيناي مصوبتان نحو بيوتها، تطلّ وجوه، وتتوارى وجوه لكنها ليست للسيدة نون، تخرج نساء، وتدخل أخريات، لكنها ليست بينهن. مالت الشمس غرباً فجاء وقت العصاري. أصابني إحساس بالجوع فدخلت مطعماً وطلبت صحن فول وكأس شاي، لم يكن هناك أحد غيري في صالة المطعم الصغير الذي لم يفصلنِ عن العامل فيه سوى واجهة زجاجية صغيرة» (الرواية، ص 133).
 
لقد غدت السيدة نون سرّاً دفيناً ولغزاً حائراً يبحث عنه الورّاق، إنّها معادل موضوعيللحياة التي يتمنى أن يحياها ؛ ليعكس من خلالها ثنائية الحياة والموت.
 
هذه الثنائية تنهض أيضاً في سرد حكاية ليلى ورفيقاتها في الملجأ بعدما اتّسعت تجربتهن الحياتية، وامتدت لتكوّن مأساة إنسانية، إذ إنّ الرواية تسرد لنا كثيراً من هذه المعاناة التي لا تنفصل عن معاناة البطل وقلقه مع اختلاف الظروف.
 
لقد اكتشفت ليلى سواد العالم، وعاشت معاناة رافقتها في داخل الملجأ وخارجه، فهي لم تُعتم على الذاكرة بل استدعتها بكلّ فاعلية، وهذا أمرٌّ يُسجل للرواية بإضاءتها جوانب معتمة من حياة المهمشين والمعنفيّن أسريّاً ممّن أغفلت كثير من الأعمال الأدبية الكشف عن معاناتهم.
 
الانتماء الطبقيّ، والتكوين الثقافي ملمح واضح في الرواية، فالروائي يمتلك من الثقافة ما يمكّنه من الكشف عن معاناة الشخوص، إذ تمنح الرواية القارئ تصوّراً واضحاً عمّا يجري في الخفاء لهذه الطبقة من المهمشين.
 
يمتلك جلال برجس ثراءً سرديّاً واضحاً، وخطاباً فكريّاً جامحاً مكنه من بناء رواية ناضجة فنيا وفكرياً، وليس أدل على ذلك من طريقته في السرد التي تجعل المتلقي يتتبع صوت السارد لمعرفة الشخصية التي يمكن نسبة الكلام المسرود إليها، ممّا جعل السارد جزءاً من شخوص الرواية، كما في قوله:» أقرع باب الشقة، أرتدي قناعاً، وأحملُ مسدساً، يُشرَع الباب فيطل عليّ عماد الأحمر متفاجئاً، أدفعه بقدمي، أصوب المسدس نحوه، يُصاب برجفة قوية، أضربه على مؤخرة رأسه، فيغمى عليه، أضعه على كرسي، أقيده بحبل، أكممه بقطعة قماش، أضع كرسيّاً قبالته، وأرش عطرّاً قرب أنفه فيصحو، يحاول الصراخ، أكشف له كل قذاراته: الرواتب التي وافق عليها مقابل رشاوٍ، المبالغ التي اختلسها.» (الرواية، ص 161).فالمتلقي يمكنه التمييز بين صوتين: صوت السارد، وصوت الشخصية، لكن طبيعة الكلام المسرود هي التي تحدد مدى صحة نسبةهذا الصوت أو ذاك إلى شخصية بعينها.
 
تبدو مأساة الشخوص ماثلة في نفس جلال برجس بعدما أظهر تعاطفاً واضحاً معها، وبخاصة تلك التي تعرضت لظلم اجتماعي، وامتهنت كرامتها الإنسانية؛ فكان السرد بضمير المتكلم غالباً على الرواية؛ ليعكس يقظة الروائي وأهمية الأفكار المطروحة، وقيمة الأسئلة العميقة الراسخة في أفكارنا بعدما أصبح الهامش نصاً، واستحالت المعاناة الإنسانية إلى عمل روائي ينوء عن الشكل بحثاً في الجوهر، والقيمة الحقيقية للشخوص بعيداً عن موقعها الاجتماعي أو انتمائها الفكري.
 
إشكالية الهويّة أو الانتماء واضحة في الرواية؛ فشخصية ليلى تمثل فئة المهمشين الذين لا يعرفون أسرهم، كذلك الحال بالنسبة لإبراهيم الورّاق الذي فقد أسرته، حيث التداخل بين الشخصيتين، وبخاصة أن الذاكرة متّقدة عندهما، ومع ذلك يبقى الانتماء لفئة مقبولة اجتماعيّاً وثقافيّاً هو مبعث السرد ومنتهاه، وتبقى دفاتر الورّاق شاهداً على مجتمع تبدّلت قيمه، وفقدت الأشياء جوهرها الإنساني.