Friday 27th of May 2022 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    21-Jan-2022

العنونة في رواية «جسر بضفة وحيدة» لهيا صالح

 الدستور- دلال عنبتاوي

 
مدخل: يعد العنوان ومتلازماته من غلاف وإهداء من أهم أبواب العمل الإبداعي، بل يكاد العنوان أن يكون الباب الأول والرئيس للدخول إلى عالم الإبداع بشتى أشكاله وصنوفه، ثم تبدأ الأبواب الأخرى بعد ذلك ومن ذاتها بالانفتاح والكشف عن هويتها ومضامينها، و الرواية من أهم أشكال العمل الإبداعي.
 
ماذا يقصد بالعنونة:
 
العنوان للكتاب كالاسم للشيء به يعرف وبفضله يتداول، ويشار به إليه، ويدل به عليه، يحـمل وسم كتابه، وفي الوقت نفسه، يسمّى العنوان علامة من الكتـاب جعلت عليه وهي ما يختاره المؤلف الكاتب الروائي من اسم صريح يتوج به منتجه الإبداعي.
 
بنية العنوان في هذه الرواية:
 
معروف أنَّ العنوان هو الرواية والرواية هي العنوان، وهما يسيران في شكل متوازٍ، و لا يمكننا أن نعتبر العنوان ثانويًّا أو ملحقاً بالنَّصِّ أو خارجا عنه ؛ لأنه هو البوَّابة التي تُدخِل القارئ إلى متن المُنجَزِ الإبداعي، ولهذا ينبغي على الناقد تناول عتبة العنوان قبل الدخول إلى متن النَّصِّ، وعليه أن يحذر عتبة العنوان لكي لا يسقط في فخِّ القاصِّ ومكره؛ لأنَّه إذا لم يضبط إيقاع العنوان فإنَّه يتيه في فضاءات العمل الإبداعي والرواية بشكل خاص ومتميز، إذ قد ينفلت من بين يديه، وحينها يكون الناقد ظالماً للروائي وللعمل كذلك؛ لأنَّه سيُضطرُّ عندها إلى تقويل النَّصِّ ما لا يريد قوله، وعندما نقول بأنَّ العنوان هو نصٌّ موازٍ للمتن، فإنَّنا لا نعني بذلك وصفه بالتَّقرير والمباشرة المفرطة التي تفضح النَّصَّ وتكشف جماليَّته من البداية، وإنَّما نقول ذلك لنبيِّن مدى الارتباط والصِّلة التي تجمع بين العنوان والنَّصِّ؛ لأنَّهما يؤدِّيان مع بعضهما وظائف مشتركة ومتداخله أهمها:-الوظيفة السَّيكولوجية: حيث إنَّه يساعد على استفزاز القارئ وإثارة انتباهه، بل محاولة استمالته وإقناعه لتقبُّل موضوع أحداث الرواية وفصولها وكذلك التَّعاطف مع أبطالها
 
ومن تلك العناوين التي أدَّت ذلك الدَّور في هذه الرواية: الحب الأول/ عزلة اختيارية/ الأحد الكئيب/ قبل السقوط وبعد السقوط..
 
-الوظيفة السّوسيولوجية: وهنا يعمل العنوان على أن يصدم القارئ لارتباطه بواقعه الاجتماعيِّ وبهمِّهِ المعرفيِّ، بل قد يتقاطع مع معتقداته وأيديولوجيَّته، ومن تلك العناوين: جسر الموصل العتيق/ فتاة التصوير/ رصاصة في الرأس..
 
العنوان في الرواية هو بابها، ومفتاح لضبَّة النَّصِّ، وسلطته، وتحديد هُويَّته، منه نستلُّ رأس الخيط، ونعرف طبيعة الموضوع الذي نحن بصدده، لتبدأ حواريَّة المتلقّى القارئ أو المتصفِّح معه، وقد يشكِّل لوحده قصَّة متوازية مع القصِّ الرَّئيسيِّ، لذا ففي اعتقادي أنَّ العنوان ينبغي أن يكون ذا صلة بمتن العمل الإبداعي على وجه العموم، وأن يتشابك ويلتقي مع محتواه؛ على ألَّا يكون مباشراً مباشرة قصوى لكي يكون القارئ مستعدًّا لتقبُّل النَّصِّ وتذوُّقه، وبقدر ما يكون العنوان مناسباً وصادماً ومدهشاً وإيقاعيًّا، بقدر ما يجلب اهتمام القارئ ويدفعه إلى الاستمتاع بفحوى الرواية، فلا ينبغي أن يكون واضحاً فاضحاً للمضمون، كاشفاً للمعنى، ولا غامضاً كلَّ الغموض؛ فيتيهَ القارئ في البحث عن دلالة العنوان متناسياً جماليَّة النَّصِّ، أو يكون العنوان أرقاماً أو فصولا مرقَّمة بالأرقام جامدة لا دلالة لها.
 
هذا العنوان: «جسر بضفة واحدة»
 
جاء في تعريف كلمة الجسر في قاموس معاجم اللغة، من ج/ س/ ر وهي جسر وجسور وهو قنطرة تبنى فوق نهر أو هوة لعبورها، وهي أنواع جسر معلق/ جسر متحرك/ جسر عائم وغالبا ما يكون لهذا الجسر ضفتان للمساعدة على قطعه وتجاوزه ؛أما أن يأتي هنا وبضفة وحيدة مما يفتح المجال أم التفسيرات العديدة: أولها هل هو مكسور ـــ أو يملك ضفة أخرى ــــ ولعل هذا تعززه كلمة وحيدة، بمعنى أن الخلاص فيه ومنه صعب وشائك أو هو مفتوح على الهروب باتجاه واحد فقط وهذا ما تجيب عنه الرواية ذاتها من خلال أبطالها وأحداثها.
 
العنونة الداخلية:
 
لقد اعتمدت هذه الرواية على ما يسمى العنونة الداخلية فنحن لسنا أمام فصول، بل أمام مجموعة من العناوين بدأت ب.... جسر الموصل العتيق/ وفتاة التصوير/ والحب الأول/ وعزلة اختيارية/ والأحد الكئيب/ وقبل السقوط وبعد السقوط/ ورصاصة في الرأس/ وعمار من جديد/ وقدرات فارقة/ وجسر النور/ وأخيرا الوصول...نجد هنا إننا أمام مجموعة من العناوين وعددها (11) احد عشر عنوانا كل عنوان يشكل عالما مستقلا بذاته، لكنه ينتظم ضمن بنية واحدة تلتظم جميعها في خيط واحد يشكل عقد تنتظم فيه تلك العناوين، كما الأحجار الكريمة في العقد لتتشكل منها رواية «جسر بضفة وحيدة»، ولعل من الضروري هنا التوقف عند العنوانين الفرعيين الأول.. وما قبل الأخير فالأول جاء يحمل كلمة جسر ضمن بنية عنوانهما الأول : «جسر الموصل العتيق» والأخر جاءت كلمة جسر ضمن بنيته في العنوان «جسر النور»، مما يعكس لنا أن الجسر احتل دلالة واسعة في ضمن تشكل هذه الرواية وضمن بنيتها الداخلية والخارجية؛وأنه في داخله وطياته يحمل فكرة الخلاص، والهروب، والانعتاق.
 
أن المتَتَبِّع للعنونة في النِّتاج الأدبيِّ، يجد أنَّ النثر أوفر حظّاً من غيره في امتلاك العنوان، ويمكن القول كذلك إنَّ العنوان يشكل بنية كتابيَّة تعلو النَّصَّ وتتعـالق معه دلاليَّاً، وهذه سمة تصب في توفير طاقة المتلقّي نحو النَّصِّ ؛ لأنَّ العنوان هو الجسر الأوَّل الواصل بين النَّصِّ والكاتب، وما بين القارئ والمتلقِّي، ومن ثـَمَّ يجـب أن يكـون العنوان جاذباً للمتلقي منذ البداية، يعطيه -نوعاً ما- فكرة عن هذا النَّصِّ وصفته الأدبيَّة، ويساعده على امتلاك الدَّوالِّ الحرَّةِ التي تجعل العلاقة الحميمة والقوية حاضرة بين العنوان والعمـل.
 
في الحقيقة إنَّ المؤلِّـف لا يضع عنوانه اعتباطاً، وإنَّما يتقصَّد من وراءه مزيداً من الدَّلالات والاضـاءات التـي تسهم بشكل كبير في فكِّ رموز نصِّه، سواءً أكان ذلك في صياغته وتركيبه أم في دلالتـه وتعالُق النَّصِّ به، وتبقى دلالة العنوان غائبة ومراوغة، عصيَّة على القـبض، تحتمـل الكثير من التَّأويلات. الأمر الذي يدفع بالقارئ إلى تحديد دلالة العنوان، من خلال البحث فـي تعالقه مع النَّصِّ اللاحق دلاليًّا ولغويًّا، فالعنوان والنَّصُّ يشكِّلان بنيـة معادَلِيـَّةً كبـرى، بمعنى أنَّ العنوان يولِّد معظم دلالات النَّصِّ، فإذا كان النَّصُّ هو المولود، فـالعنوان هـو المولِّد الفعليُّ لتشابكات النَّصِّ وأبعاده الفكريَّة.
 
البنيةُ التَّركيبيَّةُ للعناوين في هذه الرواية :
 
يتَّجهُ التَّحليل في هذه القراءة السريعة إلى بنية العنوان ورصد شؤونها، من حيـث هي نصٌّ وفق القاعدة البنيويَّة «إنَّ النَّصَّ بذاته نظام أو بنية خاصَّة»، من هذا المنطلـق ندخل إلى العنوان بوصفه نصًّا لغويًّا، يخضع لكلِّ الإمكانات التي تتيحها البنيـة النَّحويَّة للُّغة، وعليه فإنَّ العناوين جاءت في هذه الرواية ذات مبنى كلي متكامل قامت على الجملة الاسمية جسر الموصل العتيق/ وفتاة التصوير/ والحب الأول/ وعزلة اختيارية/ والأحد الكئيب/ وقبل السقوط وبعد السقوط/ ورصاصة في الرأس/ وعمار من جديد/ وقدرات فارقة/ وجسر النور/ وأخيرا الوصول... وابتعدت ابتعادا كليا عن الجملة الفعلية أو الحرف أو الكلمة المفردة إلا في العنوان الأخير «الوصول» وكأن هذا العنوان الأخير، الذي اختتمت به عناوين هذه الرواية يحمل إجابة عن التساؤلات، التي خلفها الجسر بضفة وحيدة بحيث ربما تم القفز عنه وتجاوزه إلى ضفة أخرى تشكل الخلاص وربما «الوصول».