Thursday 2nd of July 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-Jun-2020

قراءة في ديوان «بنت الخيمة» لشاعر الطفولة محمد جمال عمرو

 الدستور-د. زياد أبولبن

 
محمد جمال عمرو أحد الشعراء الذين أخلصوا لكتابة أدب الأطفال، وعلى امتداد سنوات عمره أصدر عدداً كبيراً من الدواوين الشعرية للأطفال، ونشر قصائد عدة في مجلات أردنية وعربية تُعنى بثقافة الطفل، كما شارك في مؤتمرات عربية ودولية، وقدّم أبحاثاً تخصّ أدب الطفل وثقافته، وكتب أيضاً القصة والمسرحية ومسلسلات تلفزيونية وأفلاما كرتونية للأطفال، وشارك في حوارات وورشات عمل، وحاز عددا من الجوائز، وعمل في هيئات تحرير مجلات الأطفال العربية والأردنية، ولم يتوقف نشاطه الإبداعي طيلة حياته. حقاً إنه كاتب مبدع، اكتسب شهرة عربية واسعة، وإن تسنّىلأحدهم أن يعدد أسماء كتّاب أدب الأطفال العرب فيكون محمد جمال عمرو حاضراً من ضمن هذه الأسماء الكبيرة.
 
وأخيراً يطلّ علينا بمجموعة قصائد للأطفال بعنوان «بنت الخيمة وقصائد أخرى للأطفال»، ضمن سلسلة سنابل الصادرة عن الهيئة المصرية للكتاب للعام 2019، وجاءاختياره لعنوان المجموعة (بنت الخيمة) مرتبطا بالطفلة (صَيتَه) في قصيدة (أحلام صيته)، لما لاسم (صيته) من إحالة معرفية تقترن بالهوية العربية، وهي هوية الطفلة اللاجئة،حيث تقوم قصيدة (أحلام صيته) على لسان الطفلة (قالت بنت الخيمة صيته)، وحُلمها بالتمني (لو تكون عفريته)، مما يكشف عن طبيعة سلوكية لـ (صيته) تختلف عن بنات جيلها، وهذا الحلم لا يتحقق إلا بمعجزة، وتأتي هذه المعجزة من المارد الساكن في القمقم، فيخرج ويحقق الحلم، ونلحظ أن ثقافة الطفل الشعبية قد رسمت له حكايات المَرَدَة والقماقم في التراث العربي، وما جاء في حكايات ألف ليلة وليلة، أي هو نسيج ثقافة مجتمعية، في الوقت الذي يعجز فيه الإنسان عن تحقيق الأحلام، وتحقيق رغبات الأطفال في أن يكون لهم الملاذ في الواقع لصنع أخيلتهم، وما كان من الطفلة (صيته) إلا (الحلم القمقمي) لتحقيق آمالها وأمنياتها، ولم تكُ تلك الآمال والأمنيات شيئاً خاصاً يعود على (صيته) بالخصوصية، وإنما كان مطلباً عاماً يخصّ الطفل الجائع المشرّد (أطعمْ هذا الطفل الجائع..)، كي يرسم على وجوه الأطفال البسمات، ولا يتحقق هذا الحلم إلا ببناء دار تؤويه، وهنا رمزية الدار تعود على الوطن، ورمزية الخيمة تعود على النزوح أو اللجوء، وتبقى الأماني والأحلام مرهونة بالمستقبل: «وغداً تُشرق أجمل شمس/ كي ننسى آلام الأمس».
 
تطالعنا أولى قصائد المجموعة (دانه الفنانه)، حيث تقوم القصيدة على ضمير الغائب في بنائها الفني، فتلك (دانه) الطفلة الصغيرة التي تنشغل بالرسم، وهي موهبة تبرز لدى الأطفال في صغرهم، إذ يجد الطفل في عالم الرسم حُلماً لتحقيق رغباته المستوحاة من واقعه، وتلك الألوان تحلّق في فضاء يصنع من خلاله عالماً رديفاً للواقع كما فعلت (دانه): «وبريشتها تسقي الكُلّا/ فتصير الأرض هي الأحلى/ وتغرّد أطيار الحقل/ يا (دانه) يا تاج الفلّ/ زيدي دُنيانا ألوانا/ زيديها فرحاً وأمانا».
 
في قصيدة (حصان فاخر) يبدو الشاعر محمد جمال عمرو وكأنه يؤصّل لأهمية الخيل عند العرب، بوصف الخيل ركوبة استخدمها العرب في القديم، أما في العصر الحديث فهي على نطاق ضيّق، في عصر الآلة والتقدم التكنولوجي، فيدور حوار في القصيدة بين دانه الفرحة بلعبة ركوب الخيل على ظهر جدّها، والجدّ الذي يستعيد الماضي عندما كان صغيراً ويركب ظهر أبيه ويدور في البيت، وكأنه يركب حصاناً فاخراً، لكنّ الجدّ غاب، وغيابه مرتبط برحيله عن الحياة، فيُمسي ذكرى في حياة (دانه)، وهي ذكرى سعيدة رغم أنها محملة بالفراق: «لكن ذات نهار غاب/ تسعدني ذكرى الأحباب».
 
يجعل الشاعر في قصيدة (تيمور المُخرج الصغير) من المسرح أداة لتحقيق حلم الصغير (تيمور) في التمثيل، وهو حلم الأطفال المسكون بشغفهم بالتمثيل، في أدوار تنسجم مع طبيعتهم، كما فعل (تيمور) الذي أحب دور العصفور وامتلاك الحرية في التحليق على خشبة المسرح أمام الجمهور، وقد رفض دور الفراشة، لوعيه في امتلاك قدرات المُخرج في تحديد ما يتّفق وحال كل شخصية من شخصيات المسرح: «في المسرح يلهو (تيمور)/ يبكي ويراه الجمهور/ (تيمور) بريء وجميل/ يصمت إن بُدئ التمثيل/ وهو المخرج حين يريد/ وإذا يطلب فهو عنيد/ لم يعجبه دور فراشة/ فحكى لي وبكلّ بشاشة/ أنا عصفور سوف أطير/ وجناحي حلو وكبير».
 
يدرك الطفل أن الشبه بينه وبين أبيه شبه يخاله في العلاقة المنسجمة مع طبيعته المتعلقة بحب الأب وعطفه وحنانه ومشاركته اللعب، وهذا الإدراك ينمّ عن وعي طفولي في الحياة، وهو ما يميّز أطفال الشاعر في قصائده، فهم أطفال كبار في وعيهم وعلاقتهم بالمحيط الأسري المفضي إلى العالم الذي يدور حولهم، وصغار في لعبهم ولهوهم بما ينسجم وقدراتهم الفردية المتفاوتة من طفل إلى آخر، وقد أدرك (تيمور) الشبه بينه وبين أبيه مبكراً: «أبي مَنْ يشبه الآخر؟/ أتسمح لي بأن أسأل؟/ أنا أم أنت أخبرني/ تبسّم قال: لن أفعل».
 
كان للغة العربية نصيب في قصيدة مغناة (حروف وموسيقا) وهي قصيدة راقصة بإيقاعها، وتمجد لغة الأجداد، لغة العرب، التي فيها كنوز المعاني، وقد أنارت دروب الحضارة والعلم والأدب: «لغتي كنز للأحفاد/ حيّوا صحبي لغة العرب/ صانتك عقول جبّارة/ صنعت تاريخاً وحضارة/ وأنارت للعلم منارة/ حيّوا صحبي لغة العرب».
 
أتعصب للغتي في تناول مفرداتها شعراً أو نثراً موجّهاً للأطفال، فالشاعر يتغنى بحبّ الأم، التي هي زهرة الحياة، وبسمة الأمل، في قصيدة (أحلى ماما)، وإن كان مطلع البيت الأول «أمي أزهار وربيع..»، فيأتي تكرار لفظة (ماما) في القصيدة أربع مرات عدا عنوان القصيدة، ما يدعو إلى ترسيخ اللفظة في لغة الأطفال، وهي ليست بعربيتنا التي نعتز بها ونفاخر، وإن كانت تتردد في وقع الحياة اليومية، فالدعوة لتبني فصاحة اللغة العربية باب مطروق ومفتوح على مصراعيه، وإن كان الشاعر قد وضع اللفظة بين أقواس حصر، فهذا لا يبرر استخدامها، ولا يقلل من قيمة القصيدة وفنيتها، فيقول: «ونغنّي حبّك أنغاما/ «ماما» «ماما» أحلى «ماما».
 
كما كان لعيد الأم احتفال خاص لدى الطفلة (لينة) التي فقدت أمها، وجاءت أبيات القصيدة على لسان (لينة) إلا في بيتين بضمير المُخَاطَب (أي الشاعر)، وأبيات أخرى بضمير الغائب ألا وهي الأم، وهو تنويع ما بين ضمير المتكلم وضمير المُخَاطَب وضمير الغائب، وهذا التنوع قد يخلق في القصيدة وهجاً شعرياً يكسر إيقاع اللغة نفسها: «فاحتفلي احتفلي يا لينة/ يؤذيني لو كنتِ حزينة/ عيشي العيد وعيشي المرح/ روحي معك تعيش الفرح/ وغداً في الجنّة ألقاكِ/ لينة لينة ما أحلاك!/ لن أنسى وجهك يا أمي/ لا في صحوي أو في نومي».
 
استطاع الشاعر محمد جمال عمرو أن يقدم للأطفال شعراً يفيض بالحياة، ويصنع الفرح والأمل بغد مشرق، وقد جاءت القافية في أبيات كل قصيدة مختلفة أو هي قافية شعرية محمولة على البيت الشعري وليس على القصيدة، مع التزامه بالوزن الشعري الواحد في القصيدة، وقد تخيّر الشاعر ألفاظاً تناسب الطفل وقدراته اللغوية، بتشكيل الصور الفنية التي أغنت الشعر، ورفعت من منزلته.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات