Friday 6th of December 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-Jul-2019

«العيش المشترك في الأردن»*عادل عواد زيادات

 الراي-في هذه الأجواء والظروف الصعبة التي يمر بها عالمنا العربي من ويلات وحروب وإرهاب وعنف ونزاعات طائفية وعرقية ودينية غير مسبوقة في تاريخ المنطقة بالإضافة إلى المناداة التي طالب بها البعض إلى التطرف والتعصب وكره الآخر بهدف تفتيت النسيج الإجتماعي واللحمة العربية الأصيلة بين المسلم والمسلم من جهة والمسلم والمسيحي من جهة أخرى، وبالرغم من هذه الصورة السوداوية حول أحوال المنطقة لم يخل الأمر من بعض الأصوات التي تنادي بمواجهة هذا التطرف والتعصب ونبذ الآخر وجدت لزاماً علينا أن نسبر غور العيش المشترك بين الإسلام والمسيحية في منطقة شرق الأردن التي نفتخر بأننا ننتمي إليها.

 
دعنا نبدأ بتعريف العيش المشترك: يمكن تعريف هذا المصطلح في المجتمع في أن أبين وأحدد شريكي في المجتمع إذ أنه وبكل بساطة من يختلف عني ربما في أمور كثيرة منها الدين والطائفة، العرق والمذهب، واللون والجنس، وما إلى ذلك من التصنيفات.
 
إن هذه المعرفة بالآخر والقبول به هي الركيزة الأساسية لنجاح مفهوم العيش المشترك وهذا القبول بالآخر وإن اختلف عنا خاصة في مجتمع تعددي فهو مصدر ثراء وغنى بدلاً من أن يكون مصدر خلاف وعداوة وتعصب وكره للآخر.
 
إن التعددية في الخليقة البشرية هي سمة من سمات الخالق حيث حضت الأديان على الوئام والمحبة بين بني البشر.
 
كذلك فإن التعددية تتجلى في ما جاء في الإنجيل المقدس والقرآن الكريم،
 
إذ طلب يسوع المسيح منا: «أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات». (متى 44:5).
 
كذلك جاء في القرآن الكريم: «أن لا إكراه في الدين» (سورة البقرة 256) وأيضاً: «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» (سورة يونس 99)
 
وبعد هذه المقدمة النظرية لا بد لنا من دراسة العيش المشترك في بلدنا الأردن على أرض الواقع، فخلال عقود وسنوات العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين إستطاعوا أن يؤسسوا لموروث ثقافي يناسب بيئتهم من أجل العيش المشترك، إذ يقوم على الإحترام المتبادل وقبول الآخر المختلف دينياً أو مذهبياً أو ثقافياً أو إجتماعياً.
 
إن العيش المشترك في شرق الأردن بين المسلمين والمسيحيين له جذور ضاربة في تاريخ المنطقة، قبل تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 بفترة طويلة. ففي عام 1812 أي قبل أكثر من مئتي عام ذكر الرحالة السويسري المعروف بيركهارت خلال زيارته لشرق الأردن عن مدى الألفة والمحبة وحسن الجوار بين المسلمين والمسيحين حيث قال: «لا يوجد ما يميز بعضهم عن بعض في شيء، ويظهر أن الدين ليس له أي اعتبار يدعو للتمييز بينهم، وكثيراً ما ينحاز المسلمون إلى جانب أحد النصارى في المشاجرات إذا وجدوا أنه مظلوم، كما أن الطرفين يتزاورون في الأعياد والمناسبات، ونساؤهم تسمر معاً على أبواب البيوت وجوانب الطرقات، وفي الحقيقة إنني لم أر أي خلاف بين مسلم ونصراني خلال وجودي في حوران». (1)
 
لقد ناصر المسيحي أخاه العربي المسلم في عهد الفتوحات الإسلامية ضد البيزنطيين. وفي هذا الخصوص ذكر المؤرخ الكبير روكس العزيزي: «لقد حارب المسيحي العربي عام630 إلى جانب أخيه المسلم في فتوحاته المختلفة ومنهم قبيلة العزيزات المسيحية خلال معركة مؤتة في الكرك». وبهذا الخصوص قال سمير الحباشنة وزير الثقافة الأردني الأسبق بأن العزيزي «نموذج لترجمة أن الثقافة العربية الإسلامية هي لكل العرب دون تمييز بين طائفة أو مذهب وأنها حضارة صنعها العرب جميعاً». (2)
 
هناك نماذج أخرى تدل على العيش المشترك بين الديانتين، ومن أبرز الأمثلة على ذلك أتذكر أنا شخصياً كاتب هذه السطور كيف أن والدي كان يردد نفس عبارات جاره المسلم «أذكر الله ومحمد رسول الله»، وفي المقابل نجد أن بعض المسلمين ولأسباب خاصة بهم يقومون بتعميد أبنائهم كما يفعل جاره المسيحي في الكنيسة. ويوقدون الشموع للسيدة العذراء أم المسيح كما يفعل المسيحي. وهذا يدل على المحبة والألفة وأيضاً احترام الشعائر الدينية لكلا الطرفين. وهذا لا يعني أنه لم تكن هناك بعض التجاوزات لهذه التقاليد العريقة من قبل بعض الأفراد من كلا الطرفين لأسباب خاصة بهم وليس بسبب الدين، وغالباً ما كان يتم الصلح العشائري الأردني التقليدي والمتعارف عليه في المجتمع الأردني بين الأطراف المتنازعة. وأخيراً عندما قامت سلطات الإحتلال الإسرائيلي بمنع إقامة الآذان في المساجد كان الآذان يرفع من الكنائس.
 
وفي مناسبات أخرى عندما يحل شهر رمضان المبارك كان مؤذن القرية عندما يمنعه المرض من رفع الآذان وخصوصاً آذان المغرب لفك الصيام لدى المسلم فقد تطوع الخوري يوسف الناصر راعي كنيسة قرية الرفيد في محافظة إربد بقرع أجراس الكنيسة معلناً أوقات الإفطار أو أوقات الصلاة، علما بأن الكنائس والجوامع في معظم المناطق تقام بجانب بعضها بعضاً. وهذه الأمثلة تدل على مدى عمق العلاقة بين الديانتين في الأردن. وهناك أمثال كثيرة من هذه القصص والتي تزخر بها ذاكرة الأردنيين.
 
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإستقطاب العشائري في منطقة البلقاء خاصة في مدينة السلط ليس بين العشائر المسيحية والعشائر المسلمة بل كان بعيداً عن المعتقد الديني، حيث كانت التكتلات العشائرية تضم عشائر مسلمة ومسيحية مقابل أو ضد عشائر مسلمة ومسيحية، وهذا دليل واضح على العيش المشترك والمودة بين مكونات المجتمع الأردني الأصيل لم نجد له مثيلاً في المنطقة، علماً بأن نسبة المسيحيين في منطقة البلقاء كانت تنوف على 20% من عدد السكان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
 
وفي هذا الخصوص ذكر المؤرخ الأردني الدكتور محمد عبد القادر خريسات بأن السلط انقسمت إلى 3 تكتلات عشائرية حيث كانت الاصطفافات تتم بحيث أن كل كتلة كانت تضم مسلمين ومسيحيين وهي: كتلة العواملة المسلمين ومعهم عشائر الفحيص المسيحية، ثم كتلة الأكراد وتضم المسلمين ومن المسيحيين عشائر قموه والحداد. كذلك تكتل القطيشات الذي يضم أيضاً عشائر المسيحية ممن يسكنون حارة الخضر.
 
علاقة أهالي الفحيص مع جيرانهم
 
من السكان
 
مع أن هذه العلاقة اعتراها أحياناً بعض التعصب والتحيز الفردي إلا أنها في غالبية الأحيان كانت علاقة يسودها جو من المودة والوئام، وهذا ما حدثنا به الرحالة الأجانب، فقد قال السيد William EWing في عام 1907 ما يلي: «مع أن عدد سكان السلط أغلبهم من المسلمين إلا أنهم عاشوا مع المسيحيين في وئام تام».
 
وتحدثنا السيدة Steuart Erskine في كتابها Trans Jordan في عام 1924 عن مدى العلاقة الحميمة التي كانت تربط بين المؤذن في جامع السلط والعاملين في المستشفى الإنجليزي التابع لجمعية المرسلين الكنسية والذي كان هو أيضاً الخباز عندما كان ينهي آذانه يطل من الشرفة ويقول: «يا أخت كم رغيفاً من الخبز تحتاجون لهذا اليوم؟». وهذا ما حدا بالسيدة Erskine أن تتساءل من يستطيع القول إنه لا تستطيع الديانات المختلفة في العالم أن تعيش مع بعضها البعض في سلام وحسن الجوار إذا هم حاولوا ذلك. ص22
 
إن أهالي الفحيص قد تمتعوا بعلاقات ودية مع جيرانهم من القبائل المختلفة في وقت كانت النزاعات القبلية المحتدمة بين عشائر المنطقة المختلفة وكانت النزاعات هي القانون السائد، ولهذا السبب لم يجد الرحالة الألماني سيتزن والرحالة السويسري بيركهارت من يستطيع إصطحابهما بأمان إلا من خلال دليل من الفحيص. وهذا دليل على علاقة أهل الفحيص بمن جاورهم من القبائل. وهذا ما أكده الرحالة (Rev. James Bnies) عام 1899 بهذا الخصوص في مقاله بعنوان «ملاحظات عن رحلة عبر الأردن بأنه في المساء قد اتفق مع مسيحي عربي من الفحيص يدعى سليم (سالم) سليمان لمرافقته في رحلة إلى مادبا. وقد كان دليلاً ممتازاً له معرفة تامة بالمنطقة كما كان صادقاً وأميناً وعلى علاقة جيدة مع قبائل بني صخر».
 
وهذا دليل ساطع على عمق الأخوة والصداقة التي تربط بين أهالي الفحيص وعشائر شرق الأردن من بني صخر وغيرهم.
 
ومن الجدير بالذكر بأن المسيحي في منطقة البلقاء كان يدفع بالدية إذا قام أخوه المسلم بإرتكاب جريمة قتل أحد الأشخاص وهي مبلغ محدداً من المال أو غيره يدفع لأهل القتيل من القاتل.
 
وختاماً لا بد من التأكيد أن التعاون والعيش المشترك الذي ساد مجتمعنا الأردني كما ذكرنا سابقاً لا بد له من الاستمرار في الأيام القادمة حتى نحافظ على لحمتنا الوطنية ويبقى مثالاً يحتدى به للأمتين العربية والإسلامية وللعالم أجمع في المحبة والوئام بين مختلف فئات المجتمع الواحد المبني على المواطنة الصالحة والمحوكمة.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات