Wednesday 3rd of March 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-Feb-2021

بغداد 1986.. ومضات من الذاكرة

 الدستور-ناصر الريماوي

ترجلت من سيارة التاكسي في حي «الوزيرية» البغدادي، ولم أجد في تلك الساعة المبكرة سوى عسكري واحد يقف في نوبة حراسة رسمية أمام إحدى الدوائر الحكومية الهامة. توجهت إليه وألقيت عليه تحية عراقية تعلمتها مؤخرا: الله يساعدك يا معود. رد بمثلها، فقلت له بأنني أبحث عن مبنى اتحاد الطلبة. فشرع يصف بلهجة محلية ويقول: «تمشي قبل، أول فرع تعوفه، ثاني فرع تلوفه.. تلقى بوجهك فلكة» قاطعته: «والله ما فهمت شيء».
حملق في وجهي ثم قال بنبرة مترفقة: «من وين أنت يا معود؟»
قلت: من الأردن. صاح: «قول هيج من الأول». ثم واصل: «تمشي دغري، أول طريق تتركها الثانية تخش بيها، تلاقي بوجهك ميدان يا معود..!»
كان اتحاد الطلبة عبارة عن فيلا صغيرة بابها الخارجي منخفض يوازي ارتفاع السور الحجري، الواطىء أصلا، أما المبنى الداخلي فكان غائبا وراء النخل وأشجار الحديقة الكثيفة.
وجدت الباب مغلقا، فعدت أدراجي نحو كلية الآداب القريبة، كانت الساعة قد تخطت الثامنة صباحا من ذلك اليوم الصيفي الحار.
كان هناك طفل عراقي يجلس أمام قدر كبير عند مدخل الكلية، يبيع الطلبة الذين بدأ بعضهم بالتوافد نوعا محليا من المثلجات، جلست إلى جواره وطلبت منه قنينة كولا، أخرجها بخفة ومهارة من جوف القدر ومكعباته الثلجية. سألته إن كان يعرف طالبا فلسطينيا أو أردنيا في هذه الكلية، كي يدلني عليه. لم يجب وراح يكمل ما كان يفعله قبل حضوري، أو هكذا تخيلت. شرع يسأل كل عابر عن الساعة.. سأل الجميع وأنا أمعن في دهشتي من هذا التصرف الغريب.
 
ثم أمسك يدي فجأة وصاح: هذا اردني يا معود.. لا يفوتك.
أدركت الغاية من تصرف الطفل وشكرته ولحقت بالشاب وكان بالفعل أردني، قال لي بأن باب الاتحاد يظل مفتوحا، فقط علي أن أدفع الباب وأدخل.
في إحدى غرف الاتحاد سلمت وثائق الثانوية العامة وكان ينقصني ست صور شخصية لإرفاقها مع طلب التنسيب الجامعي.
أما الموقف المحرج التالي فكان نتيجة لسوء الفهم وقلة الخبرة باللهجة العراقية المحكية، ففي محل التصوير، قلت لذلك الشاب المتأنق وهو يصعد درج «السدة» الخشبي، نحو الطابق العلوي، أريد ست صور فورية، وخلال ساعة.
رد بلطف كبير: «تدلل عيوني.. تدلل».
استغربت من رده، فاجبته بانزعاج: أنا لا أتدلل عليك، إذا كنت لا تقدر فدعني أجد محلا آخر غيرك.
توقف الشاب وسط السلم حائرا، وهو يحاول أن يترجم هذا السيل اللغوي المباغت، نظر في كل الاتجاهات. ولم يعرف بما يرد.
حتى جاءه الفرج من ضيفه الذي يجلس في البهو السفلي. صاح نحوي موضحا: «هو يقصد تكرم.. تكرم يا معود».
***
«عبدالله».. ذلك الفلسطيني الشاب، المقيم في الكويت، المتماثل للرجولة باكرا، حتى قبل أن ينهي دراسته الثانوية العامة، بوقت طويل.
التقيت به في قاعة التسجيل بمبنى الاتحاد، لتعبئة طلبات التنسيب الجامعي، ثم تقاسمت وإياه لاحقا دهشة الصدفة والحصى لأيام على ضفتي دجلة. كان وقتها في مثل عمري تماما، وكنت حين أحيد قليلا عن رحابة النخل بين «شط الكاظمية»و «كرادة مريم» يعدل من ظلي برفق ليعيدني للطريق.
نهرني بعينيه ونحن نجلس في مشرب مسائي يطل على جسر الثورة، حين قلت للنادل: كولا يا معود.
قال باستياء: نحن في بار، خمارة، ماخور.. بدك تفضحنا؟
ولم أعلق فقد كان كل منا تحت سنه القانوني وطائلة العقوبة، وفي زمن الحرب أيضا. واللافتة التي خرمت عيني عبدالله يومها، لم يأبه لها. غير أنه تذكرها مع أول رشفة ثقيلة من مشروبه الكحولي المخفف.
(بأمر من مجلس قيادة الثورة يمنع الدخول لمن هم تحت سن 18)
قال لي بلسان معوج وهو يطارد حبات «البليلة» في صحن المازة: نحن في الثامنة عشرة، وهذه الكولا جعلتنا أصغر. سيعدمنا «صدام» بسببك.. لا محالة.
بين حي الأعظمية والكرادة وفي «المصلحة» الطابقية (باص النقل الداخل) ألقى بقطعة «الخردة» النقدية برعونة في الصحن المعدني، المركون بجانب السائق المتعرق، وجذبني بطريقة صاخبة نحو مقاعد الطابق العلوي بإصرار.
أثرنا حفيظة الركاب والملأ في الطابقين بعد أن تخلصوا من صبرهم لأجلنا، فاستاء منا أهل الكرخ والرصافة والنهر والشارع والسماوات السبع.. على امتداد الحافلة.
وكنت لا أفقه اللهجة المحكية، لكن انفلاتها الغاضب وانسكابها المر في آذاننا ووجهينا أفصحا عن كل شيء.
في اليوم التالي كان عليه أن يعود للكويت، على أن نرجع مع نتائج القبول الجامعي بعدها، وكان علي أن أعود إلى الزرقاء بالمثل ولذات الغرض.
لوح لي عصرا بيده من شرفة الفندق الصغيرة، فيما احتفظت له طويلا بشروده المفاجىء وتلك الابتسامة الصافية.
عبرت سيارة « الجيمس» تحت الشرفة سريعا والتفت نحو نهر دجلة وجسوره، في لمح البصر. فيما تلاشى وجه عبدالله سريعا ثم اختفى. ولم أحظ بالمزيد.
ثم لم نلتق بعدها أبدا.
***
الفندق الصغير، المطل على جسر الأحرار يغلي.. لم تكن أجهزة التكييف الصحراوية التي كانت تنوء بها أغلب المرافق السكنية في بغداد قادرة على تلطيف المناخ الليلي في تلك الغرفة الصغيرة، بسريرها المزدوج ونافذتها المنخفضة الواسعة، والتي تفضي إلى برندة طويلة مشتركة تصل بين غرفتين أو أكثر وتطل على الشارع العام.
أذكر بأن الغرفة المرجل أو الفرن، كانت مزودة بمرحاض جانبي نظيف، يقع على يمين المدخل الموصد. عند الواحدة ليلا فقدت القدرة تماما على مواصلة النوم المتقطع، كان صوت السيارات العابرة ونفيرها سببا آخر، يضاف إلى حرارة الطقس الخانقة وجوقة الإزعاجات المنغصة العديدة.
تسرب عبر النافذة صوت دافىء ورخيم، رافقه نغم ليلي جميل ومألوف، أم كلثوم تصدح برائعتها «الأولة في الغرام».
أدركت بأن جاري في الغرفة المجاورة هو مصري، وبأنه قد عاد للتو، سمعته يدندن بنشاط مع الأغنية عبر النافذة المشتركة. مددت رأسي وناديت عليه دون معرفة مسبقة: يا جار.
أطل من النافذة فتلاقت عيوننا، قلت له بأنني لا أقوى على النوم، فاعتذر وأغلق آلة التسجيل.
قلت له بانزعاج بأن السبب هو حرارة الطقس المستفحلة وصوت السيارات المستفز، فأعاد الصوت الملائكي إلى حضرة الليل، واعتذر ثانية. مد يده وناولني نصف علبة سجائر ومجلة مصورة. قال: عليك بالقراءة والتدخين لتنام.. هذا ما أفعله كل ليلة.
لم أكن مدخنا وقتها ولكني رحت أنفخ في اللفافات التبغية من غيظي وقلة حيلتي، وكان لها طعم الصابون الزيتي أو هذا ما خلفته في نفسي تلك السجائر الليلية في حينه. قرأت في المجلة مواضيع عديدة، استوقفني إحداها.. الرئيس السوري «حافظ الأسد» يطلق على إحدى مدارس الثانوية في دمشق اسم المناضلة «ابتسام حرب».
رأيت صورة المدرسة واسم المناضلة.. ثم شردت نحو الشام التي لم أكن قد زرتها بعد، وتمنيت لو أنني هناك، فبغداد مدينة ضخمة ومختلفة وتحتاج إلى فترة طويلة ليألفها صبي مثلي، بغداد بدت لي وقتها مدينة قاسية ولاذعة يستوطن فيها الطقس الخليجي الحارق، كما يقتلها التناقض، ثم رحت في سبات عميق.
ذلك العام لم أحظ بقبول جامعي في بغداد، ولكني حظيت به في الجامعة السورية العريقة، جامعة دمشق، ودون تخطيط أو تدبير مني.
في السنة الدراسية الأولى بدمشق، وتحديدا في برد الكوانين الكاسرة، كنا أنا وزميل لي، نغذ السير عند الثانية ليلا، متجهين نحو محطة البنزين القريبة في «مساكن برزة»، بين يدينا أوعية المحروقات لنشتري مادة المازوت للتدفئة، قبل أن يندلع النهار وتكتظ المحطة بالناس وتزدحم فوق رؤوسنا.
كنا نرتجف أو ننتفض مثل «صوصين ممعوطين» من صقيع الشام ورياحها القارصة، انعطفنا بين البنايات والأحياء المأهولة، لنسلك الطريق الواصل بين ركن الدين، حيث أقيم وبين محطة المساكن المنشودة، سلكناها كطريق ليلية مختصرة ولنتقي أيضا شرور الرياح المنفلتة عبر فضاءات الشوارع المكشوفة وبردها الذي لا يرحم.
وبينما نحن كذلك وقعت عيناي على لافتة ضخمة تبينها رغم العتمة.. مدرسة «ابتسام حرب» الثانوية للبنات.
تذكرت المجلة وسجائر الجار المصري، ذات الطعم الصابوني، وليلة النار الجهنمية في تلك الغرفة الفندقي، المطلة على جسر الأحرار.
توقفت أمام اللافتة أكثر مما ينبغي، تذكرت أمنيتي تلك الليلة، وشرعت أروي لرفيقي الذي فقد تركيزه من وطأة البرد سر هذه اللافتة. وعن شيء كان قد تحقق لي باكرا، وقتها، وتحديدا منذ أربعة شهور وخمسة أيام وبضع ساعات.. على وجه الدقة.