الغد
معاريف
الون بن دافيد 31/7/2026
من الصعب مرة أخرى أن نرى الحائط من كثرة كتابات التحذير عليها، ومرة أخرى تصر هذه الحكومة، حتى في أسابيعها الأخيرة، على ألا تعفينا من احتمال آخر لسفك دماء. في كل سنوات الحرب في غزة لم أسمع كبار رجالات الجيش الإسرائيلي قلقين بهذا القدر من الوضع في الضفة ويتحدثون عن انتفاضة جديدة.
في السنوات الثلاثة للحرب نجح الجيش الإسرائيلي في أن يبقي الضفة في مستوى عنف مقبول. فقد انطلق مرة تلو الأخرى إلى حملات في مخيمات اللاجئين وأساسا في الضفة، وأخلى بعضها من سكانها. وبالتوازي منع دخول عمال فلسطينيين إلى إسرائيل وعرقل تحويل أموال الضرائب إلى السلطة الفلسطينية مما أدخل معظم السكان الفلسطينيين إلى ضائقة اقتصادية.
رغم ذلك فإن الكتلة الأساس من الجمهور الفلسطيني امتنعت عن المغادرة إلى العنف. كانت عمليات، لكن معظم الجمهور الفلسطيني بحث عن رزقه وليس عن تجسيد التطلعات الوطنية. أكثر من هذا: في السنوات الثلاثة التي قتل فيها الجيش الإسرائيلي نحو 70 ألف غزي لم نشهد حتى ولا مظاهرة واحدة في الضفة للتضامن مع سكان غزة. لقد أثبتت الحرب مرة أخرى عمق الهوة التي بين الفئتين السكانيتين.
لكن الآن هناك من يسعى إلى ضعضعة الهدوء النسبي، وهؤلاء ليسوا الفلسطينيين. توجد مجموعة لا بأس بها من بين المستوطنين وليس "70 ولدا" ولا "150" على حد قول نتنياهو وضعت لنفسها هدفا هو إشعال مواجهة واسعة هناك. هذه المجموعة تحظى بالتشجيع والدعم من الوزارات الحكومية، منها من يفعل هذا بالصوت وبالأفعال ومنها من يفعل ذلك بالصمت.
"ما يفصلنا عن انتفاضة جديدة – هي مجرد الصدفة"، قال لي ضابط كبير. "إحراق بيت واحد ينجح في أن يحرق العائلة التي في داخلها أيضا – يمكنه أن يغير الصورة". إضافة إلى ذلك يوجد الفلسطينيون الآن في ذروة حملة الانتخابات لمجلسهم التشريعي. قرار من التنظيم لتسليح "لجان الأمن" التي شكلها في نحو 70 قرية "كي يدافع عنها من عنف المستوطنين – يمكنه بسهولة أن يتدهور إلى مواجهة مسلحة"
أمن إسرائيل كاتس
معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية تتبنى دون جدال رواية المستوطنين، انطلاقا من رغبة غير واضحة، والنتيجة هي أن أغلبية الجمهور الإسرائيلي يتلقى صورة شوهاء عن الأحداث هناك. وعليه فمن المهم التوقف عند ذلك: احتكاك عنيف يبادر إليه المستوطنون وينتهي بالقتل – هو ليس عملية مضادة. هو بالطبع لا ينبغي أن ينتهي بالقتل، لكنه ما كان ليحدث منذ بداية، لو لم يقرر اليهود المبادرة إليه.
النزهة في السبت الماضي إلى قرية تل التي انتهت بقتيلين إسرائيليين وأربعة قتلى فلسطينيين، لم تستهدف أن تنتهي هكذا. لكن منظمي النزعة لا يمكنهم أن يدعوا البراءة: هم يعرفون المنطقة بشكل جيد بما يكفي كي يعرفوا بان الدخول المسلح إلى قرية في المنطقة أ – من المعقول أن يجر إلى عنف.
هكذا أيضا الاحتكاك العالي الذي تخلقه عشرات المزارع الجديدة التي قامت – تلك التي شرعنت وتلك التي لم تشرعن. هذه المزارع تقام لأجل السيطرة على الأرض، على معظم أراضي الرعي للفلسطينيين. قائد المنطقة الوسطى يدعي بأن المزارع والـ 104 مستوطنة جديدة إياها التي اقرتها الحكومة تساهم في الأمن، وفي نفسه الوقت يشكو من البؤر الاستيطانية التي لم تقر بعد ومن العنف الذي يخرج من هناك. اللواء آفي بلوط بعيد عن أن يكون ساذجا، لكن تشكيكه المزدوج يشوش المشكلة ويتركها غامضة.
في أعقاب سلسلة الأحداث العنيفة في الأسبوع الماضي، انطلق الجيش الإسرائيلي إلى حملات اعتقال واسعة وذهب وزير الدفاع إلى أبعد من ذلك إذ أمر الجيش الإسرائيلي في أن يستعد لاحتلال وتدمير مخيم لاجئين آخر في الضفة. أي مخيم؟ لأي سبب؟ ليس واضحا، لكن الواضح هو أن الوزير إسرائيل كاتس قرر أخيرا ربط أمن إسرائيل بانتخاباته الداخلية. ولتعلم كل أم عبرية أن ابنها ارسل لاحتلال مخيم لاجئين بتكليف ممن ولأي هدف أرسل.
مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي يقول هذا صراحة: "مشكلتنا في الضفة حاليا ليست المقاومة الفلسطينية بل العنف اليهودي". لكن أحدا لم يرسل الجيش الإسرائيلي لان يتأكد من أنه لن تنطلق نزهات عفوية أخرى إلى المناطق أ أو لأخذ السلاح الذي وزع على أولئك الذين يستخدمونه لأجل فرض الرعب والخوف على جيرانهم.
الجيش الإسرائيلي المنهك متوتر حتى أقصى حد مع اكثر من 24 كتيبة في الضفة حاليا، مع أحزمة أمنية يحوزها في لبنان، في سورية، في غزة ومع تأهب لجولة أخرى من الضربات تجاه إيران. هذا على ما يبدو هو السبب في أن حتى رئيس الأركان زمير لا يسمع صوته في موضوع العنف اليهودي في المناطق.
يبدو أن زمير الذي يعمل تحت إدارة متعذرة وأمام مستوى سياسي يبحث فقط كي يخبط بالجيش الإسرائيلي، يختار معاركه. في هذه اللحظة يبدو أن أساس جهده يستهدف إحباط جولة قتال أخرى في غزة قبل الانتخابات. لكن في ضوء الخطر المتعاظم المتمثل بالاشتعال في الضفة الغربية، ليس جديرا به أن يواصل لجم لسانه.